يوم عاشوراء
جاء
في الترمذي بإسناد حسن أنّه قد يكون هو اليومَ الذي تاب فيه على قوم
ويتوب على آخرين، ولكن ليس في الحديث تعيِين لهذا اليوم ولا لهؤلاء
الأقوام، وصحّ من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: سألت عُبيد بن
عُمير عن صيام يوم عاشوراء فقال: المُحرّم شهر الله الأصمّ، فيه يوم
تِيبَ فيه على آدم، فإن استطعتَ ألا يمُرَّ بك إلا وأنت صائم فافعل
(تفسير القرطبي ج 1 ص 324).
روى البخاري ومسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (كان يوم عاشوراء
يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يصومُه. فلمّا قدِم المدينة صامَه، وأمرَ الناس بصيامِه فلمّا فُرِض
رمضانُ قال: (مَنْ شَاءَ صامَه ومَنْ شَاءَ تَرَكَه).
كما يُسَنُّ صيام يوم التاسع أيضًا لحديث رواه مسلم عن ابن عباس
قال: لمّا صامَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ يوم عاشوراءَ وأمر
بصِيامه قالوا: يا رسول الله إنّه يومٌ تُعظِّمه اليهود والنّصارى
فقال: (إذا كان العامُ المُقْبِلُ ـ إنْ شاء الله ـ صُمْنا اليومَ
التاسِع) قال: فلم يأتِ العام المُقبل حتّى تُوفِّيَ رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ . وروى أحمد: (خالِفوا اليَهودَ صومُوا يومًا قبلَه
ويومًا بعدَه).
إن
الذي يهمُّنا كمسلمين أنّ صوم يوم عاشوراء بَقِيَ مندوبًا كسائر الأيام
التي يُنْدَب فيها الصِّيام، ولم يكن يَأْبَهُ له أحدٌ من المسلمين
بأكثرَ من أنّ الصِّيام فيه له فضله الذي وَرد فيه قول النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ كما رواه مسلم: (يُكَفِّر السَّنة الماضيةَ)، وجرى
الأمر على ذلك في عهد الخُلفاء الراشدين، حتى كان يومُ الجمعة العاشِر
من المحرّم سنة إحدى وستين من الهجرة، وهو اليوم الذي استُشهِد فيه
الحسينُ بن علي ـ رضي الله عنهما ـ في كَرْبِلاء، فدخل يوم عاشوراء
التاريخَ مرّة أخرى من باب واسع، عمَّق الشعورَ لآلِ البيت.
وقد ذكر العلماء أنَّ صيام عاشوراءَ على ثلاث مراتِب: المرتبة الأولى
صوم ثلاثة أيام: التاسِع والعاشر والحادي عشر. والمرتبة الثانية صوم
التاسع والعاشر أو العاشر والحادي عشر، والمرتبة الثالثة صوم العاشر
وحدَه.
وجاء في مسند أحمد أنه ربما يكون هو اليوم الذي استوتْ فيه سفينة نوح
على الجوديّ. كما جاء في الكتب حوادث أخرى في يوم عاشوراء ليس معروف
درجة سندها، منها مولد الخليل إبراهيم ومولد موسى ومولد عيسى، وبَرَدَت
فيه النارُ على إبراهيم ، ورَفْع العَذابِ عن قوم يونس، وكشْف الضُّر
عن أيوب، وردُّ البصر على يعقوب ، وخُروج يوسف من الجُبِّ، ويوم
الزِّينة الذي غَلَب فيه موسى السَّحَرة.
ويهمنا
نحن المسلمون حدثان: أحدهما يوم أن نجَّى الله موسى ـ عليه السلام ـ
وجماعتَهَ، وأغرقَ فرعونَ وقومَه الظّالمين، وكان يومًا فاصلاً بين
عهدينِ في تاريخ قوم موسى، عَهْدٍ ذاقوا فيه العذاب ألوانًا حين كانوا
تحت حكمِ فرعونَ، كما يُذَكِّرهم اللهُ به في قوله: {وإذْ
نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذابِ
يُذَبِّحونَ أَبْناءَكُمْ ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِي ذَلِكُمْ
بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وإذْ فَرَقْنَا بِكُمْ البَحْرَ
فَأَنْجَيْنَاكُمْ وأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}
(سورة البقرة : 49،50)،
وعَهْدِ التّحرُّر والاتجاه إلى تأسيس مجتمَع مستقل، وفي البخاري ومسلم
وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قَدِم رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ المدينة فرأى اليهود يصومون عاشوراءَ فقال لهم: (ما
هذا الذي تصومُونه؟ فقالوا: هذا يومٌ عَظيم، نَجَّى اللهُ فيه موسى
وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه، فصامَه وأمرَ بصيامِه حتّى جاءَ فرضُ
صِيام رمضانَ فبَقِيَ صِيام يوم عاشوراء مَندوبًا.
والحدث
الثاني هو ذكرى استشهاد السبط النبوي سيدنا الحسين بن علي رضي الله
عنهما في كربلاء، مع ما تحمله هذه الذكرى من ألم في هوان آل البيت على
جند الأمويين، لكنها ذكرى تحمل الحب والود لآل البيت في ذكرى استشهاد
عميدهم الحسين، وتتمتع ذكرى الإمام الشهيد عند الشيعة بطاقة وحيوية
دائمتين، تعكسهما بوضوح شعائر الذكرى، حيث تغذي رواية السيرة الحسينية
وتمنحها معنى يتجاوز الزمان والمكان، فلا تصبح كربلاء حدثا تاريخيًا
وقع مرة وإلى الآن، بل يظل مفتوحًا على مستوى الدلالة ليشمل الصراع بين
قوى الخير والشر في كل زمان ومكان، وهو ما يعكسه الشعار الشيعي: (كل
أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء). ويرى البعض أن حزن عاشوراء هو حزن إيجابي
يدفع للسير على خطا الإمام الحسين، والتضحية العظيمة التي بذلها في
سبيل نصرة الإسلام والمسلمين. ومع أنها تتمتع عند أهل السنة بطاقة
وحيوية أقل بكثير مما هي عند الشيعة، لكنها ذكرى يجب أن تدفعنا للحب
المطلوب لآل البيت والذي نحن بحاجة إليه في وقتنا الحاضر تلبية لحب
النبي صلى الله عليه وسلم : {قل لا أسألكم
عليه أجراً إلا المودة في القربى}.
وإذا
كان الخبر الصحيح جاء يشرعُ صومَه شكرًا لله على نَجاة موسى، فالثابت
في الصحيحين أيضًا عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبيّ ـ صلى الله
عليه وسلم ـ كان يصوم عاشوراء قبل هجرتِه من مكّة إلى المدينة اتباعًا
لقريش في صيام هذا اليوم في الجاهليّة، ويعلِّل عكرمة صيام قريشٍ له
بأنّهم أذنَبوا ذنبًا في الجاهليّة فعَظُم في صدورهم فقيل لهم: صُوموا
عاشوراءَ يُكَفَّر ذلك الذّنب، والمعروف أن شِرعة إبراهيم وإسماعيل هي
التي كانت في مكّة المكرمة.
ولكن
على الرغم من مرور أربعة عشر قرنًا على هذا حادث كربلاء، فإن آثاَره ما
زالت باقية، تظهَر في الاحتفال بذكْراه، فهو يوم حزن عَميق الألم عند
الشيعة، وهو في البلاد التي تُبرِّر ما صنعه رجال البيت الأمويّ
للاحتفاظ بالسلطان: يوم فَرَح وهَدايا وتوسِعة وترفيهٍ بالحلوَى وكلِّ
ما لذّ وطاب، والأولى الاقتصارُ على ما جاء في الحديث من أنَّ صيامه
يُكَفِّر ذنوب سَنة سابقة.