الدس في كتب ابن عربي
وكتاب الطبقات الكبرى للشعراني
بقلم السيد أحمد القطعاني الحسني المالكي
للشيخ الأكبر ابن عربي
ما يقارب خمسمائة كتاب يعلم منهم الآن مائتي كتاب، والباقي لم يعثر
عليه بعد فيما نعلم ، ومن أشهر كتبه (فصوص الحكم) و(الفتوحات
المكية) وهما من
أعظم كتب المكتبة الإسلامية على الإطلاق، وإن كانا لا يخلوان من الدس
بشهادة المحققين.
وقد سئل الإمام الحصفكي: من قال عن فصوص الحكم
للشيخ محي الدين بن
عربي إنه خارج عن الشريعة ، وقد صنفه للإضلال ، ومن طالعه ملحد ، ماذا
يلزمه
؟
أجاب: نعم فيه كلمات تباين الشريعة ، فتكلف بعض المتصلفين إرجاعها إلى
الشرع
، ولكن الذي تيقنته أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره. وقد
صنف الحافظ
السيوطي كتابا أسماه (تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي) بين فيه حقيقة
منهج الشيخ
الأكبر الذي ليس إلا الكتاب والسنة ، وقال الشيخ البلقيني : (كذب والله
وافترى من
نسبه - يقصد الشيخ الأكبر - إلى القول بالحلول والاتحاد)،
ولدينا عدة وثائق تثبت
أن كتاب الفتوحات تعرض للدس والتزوير ، فيقول الشعراني في اختصاره
للفتوحات: (وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه لم يظهر لي
موافقتها لما عليه أهل السنة
والجماعة فحذفتها من هذا المختصر ، وربما سهوت فتتبعت ما في الكتاب كما
وقع
للبيضاوي مع الزمخشري ، ثم لم أزل كذلك أظن المواضع التي حذفت
ثابتة عن الشيخ محي
الدين حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين أبو الطيب المدني
المتوفى سنة 955
هـ فذاكرته في ذلك فأخرج إلي نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة
التي
عليها خط الشيخ محي الدين نفسه بقونية ، فلم أر فيها شيئا مما
توقفت فيه وحذفته ،
فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا فيها
على الشيخ)
اليواقيت
والجواهر للشعراني .
ولدينا وثيقة أخرى تثبت أن الشيخ الأكبر لاحظ أن
كتابه داخله التحريف
والتغيير، فأعاد كتابته وترك نسخة أصلية عليها خط يده كمرجع ، فقد ذكر
المقري وهو
المعروف بدقته وتثبته (أن الشيخ الأكبر أرسل يستأذن الشيخ ابن الفارض
في شرح
تائيته . فقال ابن الفارض رحمه الله : كتابتك المسمى بالفتوحات
المكية شرح لها)
نفح الطيب
للمقري .
وإذا علمت أن ابن الفارض توفي سنة 632 هـ والنسخة
التي بخط الشيخ الأكبر
كانت في أواخر حياته إذ فرغ منها في 635 هـ دلك هذا على أن الشيخ لاحظ
التحريف الذي
طرأ على كتابه ، فأراد أن يجعل له حدا بأن يجعل من نسخته مرجعا ، ولا
يبعد أن تكون
النسخ الموجودة فيما بعد ذلك التاريخ خليط مما كتب الشيخ وغيره
، وقد ذكرنا ذلك
ليكون قارئ كتب الشيخ الأكبر على حذر.
والراجح عندي أن هذه الإضافات هي محاولات
من البعض لشرح مغاليق كتب الشيخ وإشكالاتها ، فأضاعوا المعنى من حيث لا
يشعرون ،
ويظهر هذا واضحا في تغيير الأسلوب فجاة من أسلوب الشيخ المشهود
له بالتقدم والروعة
، إذ هو أحد خمسة كتاب شهد لهم علماء الإسلام بالتقدم على سواهم من
سابقين ولاحقين إلى أسلوب تقريري عادي خصوصا في الفتوحات
جاء
هذا في إذاعة المملكة العربية السعودية في برنامج مسائل
ومشكلات بتاريخ 20/2/1985 في حديث لفضيلة الشيخ علي الطنطاوي والخمسة
هم : محيي
الدين بن عربي وأبوحيان التوحيدي وابن خلدون وحجة الإسلام الغزالي
والجاحظ.
ولنرجع إلى العبارة التي ذكرها
المنكر وهي ( إن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء )
وخوفا من أن
يتبادر إلى ذهن سامعها ما تبادر إلى ذهن المنكر ، نجد أن الشيخ
كرر في كتبه قوله :
(إن
العالم ما هو عين الحق ، ولا حل في الحق ، إذ لو كان عين الحق او حل
فيه لما
كان تعالى قديما ولا بديعا)
الفتوحات
المكية لابن عربي باب 559
أو قوله : (أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد
الذي يتوهمه البعض أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس ، وأن
الشمس ما
انتقلت إليه بذاتها وإنما كان القمر محلا لها ، فكذلك العبد ليس فيه من
خالقه شيء
ولا حل فيه)
الحاوي
للفتاوى للسيوطي 2/134
.
فالشيخ رحمه الله يبين بوضوح وصراحة أن الحلول
والاتحاد لا يصح
اعتقادها ، إذ أن ذلك سيؤدي بداهة إلى سلب الصفات الواجبة لله وحده ،
مما يؤدي
بدوره إلى لزوم فسادها .فالعارف
من أسقط السوى بالكلية ، فلا يرى في المخلوق
إلا قدرة وإرادة الله تعالى ، إذ ذهب المجاز وبقيت الحقيقة ،
حقيقة ما ثم إلا الله
ظاهرا وباطنا اولا وآخرا.
وقد قلنا سابقا : إن لكل طائفة اصطلاحات وألفاظا
تعارفت عليها لا يقف على مضمونها إلا هم، وإلى هذا أشاؤ الجلال السيوطي
رضي الله
عنه بقوله : (واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد
إشارة منهم إلى
حقيقة التوحيد ، والتوحيد معرفة الواحد الأحد ، فاشتبه ذلك على من لا
يفهم إشاراتهم
، فحملوه على غير محله)
الحاوي
للفتاوي للسيوطي 2/134
. وأيضا فإن الاصطلاحات والألفاظ لا تشرح بل تفهم ،
ومن أراد فهمها وإدراكها فليكن في مستوى قائليها ، قال شيخ الأزهر
عبدالحليم محمود
:
(فلا بد أن يبلغ الإنسان المستوى أو يقارب المستوى
، وحينئذ سيقول كما قال
أسلافنا الذين بلغوا المستوى أو قاربوه : رضي الله عن سيدنا
محيي الدين بن عربي)
قضية
التصوف المنقذ من الضلال لعبدالحليم
محمود 163
.
والخلاصة : أن الذي يجب علمه يقينا أن الشيخ الأكبر كان إمام التحقيق
حالا
ومقالا ، والشارح لعلوم العارفين فعلا واسما ، لا ينطق بغير الله ، ولا
يسير على
غير كتابه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان
شعاره دائما (كل من رمى
ميزان الشريعة من يده لحظة هلك)
اليواقيت
والجواهر للشعراني 1/7
.
أما بالنسبة للإمام الشعراني
رحمه الله فقد كثر الدس والإفتراء عليه خصوصاً ما تم دسه في كتاب
الطبقات الكبرى ، وما تم دسه في هذا الكتاب لا يخرجه من التصوف الحق
فحسب بل يخرجه من الإسلام أصلاً ، وقد جرت على ألسنة الناس مقولة حق
وهي تقول ( كيف عرفت أنها كذبة فأجاب لأنها أكبر من أن تصدق).
وحقيقة الأمر أن الإمام الشعراني قد فرغ من كتاب الطبقات حسب ما ذكر
بخط يده في آخر
الكتاب في 15 رجب 952 هـ ، بينما نجد أنه في صفحة 167 من الجزء الثاني
قد ذكرت ترجمة
أحمد الكعكي ، وذكر في نفس الترجمة أنه توفي في 15 رجب 952 هـ ، فلزم
أن يكون قد
كتبت ترجمته في يوم الانتهاء من كتابة الطبقات ، وإذا علمت أنه
ذكرت بعده إحدى عشرة
ترجمة لأحد عشرة مترجم له ، كلهم بدون استثناء ماتوا قبله حسب ما هو
مذكور في
تراجمهم ، تيقنت أن هذه الترجمة قد دست بين التراجم كذبا وتلفيقاً.
كما أنه في الصفحة
153
من الجزء الثاني جاءت ترجمة علي البحيري ، الذي ذكر في ترجته
أنه توفي في شوال
953
هـ ، أي بعد الانتهاء من الكتاب بسنة وثلاثة أشهر.
أما في صفحة 163 من
الجزء الثاني ، فإنك ستجد ترجمة علي الكازروني الذي ذكر في ترجمته أنه
توفي في 960
هـ ، أي بعد الانتهاء من الكتاب وانتشاره بين الناس وتناولهم له بالنسخ
والنشر بثماني سنين.
ويلاحظ أن مسؤولية الدس لا تقع على هؤلاء المذكورين، بل على
من حشر أسماءهم وأسماء غيرهم بين السطور، وعلى كل حال
فإن هذه المدسوسات لا تخفى على أهل الشأن، إذ
لديهم ميزان دقيق يزن الشعرة وأقل، وهو الاستقامة على الكتاب
والسنة وما خالفهما لا يصح.
من موقع روض الرياحين (بتصرف بسيط).