من العراق إلى الحجاز :
أقام الشافعي في بغداد أعواما قلائل، استوعب فيها كل معطياتها من العلوم
الطبيعية والدينية والرياضية والفقهية، وناظرا فقهاءها، وقرأ عليه كتاب
الإمام مالك «الموطأ»، ودافع عن أهل الحديث، وأفاد من أهل الرأي.
وشعر آخر الأمر بالشوق الى مكة، وبأنه قد جمع من المعارف ما يؤهله لأن يجلس
في المسجد الحرام مجلس المفتي والأستاذ وشيخ الحلقة.
وكانت مناظراته قد أعجبت الرشيد، فعرض عليه أن يوليه القضاء في أي مكان
يريد، أو يجعله واليا على أي قطر يختاره.
ولكن الشافعي استأذن الرشيد في أن يتفرغ للعلم، أن يعد الى مكة ليعيش بين
أهله من قريش وينشر ما تعلمه بين الناس.
وأذن له الرشيد.
عاد الشافعي الى ام القرى. فأتخذ له مجلسا للفتوى والتدريس في فناء
بئر زمرم بجوار مقام إبراهيم خليل الله... وهو المجلس الذي اختاره من قبل
في عصر الصحابة، عبد الله بن عباس مفسر القرآن الكريم، وأحد الذين حفظوا
فقه الإمام علي بن أبي طالب وأقضيته، وكان نائبه على الحجاز عندما كان
الإمام علي كرم الله وجهه أميرا للمؤمنين. يحكم الدولة الإسلامية الغنية من
الكوفة في بيت هو من أدنى بيوت المسلمين.
عاد الشافعي من بغداد، لا يزال في أذنيه طنين من ضجيج المناظرات.. وقد أتاح
له مقامه الطويل هناك أن يقترب من أهل الرأي، وأن يقرب أهل السنة من
الرأي.. وأن يقنع بعض أهل الرأي بما عند أصحاب السنة..
وما زالت صور من محاوراته مع محمد بن الحسن تلح عليه..
في حواره مع محمد بن الحسن شيخ أهل الرأي في العراق بعد الإمام أبي حنيفة
كان الشافعي يحاول أن يقرب المذهبين، وكان مفتونا بذلك الطريق الوسط الذي
اختطه الإمام الليث بن سعد المصري بين أصحاب الرأي وأهل السنة.
إنه لا يستطيع اليوم أن ينحاز الى أي الحزبين.. فكيف استطاع الإمام الليث
أن يجد هذا المنهج الوسط؟
كانت آراء الليث قد انتهت الى الشافعي منذ كان في اليمن، ولكنه كان في حاجة
الى المزيد، ولا بد من السفر الى مصر ليتلقى العلم من إمامها الليث ابن
سعد.
ولكن أهله في مكة أم القرى يستبقونه.
وإذن فليقم في مكة أم القرى حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وحتى يؤذن له
بالسفر الى مصر.
لقد أصبح الآن يملك من عطايا هارون الرشيد ما يسمح له بالتفرغ الكامل
للعلم.
وأنفق نصف ما حمله من العراق على فقراء مكة، تنفيذا لوصية أمه: أن يتصدق
على الفقراء بنصف ما معه كلما قدم الى أم القرى
وهاهو ذا الآن إمام يجلس للتدريس والإفتاء. ثابتا، راسخا، مطمئن النفس.
وجعل محله في المسجد الحرام ساعات قليلة بعد الفجر. أما بقية النهار والليل
فقد خصصه للتأمل، ولاستنباط منهج في الفقه.
لكم هو نادم لأنه أضاع وقته، إذ قبل وظيفة في اليمن فدخل فيما ليس من شأنه
على حساب ما كان ينبغي أن يحصل من معرفة، ويشيع من علم، وعلى حساب طلب
الحقيقة والحكمة.
على أن الوقت لم يفت بعد، وعليه أن يعوض ما فات.. إنه لعمل النهار والليل
إذن..
إنه ليفسر القرآن ويستنبط دلالات آياته، ويدرس الناسخ والمنسوخ، ويدرس
السنة ومكانها من القرآن، يتعرف على صحيح الأحاديث من باطلها، في عصر كثر
فيه ضع الأحاديث إما مشايعة للفرق السياسية المتناحرة، وإما كيدا للإسلام،
وإما غفلة من وضاع الحديث أو ناقليه حتى لقد صح عنده أن بعض الذين سمعوا
الأحاديث كانوا يسمعن بعضها فيكتفون به، وقد يكون فيما لم يسمعه منها ما
ينسخ ما نقلوه.
ثم أخذ يفكر في كيفية استخراج الأحكام إن لم يكن هناك نص في القرآن أو
السنة وكيف يجتهد المجتهد وما ضوابط الرأي؟.
ووضع كتابا أسماه «الرسالة» فيه القاعد الكلية العامة لاستنباط الأحكام
وأسس هذا الإستنباط، وأعاد النظر فيه فنقحه اختصر منه ولكنه لم يطمئن الى
نشره، فرأى أن يتركه بعض الوقت عسى أن يعيد النظر فيه، بعد طرح ما فيه من
أفكار على أهل حلقته، ومناظرة شيوخ مكة وعلماء الأمصار الذين يفدون الى
البيت الحرام.
وطال مقامه بأم القرى هذه المرة، وطابت له فيها الحياة، وجذب إليه الكثيرين
من رواد الحلقات الأخرى في المسجد الحرام.
وجلس إليه أحمد بن حنبل فأعجب به، فذهب أحمد الى صحابه الذين يلتمسون العلم
في حلقات أخرى بالمسجد الحرام وأغراهم بالذهاب الى حلقة الشافعي. ويروي أحد
أصحاب ابن حنبل: «قمت فأتى بي أحمد بن حنبل الى فناء زمزم، فإذا هناك رجل
عليه ثياب بيض، تعلو وجهه السمرة، حسن السمت، حسن العقل، أجلسني أحمد بن
جنبل الى جانبه.
وقال أحمد بن حنبل لصاحبه: «اقتبس من هذا الرجل فإنه ما رأت عيناي مثله،
فإن فاتنا لن نعوضه أبدا».
ثم عاد الشافعي من جديد الى كتابه الرسالة، يتأمله ويهذبه حتى استقام له
علم أصول الفقه، فرأى أن يذهب الى العراق يعرض على شيوخه هذا العلم الجديد
ويناظرهم فيه.
كان قد جاوز الخامسة والأربعين، وقد أصبحت له بمكة مدرسة وأتباع. وقد
أطلقوا عليه في مكة «المفتي المكي»، و«العالم المكي».
وجلس في حلقة بجامع بغداد، يشرح للناس ما وصل إليه في «الرسالة» من أصول.
وهناك بهر بعلمه الفقهاء والتلاميذ..
ذلك أنه قد انتهى الى أن القرآن الكريم قد جمع الأحكام وجاءت السنة شرحا
وتبيانا لما في القرآن..
فعلى المجتهد أن يبحث عن الحكم في القرآن أو السنة.. فإن لم يجد ففي إجماع
الصحابة.. إجماع الصحابة في كل الأقطار لا في المدينة المنورة وحدها، بحيث
لا يصح إجماع إلا إذا اتفق عليه كل الصحابة.
فإن لم يجد المجتهد حكما في كل ذلك، فعليه أن يبحث في علة الحكم الواردة
بالنص، ويلحق بهذا الحكم ما يتشابه معه في العلة من القضايا الجديدة، وهذا
هو القياس، وبهذا أرضى الشافعي أهل الرأي وأهل الحديث جميعا.
احتفلت به بغداد كما لم تحتفل بفقيه زائر من قبل، وفرح به تلميذه أحمد ابن
حنبل الذي كان ألف أن يختلف الى حلقته ويلزمه كلما زار مكة حاجا أو معتمرا،
قاصدا إليها على قدميه.. وتمنى التلميذ على أستاذه أن يقيم في بغداد سنوات
فينشر علمه ويؤسس فيها مدرسة فقهية جديدة.
ولكن الحياة لم تطب للشافعي في بغداد.. لكم تغيرت بغداد خلال هذه السنوات
الطوال التي أقامها الشافعي في مكة..!
لم تعد بعد هي بغداد التي أحبها.. مات خير أصدقائه محمد ابن الحسن، ولحق به
آخرون، وسجن الباقون أو تركوا العراق، وذهب الرشيد، فاضطربت الأمور بعد
موته.. اختلف أولاده.. وحارب الأخ أخاه على الخلافة.. فقد ولى الأمين، ولم
يكد يستقر على العرش حتى وثب عليه أخوه المأمون فقتله، وتولى مكانه.
وما زالت أصداء النواح على البرامكة تملأ آفاق بغداد، منذ نكبهم الرشيد.
وهم أقرب الناس إليه، وأعمل فيهم السيف وآلات التعذيب حتى لا يرى فوق ظهرهم
برمكيا.
ثم إن الرشيد بطش بكل معارضيه، وما زالوا تحت الأصفاد في كهف سحيق.. وما
انفك من بين رجال العلم من يكيد لمخالفيه في الرأي ويحاول أن يوقع بهم عند
المأمون، الخليفة الذهبي..
وشيء جديد يشغل مجالس الفقه عما ينبغي أن تشتغل به مما يفيد الناس في
دنياهم.. فالأفكار التي تطرح على ندوات العلم والفقه هي صفات الله علاقتها
بذات الله تعالى.. والجبر والإختيار.
ثم إن العناية بالقرآن الكريم قد عدلت عن تدبر آياته فهم الأحكام منها،
تحري مقاصدها بما يضبط معاملات الناس وسيرتهم في دينهم ودنياهم، وانصرف
العلماء والفقهاء إلا قليلا الى مناقشة صفة القرآن الكريم: أقديم هو أم
مخلوق؟
جدل نهى الصحابة عنه، وأنصرف عن مصالح العباد، ومباحث ما كانت تشغل حلقات
العلم والفقه من قبل.، بل كانت تعرض لتختفي، فها هي ذي الآن تسيطر على
العقول والقلوب.! وهكذا كله غير ما ينبغي أن يشغل المسلمون!! إ، هذا لشيء
عجيب..
وعلى الرغم من الإزدهار الحضاري الفائق، فقد أحس الشافعي أن الجسارة
الفكرية في مواجهة مقتضيات الحياة باستنباط الأحكام قد بدأت تنحسر، ليزحف
مد جسارة زائفة، هي بالجرأة على الشريعة نفسها، وشغل الناس بما لا ينفعهم
في مواجهة حياة كل يوم.
يواكب هذا كله دعوة ملحة الى الزهد فيما أحله الله لعباده، وحض الناس على
القناعة بالفقر، ليكنز الكانزون، ويستمتعون دون الرعية حتى بما حرم الله..!
لم تغد بغداد هي المدينة التي أحبها الشافعي من قبل، وافاد من مناظراته
لعلمائها، وأتقن فيها علوم الطب والفلك، والفقه.
وإذن ما بقاؤه في بغداد؟!
وإلى من يأنس فيها؟!
ومع من يقضي وقته!؟
لقد ألف حين زارها في المرة الماضية أن ينفق وقته مع صفيه وأستاذه محمد بن
الحسن.. أين رفاق ذلك الزمان من العلماء والفقهاء؟ لا أحد بعد!.
والإنسان يحب من المدائن تلك التي يجد فيها الراحة والألفة، وحسن الصحبة،
وجمال الرفقة.. ولكنه الآن في بغداد لا يجد من يأنس إليه غير أحمد ابن
حنبل. إنه لأحب تلاميذه إليه حقا، وما يقيم الشافعي عليه في بغداد الآن إلا
من أجل أحمد بن حنبل.
ومر عليه شهران في بغداد، واستدعاه المأمون، فعرض عليه أن يوليه منصب قاضي
القضاة، وهو المنصب الذي كان يشغله محمد بن الحسن أيام الرشيد، ولكن
الشافعي كان قد آلى على نفسه ألا يتولى منصبا، وأن يخصص كل وقته للفقه، فإن
وجد متسعا من الوقت فليخصصه للشعر، وما أقل ما كان يجد الوقت لممارسة هذا
الفن الحبيب إليه!.. وما أكثر ما كان يخشى أن يعرف عنه أنه قد أدركته حرفة
الشعر فينبذه الفقهاء المتزمتون.؟
زيارته لمصر:
وتلقى دعوة الى زيارة مصر من واليها الجديد، ومن أحد تلاميذه الذين أملى
عليهم «الموطأ» في مكة من قبل، وألف استقباله في كل موسم حج، وقد أصبح
تلميذه هذا الآن فقيها ذا شأن في مصر وتاجرا واسع الغنى وهو ابن عبد الحكم.
لقد طوف الشافعي في الآفاق وعرف الدنيا وعرف الناس، زار اليمن والعراق
والشام فارس والأناضول، إلا البلد الذي سمع بما فيه من علم وحكمة، وتمنى أن
يزوره.. زار كل عواصم الفقه... إلا مصر..!وتاقت نفسه الى زيارة مصر.. إنه
يعرف أن أول كتاب ترجم الى اللغة العربية هو كتاب مصري في الطب، ترجمه في
صدر الإسلام عالم قبطي من أهل مصر.. وقد تعلم الشافعي من هذا الكتاب.. وهو
يعرف أن حكماء اليونان الذين بهرته أفكارهم وكل آثارهم، قد تعلموا الحكمة
والطب والفلسفة والرياضيات في مصر القديمة.. وهو يعرف أن مصرف من بين كل
البلاد المفتوحة هي البلد الوحيد الذي عرف عقيدة التوحيد قبل الديانات
السماوية.. من يدري؟. ربما كان بها رسل وأنبياء ممن لم يتحدث عنهم القرآن،
وقد أخبر الله تعالى الله رسوله (صلى الله عليه) في القرآن بأنه أرسل م
الرسل من لم ينزل قصصهم في القرآن، ولم ينبئه بأمرهم فيما أنزل عليه من
أنباء الغيب.!
وهو يعرف أن في مصر مزيجا من الحضارات، وأن الحضارة المصرية القديمة قد
شكلت الإنسان المصري فعلمته حب العدل والحرية والحقيقة والحكمة، ثم جاءها
الإسلام فأنبت فيها نباتا طيبا، وصاغ لها حياة خصبة من الأخوة.. وإنه ليتوق
الى التعرف على ما تركه الصحابة الأوائل في مصر، منذ جاءوها في جيش الفتح،
وهو بعد يريد أن يعايش تلك المدرسة المصرية العظيمة في الفقه الإسلامي،
الغنية باجتهادات الإمام الليث، رائد الشافعي في الطريق الوسط بين أصحاب
الرأي وأهل الحديث.
وأصبح الشافعي ذات يوم فأعلن أنه راحل من غده الى مصر، فألح عليه تلميذه
أحمد بن حنبل أن يبقى معهم في بغداد. ولكن الشافعي كان قد عزم فما عليه إلا
أن يتوكل.
وزار قبر الإمام أبي حنيفة، وصلى ركعتين... ولاحظ مرافقوه أنه عدل عن
قواعده في حركات الصلاة الى قواعد أبي حنيفة. فلما سألوه في ذلك قال: «ادبا
مع الإمام أبي حنيفة أن اخالفه في حضرته».
واجتمع خلق كثير في وداع الشافعي. أحمد بن حنبل ما برح يحاول إقناعه
بالبقاء في بغداد، فيمسك الشافعي بيد ابن حنبل ويترنم:
|
لقد أصبحت نفسي
تتوق ال مصر |
ومن دونها أرض
المهامه والقفر |
|
ووالله ما أدري
أللفوز والغنى |
أساق إليها أم
أساق الى القبر |
وبكى أحمد بن حنبل.. وبكى الشافعي والحاضرون، ودعا الشافعي أحمد بن حنبل أن
يزوره في مصر، فوعده أحمد بالزيارة إن شاء له الله.
وصل الشافعي الى مصر، واستقبله على أبواب الفسطاط عدد من الفقهاء ورجال
الدولة كلهم يستضيفه ويلح عليه أن يقبل الضيافة. ودعاه الوالي الى منزل
كبير خصصه له، ولكن الشافعي آثر الإقامة عند أقارب أمه، تشبها بالرسول عليه
الصلاة والسلام حين هاجر الى يثرب، فأقام عند أخواله.
وكانت جماعات القبائل العربية ما زالت تفد الى مصر منذ الفتح الإسلامي،
فتتوطن المنازل التي تألفها، إما في الفسطاط أو في الأقاليم.
وكان أول ما صنعه الشافعي حين استقر به المقام أن ذهب الى قبر الإمام الليث
فزاره.
وقال وهو يقف على قبره: «لله درك يا إمام، لقد حزت أربع خصال لم يكملن
لعالم، العلم والعمل والزهد والكرم».
وبعد أن فزع من زيارة الإمام الليث سأل عن دار السيدة نفيسة. وكانت تقيم
بمصر. منذ سجن أبوها، وكان واليا على المدينة هي حفيدة الحسن بن علي زجها
هو إسحق المؤتمن بن الإمام الصادق جعفر بن محمد حفيد الحسين بن علي رضي
الله عنهم.
واستأذنا للإمام الشافعي في زيارتها فأذنت له، ورحبت به، وأعجبها عقله
وورعه، وسمع منها ما لم يكن قد وصله اليه من أحاديث شريفة.
وألف منذ تلك الزيارة أن يجلس في حلقتها فيسمع، ويقرأ عليها اجتهاداته..
وكان إذا أقعده المرض عن زيارتها أرسل يسألها الدعاء فتدعو له بالشفاء..
وبعد أن فرغ من أول زيارة للسيدة نفيسة سأل مرافقيه أن يصحبوه الى «تاج
الجوامع» ـ فهكذا كان يسمى جامع عمرو إذ ذاك ـ فوجد الجامع يعج بحلقات
الدرس، وشاهد عجيبا..! لم تكن كلها حلقات قرآن وحديث وفقه.. بل كانت فيها
حلقات للقصص، واللغة، والشعر، وسائر فنون الفكر والمعرفة.. ما أروع انطلاق
الحياة الفكرية هنا..! لقد كان من قبل يقول في حسرة:
|
ولولا الشعر بالعلماء يزري |
لكن الآن أشعر من لبيد |
لكنه هنا يستطيع أن يقول الشعر بلا حرج في هذه البيئة الفكرية السمحة.
جلس للتعليم والإفتاء، وفي أول حلقة له بالجامع جلس القرفصاء على حشية وكان
مريضا بالبواسير وتصلب في الأطراف فاراد أن يمد رجله كما تعود منذ مرض عملا
بنصح الأطباء، ولكنه لم يفعل تحرجا منه، واحتراما لبعض أتباع مالك وأبي
حنيفة.. كان أتباع أبي حنيفة يكثرون الفروض ويبحثون عن أحكام للوقائع
المفترضة.. سأل أحدهم: «إذا حمل رجل قربة بها ريح نجس أينقض وضوءه؟». «هل
انكشاف العورة ينتقض الوضوء». فأجاب الشافعي: آن للشافعي أن يمد رجله».
وجد تقاليد جديدة في الحلقات.. فالأستاذ لا يلقي الدرس على طلاب يستمعون،
كما ألف من قبل وبصفة خاصة في حلقة الإمام مالك.. ولكن الأستاذ يبدأ درسه
بكلام قليل، ثم يدير حوارا بينه وبين التلاميذ، ومن خلال المحاورات تنفجر
المسائل وتنضح الآراء.
كانت هذه هي تقاليد المدرسة المصرية القديمة، وعليها تعلم فلاسفة الإغريق
ومنها أخذوا أسلوبهم في المحاورات...
وعلى هذا النهج سارت المدرسة المصرية في الفقه الإسلامي.
واتبع الشافعي هذا التقليد حتى في درس القرآن والتفسير..
وأحاط به تلاميذ الإمام الليث وأطلعوه على ما حفظوه من شيخهم.. وكان يحسب
أنهم هم الذين يلون القضاء، وأن إليهم أمر القضاء، ولنه وجدهم معزولين،
يضطهدهم المتعصبون!
ووجد الحياة الفقهية تنازعها أنصار الإمام مالك وأنصار الإمام أبي حنيفة،
والغلبة لأنصار الإمام مالك، فيهم مغالون يشتطون، حتى لقد يؤذون من يعلن
الخلاف مع مالك من أتباع الليث أو أبي حنيفة.
وجادل الإمام الشافعي بعض هؤلاء المشتطين، وقال لهم إن الإمام «مالك» بشر
يخطئ ويصيب. فانتفض أحدهم في وجه الإمام الشافعي، وسفه عليه، ووجه اليه
كلمات بذيئة، وحمل الحاضرون هذا المتعصب السفيه وأخرجوه من المجلس،
والشافعي مستمر في حديثه كأنه لم يسمع شيئا...!
وعرف الشافعي أن هذا السفيه اسمه «فتيان» وبعد انتهاء الدرس طالب تلاميذه
أن يصفحوا عن ذلك السفيه.
ووضع الشافعي لنفسه نظاما لم يحد عنه. أن يبدأ دروسه بعد صلاة الفجر بعلوم
القرآن، فإذا انتهى منها جلس الى درس الحديث.. ثم يجلس بعد هذا مجلسا لم
يجلسه من قبل في حلقة قط، ولكنه تمنى أن يجلسه، وهو مجلس علوم اللغة والشعر
وشتى المعارف الإنسانية الأخرى... وفي هذا المجلس الأخير كان يعظ من يستمع
إليه أو يحاوره: «إنما العلم علمان: علم الدين وعلم الدنيا.، فأما الذي هو
علم الدين فهو الفقه، والعلم الذي للدنيا هو الطب، فلا تسكن بلدا ليس فيه
عالم يفتيك عن أمر دينك ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك».
في مجلسه الثالث كان إذا لم يجد بين الحاضرين من يحسن مذاكرته في الشعر
والأدب والعلوم الإنسانية طلب من صحبه أن يبحثوا له عن أدباء مصر وشعرائها
وعلماء المعارف الإنسانية، فما يزالون يتذاكرون حتى تحين صلاة الظهر، فيصلي
بهم، أو يصلي خلف واحد منهم، وينصرف الجميع.
ويعود الشافعي الى داره.. وقد يصطحب بعض صحبه للغداء معه، لم ينصرف الى
العمل..
وقد تعلم من أستاذه مالك بن أنس أن يحمل الناس على احترام خلوته للعمل
عكوفه عليه.. فالعمل عبادة يجب ألا يخلطها بشيء آخر، ويجب ألا يسمح لأحد
بإفسادها، فالعلم لا يأتيك بعضه إلا أن تؤتيه كلك..
حتى إذا فرغ من العمل وصلى العشاء، جعل جزءا يسيرا من الليل لاستقبال
الضيوف، فيسمرون معا، ويتذاكرون الشعر والأخبار، وبعض ما يسري عن النفس في
سمر لطيف عذب.
وكان حسن الإصغاء، محبا للطرائف، وقد أعجبته الملح المصرية، فهو يطلب
حكايتها من أصحابه المصريين معلنا إعجابه بظرف أهل مصر..
هو نفسه يحكي الطرائف مما شاهد في رحلاته الطويلة.
من ذلك أنه رأى في المدينة المنورة أربع عجائب لم يرها في بلد قط.. رأى جدة
عمرها إحدى وعشرون سنة!! وقاضيا حكم بإفلاس تاجر في دين قيمته أربعة أرطال
من نوى البلح!! وشيخا عمره تسعون عاما يدور نهاره حافيا راجلا قائما
يعلم القيان الرقص والغناء، فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدا.. واليا كان صالحا
طيبا فقال: «ما لي لا أرى الناس يجتمعون على بابي كما يجتمعون على أبواب
الولاة؟». قالا له: «لأنك لا تضرب أحدا ولا تؤذي الناس» فقال: «هكذا؟! علي
بإمام المسجد». فأحضروا له إمام المسجد فأمسكوا به على باب الاولي، وجعل
الوالي يضرب الإمام والإمام يصرخ «أصلح الله الأمير» إيش جرى.. «أي شيء
جرى؟» وظل الإمام يصرخ والوالي يضربه حتى اجتمع الناس.. وسرى عن الوالي
وطابت نفسه، فقد اجتمع الناس على بابه!!
كان مما يستعيد الشافعي روايته من ملح مصر، أن رجلا كان له غلام غبي، فقال
له: «اذهب الى السوق فاشتر حبلا في طول خمسة عشر ذراعا». فسأله
الغلام: «في عرض كم؟» قال الرجل: «في عرضك!! في عرضك!!» وغاب الغلام ساعة
وعاد بلا حبل يقل: «لم أجد حبلا في عرضي».
مذهبه في مصر
اطمأنت الحياة بالشافعي في مصر. وجاء رمضان فصلى التراويح بالسيدة نفيسة،
ولاحظ أن عددا من النساء يحضرون درس الفقه، منهن بعض زوجات تلاميذه
وأخواتهم وبناتهم. وفي حلقة الفقه بالجامع جاءه رجل شاب كان قد طلق امرأته
ثم ندم، وأرجعها في رمضان وقبلها في النهار وهما صائمان، اتجه الرجل الى
الإمام الشافعي قائلا:
|
سلوا المفتي المكي هل في تزاور |
وضمة مشتاق الفؤاد جناح؟ |
فأدناه الشافعي منه وقال مبتسما:
|
أقول معاد الله أن يذهب التقى |
|