سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

أأرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 آداب العبادات وأسرارها

 

 مقالات في التصوف الصحيح

 

 تراجم أئمة الإسلام

 

 مختارات من الإعجاز العلمي

 

 مواسم خير ومناسبات

 

 مختارات متنوعة

 

 

 


 

مختارات مفيدة

نحو قراءة منهجية للتراث الصوفي الإسلامي


أ.د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي

 

مدخل: التصوف بين الصيت والرؤية العلمية

 ظُلم التصوف الإسلامي في كثير من قراءات الناس له، ربما بسبب المصطلح - كما يذكر البعض - وربما بسبب انحراف بعض المنتسبين إليه، وربما بسبب حرب بعض الاتجاهات الفكرية له وهو ما أشاع عنه أنه وافد ليست الحياة الإسلامية بحاجة إليه، فضلاً عن أنه مبتدَع، تسبب في إبعاد ذويه عن الإسهام الحضاري وعن الارتباط بالأصول الشرعية، وهذه الأسباب وغيرها - بصرف النظر عن صحتها أو صحة بعضها أو عدم صحته - تقرر حقيقة أن هذا الجزء من تراث المسلمين أصابه قسط كبير من الظلم، لا نغالي إذا قلنا لم يُصب بمثله جزء آخر من تراث حضارتنا.

وقد عرف تاريخ الفكر الإسلامي اتجاهات لنقد التصوف بعضها من داخله لتصحيح المسار، وبعضها من خارجه – وهو بيت القصيد - ذهب أهل هذا الأخير مذاهب، أحدها مَدَح حتى الأخطاء، وسوغها بالتأويل، وثانيها غض طرفه عن كل حسن في هذا التراث، فلم ير فيه إلا كل خلل وفساد، وانطلق من حالات فردية إلى حكم عام وموقف شامل، وثالثها توسّط، لكنه لم يكن على شهرة السابقين.

وقد عانى الفكر الصوفي من المذهبين الأولين، بل وحجب كلٌ جزءًا من الحقيقة عن الناس؛ الأمر الذي جعل كثيرًا من العلماء والباحثين قديمًا وحديثًا ينادون بضرورة التزام منهج وسط بين الرفض المطلق والقبول المطلق.

وتعددت أشكال نداءاتهم، فمن قائل بضرورة المنهجية قبل الحكم والنقد، ومن قائل بضرورة التريث قبل الحكم على السابقين، ومن قائل بضرورة النظر إلى كل زوايا التصوف، واعتبار كل مراحله عند التقسيم.

وقديمًا تبني هذه الدعوة علم من أعلام العلماء المحافظين، فنادى بخطأ القبول المطلق والرفض المطلق، وجعل الحكم هوى إن كان صادرًا عن حب مطلق أو بعض مطلق. ذلكم هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سار في هذا الأمر على درب سابقين له من العلماء الحنابلة.

وإذا كان هناك اتفاق بين دعوة المعاصرين ودعوة ابن تيمية ومن سبقه، فإن هناك فارقًا أساسيًا هو أن المعاصرين لم يقدموا تصورًا كاملاً للمنهج الذي ينبغي أن تكون عليه قراءة التصوف، بل أشاروا إلى بعض النقاط بإيجاز وإجمال، أما ابن تيمية فقد قدم تصورًا أكثر تفصيلًا عن المنهج في نقد التصوف، بل وطبّقه في النظر إلى مراحل التصوف، وإلى المصطلح، وإلى رجال التصوف ونحو هذا.

لكن نقول أيضًا: إن هذا التصور عنده مبثوث في شتى كتاباته عن التصوف، وعن السلوك، بل وعن العقيدة أيضًا؛ الأمر الذي لم يجعله شهيرًا من الدارسين، وبخاصة أنه أشيع عن عداء شيخ الإسلام للتصوف الكثير.

فرغبةً في الإفادة من تراثنا الروحي في حياتنا المعاصرة، ورغبة في إنصاف هذا الجزء من تراثنا، وإيمانًا بضرورة المنهج في قراءة التراث بل وغير التراث، وانضمامًا إلى صفوف العلماء والباحثين المنادين بذلك، ورغبة كذلك في إبراز الموقف المنهجي الحق لشيخ الإسلام ابن تيمية.. لهذه الأسباب وما في بابها رأيت أن أقدّم تصورًا لكيفية القراءة المنهجية للتراث الصوفي، آملاً أن أضع به نقطة ضوء أمام الدارسين الباحثين عن الحق والمستهدفين الإفادة من التراث للمعاصرة دون تكلف أو افتعال.

وقد جمعت شتات إشارات من هنا ومن هناك، وتطبيقات تناثرت في ثنايا البحوث وأضفت إليها رؤيتي وخبرة صلتي بهذا الجزء من تراثنا لأقدّم هذه الرؤية التي بين يدي القارئ، محاولاً ألا أحيد عن العدل في حكمي أو تعليقي؛ التزامًا بالمنهج الذي أدعو إليه، على طريق علماء سبقوا وباحثين لا يزالون يعطون العلم خبراتهم ورؤاهم.

 

ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

 

أقرر في البداية أن هذه الضوابط وليدة تأمل طويل لما أثير حول التصوف الإسلامي وما أريد بتقييمه مدحًا أو قدحًا، وقد حاولت –قدر الطاقة- أن أرجع المظاهر التي يأخذها إلى أسبابها الحقيقية المتصلة بطرق التفكير ومناهج البحث، حيث ظهر ذلك من خلال بعض الكتابات التي التزمت بمنهاج دقيق للقراءة، وبعضها الآخر الذي أعوزته الروح الدقيقة لقراءة العلم والحكم عليه والإفادة منه.

ولكي نفيد من هذا الجزء، من تراثنا ينبغي –إضافة إلى الوعي بالحقائق التي أشرنا إليها- أن نلتزم بما يلي:

 

أولاً: ضرورة تجاوز نقاط الخلاف الشكلية والدخول إلى المضمون:

 

أعني بذلك أن نفرّق بين أمرين يتصل أحدهما بالآخر بشكل ما: الأول: حقيقة ومضمون ما يسمى بالتصوف أو الزهد الإسلامي، والثاني: هذا الاسم الذي أطلق عليه وصار مصطلحًا له ظروفه التاريخية والعلمية.

فتحديد الهدف من القراءة وهو الإفادة من الماضي للحاضر، يقوّي ما نشير إليه من ضرورة الدخول إلى المضمون مباشرة، والدخول إلى المضمون سوف يضيّق هوة الخلاف –إن لم يقض عليها نهائيًا- بين المتحاورين حول هذا الجزء من تراثنا، ذلك أن الأخلاق التي هي أبرز ممارسات هذا التراث سمتٌ أصيل للإسلام ذاته، فإذا كان البعض يقرر هذه الحقيقة –وهي أن التصوف خُلُق- بالنسبة للتصوف الإسلامي "واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف هو الخلق... إن هذا العلم مبني على الإرادة فهي أساسه ومجمع بنائه، وهو يشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة وهي حركة القلب؛ ولذا سُمّي بعلم الباطن كما أن علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح ولهذا سمي بعلم الظاهر"، يقول الكتاني: "التصوف هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء".

أقول: إذا كان هذا هو جزء هام من مضمون التصوف الإسلامي فإن من المقرر أنه أخذه من قوام الدين "الإسلام" الذي نشأ في كنفه. فقد امتدح القرآن نبي الإسلام محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم" وفُسّرت بأنك على دين عظيم أي الإسلام. وهو ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق" وقول عائشة رضي الله عنها في وصف الرسول الكريم: "كان خلقه القرآن".

كذلك فإن التزكية وأدب النفس بتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل –وهي أبرز إن لم تكن كل غايات التصوف متضمنة حتى الجوانب المعرفية فيه- حقيقة شرعية قررها الكتاب والسنة، وطبّقها الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته والتابعون، ومن سار سيرهم، وكان لذلك كله أثره في الحياة الإسلامية اعتدالاً، وزهدًا، وشجاعة في الحق ونحو هذا مما تلتزم به النفس الزكية المحسنة، "و(لو) رجعنا إلى الكتاب والسنة وعصر الصحابة والتابعين، وتأملنا في القرآن والحديث، وجدنا القرآن ينوه بشعبة من شعب الدين، ومهمة من مهمات النبوة يعبر عنها بلفظ "التزكية" ويذكرها كركن من الأركان الأربعة التي بُعث الرسول الكريم لتحقيقها (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وهي تزكية النفوس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل، وتخليتها من الرذائل، التزكية التي نرى أمثلتها الرائعة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وإخلاصهم وأخلاقهم، والتي كانت نتيجتها هذا المجتمع الفاضل المثالي، الذي ليس له نظير في التاريخ، وهذه الحكومة العادلة الراشدة التي لا مثيل لها في العالم".

أقول: تحديد الهدف والدخول إلى المضمون لتحقيق أمر منهجي يؤدي الالتزام به إلى الالتقاء حول الحقيقة الشرعية التي "هي الكيفيات الباطنية التي تصاحب الأعمال والهيئات عند أدائها وهي أخلاق إيمانية هي من الشريعة بمنزلة الروح من الجسد، والباطن من الظاهر وتندرج تحت هذه العناوين تفاصيل وجزئيات وآداب وأحكام، وتجعل منها علمًا مستقلاً وفقهًا منفردًا".

وهذا ما حدث فعلاً، فقد اتفق على هذه الحقيقة الشرعية –وهي مضمون التصوف- علماء اختلفت مشاربهم لكنهم جميعًا مسلمون يعرفون حقائق دينهم، فقد قرر هذه الحقيقة ابن القيم، وابن خلدون، والقشيري، وغيرهم، مشيرين جميعًا إلى أن إطلاق لفظ الزهاد أو العباد أمر له ظروفه التاريخية، وجودًا ودلالة، وذلك لا يقدح في حقيقة المسمى.

والدخول إلى المضمون مباشرة يجنبنا أن نقع فيما أسماه البعض بجناية المصطلح على حقيقته ومضمونه، فقد كان مصطلح "التصوف" والخلاف حول دلالته، وتعريفاته، طريقًا للخلاف بين قراء المسلمين، حجبهم فيه الوقوف أمام الشكل عن حقيقة التزكية والتربية والإسهام الاجتماعي وكل خير قدمه التصوف الإسلامي لمجتمعه باعتباره فكرًا إسلاميًا، تضرب جذوره في مصادر الإسلام، ويأخذ نماذجه وقدوته من سيرة الرسول الكريم وصحابته ومن سار على طريقهم.

كل هذا حُجب عن عين القارئ وذهنه لأنه شُغل بالخلاف حول التصوف ونسبته إلى الصوف أو الصُفّة أو الصفاء، أو إلى كلمة ليست في لغة العرب "سوفيا" وهذا لا يجدي للحياة وإن كان يشتغل به الباحثون في زوايا التاريخ، ولو فطن من يقرأ لهذه الحقيقة لعرف أن هذا التراث اجتهاد قومٍ لإثراء الحياة في جانب من جوانبها، كما أثراها علوم أخرى واجتهادات أقوام آخرين، "وإذن عرف أن منشأ التصوف كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد ما له فيه اجتهاد، كما كان في الكوفة من يسلك طريق الفقه والعلم ما له فيه اجتهاد.

وهؤلاء نُسِبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهي لباس الصوف، فقيل في أحدهم (صوفي)، وليس طريقهم مقيدًا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك، ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال".

وجدير بالذكر أن هذا المضمون الذي يمكن أن نفيده لحياتنا كان سمة التصوف الإسلامي بوصفه السني أو الشرعي، وأنه ما جانبه هذا السمت إلا حين انتحل التصوفَ بعض الغلاة أو المنحرفين الذين كانا موضع نقد الصوفية أنفسهم -كما سيجيء إن شاء الله- وكذلك حين غرق التصوف في متاهات الفلسفة، فانتقل في نظريات بعض القوم إلى عبارات ودلالات لا يوافق عليها مسلم ملتزم، وهي كذلك لا تفيد الحياة في التربية أو التغيير؛ إذ هي إلى شطحات الخيال أقرب منها إلى التحقيق في الواقع.

ونحن نقول مع أبي الحسن الندوي: "ليس لنا الآن إلا أن نقرر هذه الحقيقة، ونتحرر من القيود والمصطلحات، ومن النزعات والتعصبات، ولا نفرّ من حقيقة دينية، يقررها الشرع ويدعو إليها الكتاب والسنة، وتشتد إليها حاجة المجتمع، والفرد لأجل مصطلح مُحدَث أو اسم طارئ دخيل.

 

ثانياً: ضرورة القراءة في تجرّدٍ واستقلال فكري:

 

ذلك أن الدخول على فكر ما بفكرة سابقة في رأس القارئ يحرمه الموضوعية في الحكم، ويجعله لا يرى فيما يقرأ إلا ما يشهد لفكرته التي في رأسه، ويلجئه هذا المنهج إلى تأويل ما يراه على غير ما يهوى إلى ما يؤيد فكرته، حتى ولو خالف أظهر قواعد التفكير ومناهج البحث، فالذي يقرأ فكر المعتزلة وفي رأسه حكم الفقهاء عليهم، ووصف أهل السنة لهم بأنهم المعطّلة في الصفات، تراه لا يلتفت إلى أثرهم في الحياة العقلية، ولا إلى ما عُرف عن شيوخهم من عبادة وصلاح، الأمر الذي يتناقض مع ما أشيع عنهم أنهم معطلة يعبدون عدمًا، بل ولا يلتفت إلى جهودهم في مناظرة اليهود والنصارى ودفاعهم عن الإسلام ضد المارقين.

وقد كان الأمر كذلك في قراءة البعض للتصوف الإسلامي؛ حيث قرءوه لإدانته أولاً وقبل كل شيء؛ ولذلك وقعوا في فجاجة لا يقبلها منطق، ولا يقرها المحققون من العلماء.

ونشير إلى أمثلة وقعت في التعميم وربما التناقض نتيجة للقراءة من موقف محدد سلفاً، فابن الجوزي "أبو فرج عبد الرحمن ـ 597 هـ" الفقيه الحنبلي هاجم التصوف في مواطن شتى من كتبه، وكان جماع هجومه في كتابه "تلبيس إبليس"، ولا يعنينا هنا الهجوم أو المدح بقدر ما يعنينا أن ابن الجوزي في مسلكه هذا الذي عمم فيه الحكم على التصوف ورفضه شكلاً ومضمونا، وجرح كل الكتابات التي كُتبت من فقهاء صوفية كالجنيد أو المحاسبي أو المكي أو الغزالي أو المقدسي، وجردهم جميعاً من العلم بالسنة -أقول: هذا المسلك -مع ما فيه من تعميم لا يوافقه عليه أشد الناس سلفية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية- يظهر تناقضاً واضحاً؛ فهو من جهة يذكر أن أوائل الصوفية كانوا يعوّلون على الكتاب والسنة فكيف يجوز التعميم على كل الصوفية كما وضح في كتابه سالف الذكر؟!، وهو من جهة أخرى له كتاب ترجم فيه للعديد من أوائل الصوفية وشيوخهم، وفيه ينقل الكثير من أقوالهم التي تفيد العلم الذي نفاه عنهم في كتابه "تلبيس إبليس"، فضلا عن اتهامهم بكثير من التهم، فكيف يُقبل هذا؟!

وهو من جهة ثالثة عرف عنه –من خلال دراسة علمية عنه- أنه راضَ نفسه في مستهل حياته على ممارسة حياة الزهاد والإمعان في التقشف، لكنه سرعان ما عدل عن السير في هذا الطريق، ونسب ما اعتراه من مرض إلى هذا الأسلوب من الحياة.

أعني أنه عرف القوم عن كثب، وكان هذا يقتضي أن يفرّق بين الملتزمين منهم، والذين اندسوا في وسطهم وكانوا مثالا رديئاً ينبغي التحذير منه.

ولقد حاول بعض الباحثين أن يفسر هذا الموقف بأنه دخول على التصوف بفكرة سابقة وهي أن ابن الجوزي فقيه حنبلي متشدد، وقد رأى التصوف علما مستقلا عن الفقه له سمته الذي يُعْنى فيه بكيفيات وبواطن ظواهر الأحكام الفقهية، وهذه نظرة جديدة من هؤلاء القوم، جعلت ابن الجوزي ينظر إلى التصوف على أنه مخالف للسنة الدقيقة، ونحن لا نرى في الحنبلية والتشدد السبب الحقيقي، بقدر ما نرى أنه يبني نظرته إلى التصوف من خلال فهمه الخاص للسلفية، إذ الحنبلية والتشدد لم يمنعا ابن تيمية ولا ابن القيم من أن ينصفا من يستحق الإنصاف من شيوخ التصوف.

أما المعاصرون الذين قرءوا التصوف بعيون غير موضوعية فكثيرون من جهة، وأمرهم عجيب من جهة أخرى، فهذا أحدهم يسقط رغبته في تجريح التصوف على كتابات بعض العلماء ويؤولها إلى ما يريد هؤلاء لا ما يريد المؤلف؛ فكتاب "مصرع التصوف" الذي نُسب إلى برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) كان أصله كتابين مستقلين: أحدهما في تكفير ابن عربي، والآخر في تكفير ابن الفارض، فجاء عبد الرحمن الوكيل وجمعهما في كتاب واحد سماه "مصرع التصوف" وأضاف إليه من العناوين ما يحقق به هدفه هو، علما بأن البقاعي قد ذكر صراحة تقديره لأوائل الصوفية، بل ولمتأخريهم الذين لم يذهبوا مذهب ابن عربي، ومنهم علاء الدين البخاري (834 هـ). كما ذكر البقاعي أنه لا يبغض التصوف لكنه يبغض من أبغضه الصوفية ومحققو متأخريهم ممن حاد عن الطريق السوية. والغريب أن محقق الكتاب عاب على المؤلف إنصافه وإقراره أن الصوفية فقهاء، فقال معلقا على المؤلف: "هذه دعوى كذوب".

ولا عجب فقد قال محقق رسالة الصوفية والفقراء لابن تيمية: "لا يا شيخ الإسلام"، مبينا أن التصوف هو الداء الفتاك بهذه الأمة، وأنه عدو التوحيد، ونقيض الإيمان، وما ذلك إلا لأن المحقق كان يريد ألا يقع ابن تيمية في هذا الإنصاف للمحققين من الصوفية، وكان يريد أن يكون كما يهوى هو، وإلا رد قوله كما سبق.

ومن المعاصرين كذلك نجد من يبدأ تعريفه للتصوف بقوله "والتعريف الصحيح للتصوف الإسلامي بأحكام وعظية لا ترتبط فيها النتائج بالمقدمات"، ولكن لأن الرجل كتب الكتاب خدمة لفكرة ما في رأسه أو في رأس غيره فقد أداره على محور التعميم والسب دون دليل يمكن أن يقنع أحدا، فضلاً عن أن يفيد منه.

أما عن ضرورة الاستقلال الفكري فذلك لأن المتابع دون وعي مستقل إمّعة يحسن إذا أحسن الناس، ويسيء إذا أساءوا، وهذه صفة من ليس يملك فكراً مستقلاً، ولا يمكن لقارئ بهذه الصفة أن يقدم جديداً، أو يقترح مفيدا، وحسبنا أن نشير إلى أن هناك قضايا أثارها المستشرقون بخصوص مصدر التصوف وأخذه من غير الإسلام أصوله، وكانوا في هذا خاضعين لعوامل عديدة، بعضها خاص بما لم يكن تحت أيديهم من تراث للصوفية غير فكرهم بعد هذا، وبعضها خاص بقضية التأثير والتأثر التي كانت رائحة في الدراسات الإنسانية في فترة ما.

وقد تابع بعض العرب والمسلمين آراء المستشرقين دون نقد أو تمحيص فقالوا بعدم إسلامية التصوف؛ جرياً وراء غيرهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتأصيل ولو علموا أن بعض المستشرقين رجع عن رأيه في قضية "أجنبية مصادر التصوف" بعد أن توافرت له بعض النصوص الصوفية، ولو قرءوا دراسات المدققين من علماء العصر الذين ذكروا خصائص للتصوف الناضج في كل دين، تبعد قضية التأثير والتأثر عن مكانها الذي كانت قد تسنمته في الدراسات الإنسانية –أقول لو قرءوا هذه البحوث الدقيقة لما قبلوا متابعة غيرهم ولحرصوا على استقلالهم الفكري.

وحين يفقد الباحث استقلاله تجده يتابع دون تدقيق، ودون بصر بعواقب ما يقول، بعداً عن المنهجية، أو تضييعاً لتراثٍ له ما له وعليه ما عليه.. يقول أحدهم: "وفي رأي الدكتور زكي مبارك التصوف: مجموعة من الأفكار الإسلامية والنصرانية واليهودية، أو هو الخلاصة الروحية من تلك الديانات الثلاث.. أما التصوف في رأينا فهو طريقة زهدية في التربية النفسية، يعتمد على جملة من العقائد الغيبية (الميتافيزيقية) مما لم يقم على صحتها دليل في الشرع ولا في العقل"، فانظر كيف جرّ عدم الاستقلال البعضَ إلى أن يقول ما يناقض حقائق ومسلمات في مجال البحث في التراث الصوفي!!. 

 

ثالثاً: التفرقة بين أقوال الصوفية وروايات المؤرّخين عنهم:

ما دام القارئ يتغيا الحكم على التراث الصوفي، بغية الإفادة من الناضج الملتزم منه فإن أمانة العلم تلزمه أن يفرق بين أقوال الصوفية موثّقة النسبة إليهم، وفهم مؤرخي الفكر وكُتّاب الطبقات لأقوال الصوفية وأفعالهم، ذلك أنه إضافة إلى ما يغلب على كتب الطبقات من بعض المبالغات فإنها تُكتب غالباً في وقت متأخر عن حياة المؤرخ لهم، وليس بالضرورة أن يدقق المؤرخ في كل رجال سند الرواية التي ينسبها إلى هذا الشخص أو ذاك، وربما استنبط من روايات لم تخضع لقواعد الجرح والتعديل معاني هو فيها مجتهد ويبتغي بها الخير، وإن جاءت حقيقتها -بعد الدرس والتفنيد- على خلاف مما قصد إليه باجتهاده.

فإذا أضفنا إلى ذلك رغبة بعض المؤرخين في إضفاء صفات معينة على العَلَم أو الشخص الذي يؤرّخون له لسبب مذهبي، أو لميل طائفي، كان لنا أن نؤكد ضرورة التفرقة بين أقوال الصوفية أنفسهم ونظرة المؤرخين لهم وللتصوف، باعتبارها ضرورة منهجية للحكم والاستنباط.

ولا ينفرد التصوف بهذه المسألة فيا روي عنه وعن أهله، بل هي سمة عامة في عموم الروايات "وهكذا كثير من أهل الروايات، ومن أهل الآراء والأذواق، من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم، يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم، وفيما يذكرون معتقدين له شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله. ويوجد أحياناً عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير".

وها نحن أولاء نذكر بعض الأمثلة التي ذكرها مؤرخو التصوف، وهي عند التحقيق تؤدي إلى غير ما قصدوا إليه، أو لا تدل على ما استنبطوه؛ الأمر الذي جعل بعض العلماء يفندها ويرد عليها.

أ- مسألة الصُفّة وربط التصوف بصفات أهلها:

بول -صاحب التعرف لمذهب أهل التصوف-: "وقال قوم إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصُفّة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ولو كان الأمر مجرد رواية عن قوم قالوا هذا في نسبة التصوف لهان الأمر، لكننا نجد السراج الطوسي يصف أهل الصفة بأنهم مقيمون في المسجد، وأنهم لم يؤمروا بطلب المعاش من المكاسب والتجارات. ويصف حب رسول الله لهم، وارتباطه بهم، ويذكر أن الصوفية وجدوا فيهم الاقتداء والاهتداء، ويذكر أن عددهم كان نيّفًا وثلاثمائة.

أما أبو طالب المكي فيجعل منهم رباطًا، ولهم رئيس هو أبو هريرة يأمرهم فيأتمرون، ويصفهم بأنهم كانوا أشد الناس زهدًا. وقريب من هذه الأوصاف وصف أبي نعيم لهم.

وقد فهم أحد الباحثين من هذا تمهيد المكي للربط بين صِفة أهل الصُفّة هذه وبين الرباط عند الصوفية، وربما يوطئ بذلك لحاجة المريد إلى شيخ ينزل المريد عند أمره ونهيه.

وقد تابع هؤلاء المؤرخين في فكرتهم ربط الصوفية بأهل الصفة، وجعلها بذرة التصوف الأولى بعض كبار الباحثين "ونحن لا نجد بذور هذه الحياة الروحية مغروسة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب صحابته من الخلفاء الأربعة فحسب، وإنما نحن واجدوها أيضًا حية نامية في قلوب كثير من الصحابة غير الخلفاء، ويكفي أن نذكر هنا أهل الصفة، وما كان لهم من أثر قوي في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية عامة، وفي تاريخ التصوف الإسلامي خاصة".

وإذا كنا نتفق مع هؤلاء المؤرخين في صلاح مجموع أهل الصفة، فلا نوافقهم على إقامتهم الدائمة في المسجد. ولا على عدم شغلهم وكسبهم في كل الحالات، ولا نوافق كذلك على أن العدد كان ثابتًا، بل إنه كان يزيد وينقص حسب ظروف القادمين من مكة والذين لا يجدون مأوى لهم غير المسجد، فقد كانوا يزيدون فيكونون ستين أو أكثر ويقلون حتى يكون عددهم عشرة.. "فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به. ومن تعذر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه".

بل إن ابن تيمية يرى أن من كان ينزل بالصفة هم من جنس سائر المسلمين ليس لهم مزية في علم ولا دين، "بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي صلى الله عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة، وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس، وفيه أنهم نزلوا الصفة، فكان ينزلها مثل هؤلاء، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من نزل بالصفة ثم انتقل عنها، ونزلها أبو هريرة وغيره.. وقد روي أنه كان غلام للمغيرة بن شعبة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أهذا واحد من (السبعة)، وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم: وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية".

ولم ي