كلمة ترحيب بالحضور
ألقاها الشيخ حسني حسن الشريف حفظه الله
بسم الله وبالله ومن الله وإلى الله ، الحمد لله والصلاة
والسلام على سيدي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه . وبعد،
باسمي وبسم أتباع الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
وأعضاء الهيئات الإدارية والعامة لمؤسسات ومنتسبي دار
الإيمان أرحب بكم جميعاً في دار الإيمان في حفلها السنوي
بذكرى مولد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم هذا الحفلُ
الذي نفتتحه باسم الله.
وقبل البَدءِ اسمحوا لي أن أرحب باسمكم جميعاً بسماحة
الدكتور الشيخ محمود شويات الذي لبى مشكوراً دعوتنا
لمشاركتنا هذا الحفل. كما أرحب بالسادة العلماءِ والفضلاءِ
وأصحاب العطوفة والسعادة والإخوة والأحباء جميعاً الذين
يشاركوننا حفلنا هذا. كما أشكر كل الذين ساهموا في الإعداد
والمشاركة لإنجاح إحياء هذه الذكرى العطرة.
أيها الإخوة:
لقد اعتدنا في السابق أن نجعل احتفالنا بمولد النبي صلى
الله عليه وسلم فرصة للفرح والتعبير عن محبتنا لذاته
الشريفة ودافعاً للإنقياد لأوامره ، واتفقنا على أن العمل
ثمرة من ثمار الحب المحمدي الحتود ، وفي هذا العام ونحن
نحتفل بهذه المناسبة العزيزة وننشد بركتها وإشراقاتها
وعطاياها أردنا أن يكونَ لهذا الحفل عنواناً من عناوين
وحدة المسلمين ألا وهو
التقريب بين المدارس الإسلامية كأداة من أدوات
الوحدة وجمع الكلمة والإصلاح والتغيير ضمن سلسلة متراكمة
من معاني الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن الأمة الإسلامية في أزمتها الراهنة التي تفاقمت
وتشعبت وتغلغلت في مختلف جوانب حياتها قد فرضت عليها
التفرقة ومزق العدو شملها فصارت فئاتٍ متصارعةً تصارعاً
يشغلها عن دورها المشترك ، وأقام الأعداء في الأمة من
يستفيد من الفرقة ويعيش عليها ولذا فهو يحرص على دوامها ،
ومما زاد في بلائها هذه الحملات المسعورة من تداعي الأمم
عليها تداعي الجياع إلى قصعتها .
لقد تنادينا هنا في دار
الإيمان منذ زمن إلى ضرورة فتح باب الحوار بين
مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه لا من خلال التنظير وأحلام
اليقظة، بل ضمن منهجية تراعي الواقع الحالي للمسلمين،
وقمنا بإصدار كتاب جامع احتوى رؤية واضحة للمشكلة المانعة
من الإصلاح مع تصور اجتهادي للحل يراعي الثابت والمتغير.
ولأن تغيير ما في النفس أصل من الأصول القرآنية الثابتة
للإصلاح، ومن موقعي كشيخ للطريقة الخلوتية الجامعة
الرحمانية ينادي بالتقريب بين المدارس وإصلاحها ، ويدعو
الطرق الصوفية لممارسة هذا الدور، فقد دعوت إلى إصلاح
الخلل الذي لحق بمعظمها في الخمسين سنة الماضية من جهل
وغلو وتمسك بالمظاهر وابتعادهم عن
الجوهر الحقيقي للتصوف في
الإخلاص والتزكية والأخلاق السامية.
ومن خلال قراءتي لواقع حركات الإصلاح عبر تاريخنا المجيد
وجدت أن إصلاح التصوف كان على الدوام الهدف الأبرز لكل
المصلحين ، لأن مدرسة التصوف هي الأقدر على إيصال
المجتمعات إلى أهدافها ودورها الريادي في نهضة المسلمين من
خلال برامج التربية والتزكية والإنقياد المطلق لأوامر الله
ورسوله إن هي عادت لهذه الأصول.
إن الإختلاف في الفروع بين مدارس الإسلام رحمة . ولا
يستدعي أن يدعي صاحب كل منهج أن منهجه هو الصحيح وأن ما
عداه خروج وكفر بقدر ما يستدعي الإلتزام باتباع ما تم
الإتفاق عليه من الأصول واحترامِ ما اختلف فيه من الفروع
أخذاً بمنهج الإمام الشاطبي بتعظيم الجوامع واحترام
الفروق.
إن افتراق المسلمين على القضايا الخلافية الفرعية يجعلُ
الأصل فرعاً والفرع أصلاً ، ويقيم حرباً غيرَ شريفة بين
المسلمين بسبب هذه الجزئيات مما يحدث التمزق بالأمة
الإسلامية ، بينما يتحرق أعداء الإسلام إلى ضرب الإسلام
ومحوه.
أيها الإخوة:
نحن لا نعني بالتقريب إلغاء المدارس الإسلامية أو المذاهب
الإسلامية أو الدعوة لمدرسة معينة دون أخرى فهذا بالإضافة
إلى كونه متعذراً فإنه ينفي التعددية المحمودة الثرية التي
اختُص بها هذا الدين. نحن ننادي للحوار وقبول الرأي الآخر
وعدم التعصب للرأي.
أيها الإخوة:
حال أمتنا لا يسر ونحن جميعاً شركاء في تحمل المسؤولية
وأرى أن موانع الإصلاح تكمن في الآتي:
أولاً :
الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الأمة من الخارج .
ثانياً :
واقع الفرقة بين دول الإسلام وحكوماته ومدارسة ومذاهبه
وتياراته، وانتشار ظواهر التعصب والغلو والجهل والكراهية
وعدم التسامح، إضافة إلى ظهور أنصاف العلماء واشتغال غير
ذوي الإختصاص بالفتوى والقول على الله بغير علم وحرب
التجريح وتشكيك الأمة بعلمائها وتوجه كثير من الدعاة
لتجريح بعضهم بدلاً من البحث عن علل المجتمع ومداواتها مما
أفقدهم ثقة الناس.
ثالثاُ :
انصراف المجتمع بمختلف هيئاته إلى الإنشغال بقضاياه
اليومية الصغيرة التي تدور حول الغذاء والكساء والمأوى
والتنافس في التجارات واللهو وتلبية الشهوات، وانتشار
النفاق وسقوط القيم والأخلاق حتى صار الحديث عن المثل
العليا إما وسيلة ثقافية يتكسب بها الخطباء والوعاظ
والمدرسون، أو مثاليات وخيالات يستخف بها الكثيرون ولا
يعيرونها انتباهاً.
رابعاً :
شيوع ظاهرة التكفير في المجتمعات الإسلامية من خلال سماسرة
التكفير الذين ولغو في المسلمين تكفيراً وتفسيقاً
وتضليلاً، فإنك أينما وجهت وجهك في مسجد أو اجتماع أو فرح
أو ترح أو جنازة إلا وجدت من بعض من تزيّا بزي الدعوة
والعلم وجل كلامه الحكمُ على الناس يريد في الوقت نفسه أن
يكون قاضياً وداعية وعالماً وجلاداً . ويرتبون على هذا
التكفير آثاره من استباحة الدماء والأموال . نزغ الشيطان
في نفوسهم أنهم وحدهم بخير وأن الناس سواهم هلكى ، وعند
ذلك تحولت كل حركة من غيرهم شركاً وبدعة ، واغترت الدهماء
من العامة بكل كليم اللسان وتشكلت كتائب الهدم . وفيهم
يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن
أبي هريرة (إذا قال الرجل هلكَ
الناسُ فهو أهلكُهُم).
إن ما تعانيه بعض مجتمعاتنا من أخطاء وانحرافات وممارسات
نعترف بوجودها ولكننا نقول إنها ناتجة عن جهل يحتاج إلى
معلمين لا إلى جلادين ، إلى دعاة لا إلى قضاة.
أيها الإخوة:
ما أحرانا ونحن نحتفل بذكرى مولد الإنسانية أن نستشعر قول
الحق تعالى {ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحكم} ، لا بد من فتح باب الحوار
بين مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه ، ولابد من الإستماع إلى
الرأي الآخر خروجاً من المأزق الذي نحن فيه والتماساً للحق
أينما كان، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها . وفي
الحوار لابد من المجادلة بالتي هي أحسن بعيداً عن التجريح
والتسخيف ومحاولة إحراج الآخر . ولابد من حسن الظن بالآخر
وهو أدب جم من آداب الحوار . أخرج الشيخان عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم (إياكم
والظن فإن الظن أكذبُ الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا
تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا).
ثم لابد من تجنب التكفير والتفسيق والإتهام بالإبتداع حيث
يعمد البعض للإستناد إلى آيات وأحاديث نزلت في الكافرين
فأنزلوها بأهل القبلة . ثم أخيراً لابد من التركيز على
نقاط الإتفاق والتعذير عند الإختلاف .
أيها الإخوة:
وأنا في هذه العجالة متحدثاً عن الإصلاح والمصلحين وحتى
نستشعر جميعاً عظم المسؤولية ، لابد لي من الإشارة إلى أمر
هام. فالناس عند فساد الزمان غالباً ما يكثر فيهم الحديث
عن المهدي المنتظر وأنه هو المخلص وبيده المخرج ولجهلنا
جميعاً بموعد ظهوره، فهل هذا يعني أن ننام بملئ جفوننا حتى
ظهور المهدي عليه السلام دون أن نحرك ساكناً !. وماذا لو
انتظر عمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل والإمام الشافعي
والغزالي والجيلاني وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم من
المصلحين ، ماذا لو انتظروا المهدي وماذا سيكون حال
المسلمين !. هذه واحدة .
أما الثانية فإننا حين نناقش التحديات التي تواجه المسلمين
اليوم كثيراً ما نستشهد بانتصارات صلاح الدين لندلل على
أهمية الروح الإسلامية في مواجهة الأخطار ، والأسلوب الذي
يتم به هذا الإستشهاد يبدأ باستعراض أهوال الحملات
الصليبية ثم يقفز مدة نصف قرن ليتحدث عن حركة الجهاد
العسكري التي قادها آل زنكي ثم صلاح الدين والتي انتهت
بتحرير البلاد ، وهذا أسلوب يقود إلى الاستنتاج التالي :
أن ما تحتاجه الأمة في معركتها (مع تخلفها) هو قائدٌ مسلم
يستلهم روح الجهاد. وهذا فهم
له خطورته لسببين :
الأول
أنه يصرف الأنظار بعيداً عن الأمراض الحقيقية التي تنخر في
الأمة فتفرز فيها القابلية للتخلف والهزيمة. ويشغلها
بتعداد المخاطر دون حل . والحل هو معالجة الضعف نفسه.
والسبب الثاني
أن هذا الفهم يوجه إلى العمل الفردي ويحول دون العمل
الجماعي ، ويستبعد دور الأمة في المسؤولية ، ويشيع التواكل
على القيادات وحدها وينمي في نفوس القادة روح القيادة
الفردية والإرتجال.
إن عملية تحرير القدس ودحر الصليبية زمن صلاح الدين لم تكن
وليدة بطولة فردية ولا وليدة عمل خارق للعادة ، لكنها كانت
تمثل الخاتمة والنهاية والنتيجة المقدرة لعوامل التجديد
ولجهود الأمة بأكملها استمرت حوالي مائة عام بدأها الإمام
الغزالي رحمه الله وكان من رجالها الإمام الشيخ الجيلاني
وغيرهم من العلماء والأولياء والقادة والمربين والآباء
والأبناء. استطاع صلاح الدين في النهاية استثمار تلك
الجهود وتوظيفها ليضع الأمة في إطار الفعل والإنجاز
الحضاري.
كان الغزالي يعالج قابلية الهزيمة بدل التباكي على مظاهر
الهزيمة. ويبحث في القابلية للإستعمار بدل توجيه اللوم إلى
الإستعمار . فالغزالي لم يجعل منطلقه الأول هو البدء
بالإصلاح السياسي أو العسكري وإنما جعله في الإصلاح النفسي
والخلقي. وهذا مبدأ قرآني واضح
{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
ولذلك ركز على ضرورة تطهير المجتمع الإسلامي من الأمراض
التي كانت تفترسه وعلى ضرورة إعداد المسلمين لاستئناف حمل
رسالة الإسلام حتى تبلغ الدعوةُ أقصى العالم وتتوطدَ دعائم
الإيمان والسلام فيه . هكذا كان العمل وكانت النتيجة أن
جاء صلاح الدين ليجد مجتمعاً صالحاً مكنه من تحرير البلاد
والمقدسات.
أيها الإخوة:
بالعمل للإسلام نحتفل بذكرى المولد،
وبالإلتزام بالهدي النبوي نحتفل بذكرى المولد،
وبمدح طه نحتفل بذكرى المولد،
وبلقاء العلماء والفضلاء والإخوة والأحباب نحتفل بذكرى
المولد.
أهلاً بكم مرة أخرى في دار الإيمان وصلى الله وسلم وبارك
على صاحب الذكرى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.