سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

أأرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 آداب العبادات وأسرارها

 

 مقالات في التصوف الصحيح

 

 تراجم أئمة الإسلام

 

 مختارات من الإعجاز العلمي

 

 مواسم خير ومناسبات

 

 مختارات متنوعة

 

 

 


مختارات مفيدة

تراجم أئمة الإسلام

الإمام الشافعي

السابق                                                           1   2   3       التالي

 

مع الإمام مالك :

قرر الشافعي أن يحسن إعداد نفسه للقاء الإمام مالك... فبحث عن كتابه «الموطأ» الذي أخرجه مالك منذ حين واضعا فيه كل فقهه وكل ما صح عنده من الأحاديث النبوية الشريفة.

ووجد الشافع نسخا من الكتاب لكنها غالية الثمن، وهو رقيق الحال.. فاستعار الكتاب من أحد شيوخه في مكة عكف عليه النهار والليل، حتى حفظ الكتاب بحافظته المدربة التي تعود الاعتماد عليها منذ كان لا يجد ثمن الورق، ومنذ كان يدرس بالمكتب وهو صبي.

وزاده حفظ كتاب «الموطأ» شوقا الى لقاء الإمام مالك والى صحبته..!

وجهزته أمه للسفر الى المدينة وباعت في ذلك بعض أثاث الدار..

إنها لهجرة في سبيل العلم فهي في سبيل الله.

ورأت أمه أن تسهل له لقاء مالك، فوسطت بعض أقاربها الى والي مكة، ليعطي ولدها كتابا الى والي المدينة، عسى أن يتوسط للشافعي فيلقى مالكا ويلزمه.

ويحكي الشافعي عن هذه التجربة بعد أن أخذ كتاب توصية من والي مكة الى والي المدينة والى الإمام مالك. قال الشافعي: «فقدمت المدينة، فأبلغت الكتاب الى الوالي فلما قرأه قال: يا فتى إن مشيي من جوف مكة الى جوف المدينة حافيا راجلا أهون علي من المشي الى باب مالك بن أنس. فلست أرى الذل حتى أقف على بابه. فقلت: أصلح الله الأمير. إن رأى الأمير يوجه اليه ليحضر. فقال: هيهات ليت  أني لو ركبت أنا ومن معي، وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجتنا..! فواعدته العصر، وركبنا جميعا فوالله لكان كما قال. لقد أصابنا من تراب العقيق، (والعقيق حي بالمدينة يسكنه مالك) فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب، فدخلت فأبطأت. ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام ويقول إن كانت لديك مسألة فارفعها في رقعة يخرج اليك الجواب. وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. فقال لها: قولي له إن معي كتاب والي مكة اليه في حاجة مهمة. فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي، فوضعته ثم إذا بمالك قد خرج، عليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية، فجلس وهو متطلس (يلبس الطليسان) فرفع إليه الوالي الكتاب. فبلغ الى هذا «إن هذا رجل يهمني أمره وحاله فتحدثه وتفعل وتصنع» فرمى الكتاب من يده ثم قال: سبحان الله، أو صار علم رسول الله(صلى الله عليه) يؤخذ بالرسائل؟! فرأيت الوالي قد تهيب أن يكلمه. فتقدمت وقلت: أصلحك الله، إني رجل مطلبي (من بني المطلب) وحدثته عن حالي وقصتي... فلما سمع كلامي نظر إلي، وكان لمالك فراسة فقال: ما اسمك: قلت محمد. فقال: «يا محمد إنه سيكون لك شأن وأي شأن. إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية. إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك». فغدوت عليه ومعي (الموطأ) وابتدأت أن أقرأ ظاهرا (من الحافظة) والكتاب في يدي. فكلما تهيبت مالكا وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي فيقل: «يا فتى زد»، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة.»

ومنذ ذلك اللقاء عام 170 هـ لزم الشافعي مالكا حتى مات الإمام مالك عام 179هـ.

لم يتركه الشافعي إلا ليزور أمه بمكة، أو ليقوم برحلة الى إحدى عواصم العلم والفقه.. وكان يستأذن شيخه مالكا بن أنس فإذا أذن له جهزه بزاد ومال ودعا الله له.

وفي المدينة التقى الشافعي بمحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة وشيخ أهل الرأي في العراق، والتقى ببعض تلاميذ جعفر الصادق، وتعلم منهم بعض فقه الإمام الصادق وأقضية الإمام علي كرم الله وجهه.. وتعلم من مذهب الإمام الصادق أن العقل هو أقوى أدوات الإستنباط حين لا يكون نص. العقل وحده هو أداة فهم النصوص لا الإتباع ولا التقليد!

وتعلم من تلاميذ الإمام الصادق رأي الإمام في حقيقة العلم.. فالعلم ليس حفظ القرآن والحديث ومعرفة الآثار فحسب، ولكنه يشمل كل العلوم الطبيعية والرياضية التي تفسر ظواهر الكون وتكشف عن قدرة الخالق.

وهكذا قرر أن يتعلم تلك العلم الطبيعية والرياضية، فتعلم من خلال رحلاته علوم الكيمياء والطب والفيزياء. وتعلم الحساب والعلوم التي تجري عليها التجارة وعلم الفلك والتنجيم وهو فرع من العلوم الرياضية. وتعلم الفراسة، ومارسها.

وقد تعرف الى عدد من فقهاء مصر من تلاميذ الليث، وكان من عادتهم بعد الحج أن يزروا المدينة ليصلوا في الحرم النبي وليسمعوا لمالك. وقد أملى الشافعي «الموطأ» على بعضهم ونشأت بينه وبينهم صداقة انتفع بها عندما هاجر الى مصر ومنهم ابن عبد الحكم.

ولقد رأى يوما في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه نظيف الثياب حسن الصلاة، فتوسم فيه خيرا، وحدثه فعرف أنه من الكوفة بالعراق فسأله: «من العالم لها والمتكلم في نص كتاب الله عز وجل، والمفتي بأخبار رسول الله(صلى الله عليه)» فقال: «محمد بن الحسن وابو يوسف صاحبا أبي حنيفة»: فقال الشافعي: «ومتى عزمتم تظعنون؟» فقال الشاب: «غداة عند انفجار الفجر».

وذهب الشافعي الى شيخه ليستأذنه أن يرحل في طلب العلم، فقال له شيخه مالك: «العلم فائدة يرجع منها الى عائدة. ألم تعلم بأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب؟».

فلما كان السحر وانفجر الفجر، سار مالك مودعا تلميذه الشافعي عند محطة القوافل بالبقيع خارج المدينة.

وصاح مالك يسأل عمن يؤجر راحلة الى الكوفة، فقال له تلميذه الشافعي: «لم تكتري لي راحلة ولا شيء معك ولا شيء معي؟» فقال مالك له: «لما انصرفت عني البارحة بعد صلاة العشاء الآخرة، قرع علي قارع الباب، فخرجت اليه، فسألني قبول هدية فقبلتها فدفع إلي صرة فيها مائة مثقال وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي». وكان الطارق هو أحد تلاميذ الإمام الليث، حمله الليث هذه الهدية لصديقه الإمام مالك وكان الليث قد تعود أن يصل مالكا بالهدايا الثمينة والمال الكثير.

خرج الشافعي من المدينة ه شاب في الثانية العشرين، فوصل الكوفة بعد رحلة شاقة استغرقت أربعة وعشرون يوما، فاستضافه محمد ابن الحسن، وتحاورا في الفقه، وحضر حلقاته وحلقات زميله أبي يوسف.

وكتب الشافعي كل ما وجد عند صاحبي أبي حنيفة من فقه الإمام الأعظم، وعندما ترك الكوفة كان معه من الكتب حمل بعير.

ثم طاف في بلاد فارس، والتقى بشيوخها وجرت بينه وبينهم محاورات، ثم سافر الى ديار ربيعة مضر، وألم ببعض قبائل البدو، فاصاب ما عندهم من الفصحى.. وطاف في هذه الرحلة ببغداد وشمال العراق والأناضول وحران ثم سافر الى بلاد الشام وزار أمه بمكة..

وعاد بعد عامين الى المدينة وقد تزود بكثير من المعارف وكان يسأل طوال الرحلة عن أخبار شيخه مالك، فعرف أنه قد اتسعت أرزاقه وأصاب الغنى، فقد أجرى عليه الخليفة راتبا كبيرا، ووصله بالأموال والهدايا الثمينة..

وقصد الشافعي الحرم النبوي، وبينما هو يتهيأ للجلوس في المسجد في حلقة الإمام مالك، إذ فاح عطر في المسجد فتهامس من في المسجد إنه مالك.. ورأى مالكا يدخل المسجد وحوله جماعة يحملون ذيله حتى جلس على كرسيه الذي أعد له من قبل وعليه حشية ومن حوله الدفاتر. وبدأ مالك درسه فطرح مسألة على تلاميذه لفلم يجبه أحد. وظل يطرح مسائل وما من مجيب.!

فضاق صدر الشافعي، فنظر الى رجل بجانبه، وهمس إليه بالجاب.. واستمر مالك يسأل والرجل يجيب بما يهمس إليه الشافعي، فسأل مالك: من أين لك هذا العلم؟ فقال الرجل: «إن بجانبي شابا يقول لي الجواب». فاستدعى مالك ذلك الشاب فإذا هو الشافعي.. ولم يكن مالك قد استطاع أن يراه في زحام الحلقة، فرحب به مالك، وضمه الى صدره، ونزل عن كرسيه وقال له: «أتمم أنت هذا الباب».

رضي مالك عن شرح تلميذه الشافعي، وما انتهى الدرس، حتى أخذه الى بيته وأغدق عليه.

وحكى الشافعي لأستاذه عن كل ما تعلمه ولقيه في رحلته من طرائف.

حكى له عن تجربته مع علم الفراسة، وكان مالك ينصح تلميذه ألا ينصرف الى غير علوم الشريعة، وما يعين على الفقه بها وفهم النصوص استنباط الأحكام، والإهتمام باللغة وآدابها، وحفظ أخبار العرب وأيامهم، وحفظ الشعر الجاهلي، لأن كل أولك أدوات لفهم نصوص القرآن والأحاديث.. أما الفراسة ففي نفس مالك شيء منها..!

حكى الشافعي لشيخه مروحا عنه بعض ما صادفه مع علم الفراسة.. فقد مر في رحلته برجل يقف في فناء بيته، وهو رجل أزرق العينين بارز الجبين، وتأمل الشافعي ملامحه، وقال لنفسه: «إن علم الفراسة يدل على أن هذا الرجل لئيم خبيث». وكان الشافعي مجهدا يلتمس مكانا يستريح فيه. قال الشافعي: «سألت الرجل:هل  من منزل؟» قال: «نعم». وأنزلني فما رأيت أكرم منه! وبعث إلي بعشاء طيب، وعلف لدابتي، وفراش ولحاف. فقلت : «أعلم الفراسة دل على غاية دناءة هذا الرجل وأنا لم أشاهد منه إلا خيرا. فهذا العلم باطل! ولما أصبحت قلت للغلام: أسرج الدابة، فلما أردت الخروج قلت للرجل: إذا قدمت مكة ومررت بذي طوى فاسأل عن منزل محمد ابن إدريس: فقال الرجل: أعبد أبيك أنا؟! أين ثمن الذي تكلفت لك البارحة؟! قلت: وما هو؟ قال: اشتريك له بدرهمين طعاما، وأدما بكذا وعطرا بكذا، وعلف دابتك بكذا، واللحاف بكذا.. قلت: يا غلام أعطه فهل بقي شيء؟ قال كراء المنزل فإني وسعت عليك وضيقت على نفسي.

فضحك مالك.. وأكمل الشافعي: فعظم اعتقادي في علم الفراسة.. ولم يجبه مالك بغير الضحكات.. وقلما كان يضحك 

من مناظراته :

عاد الشافعي من هذه الرحلة باحترام كبير للإمام أبي حنيفة النعمان فقد قرأه على صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأعجب بطريقته في الحوار والإستنباط، وبسعة أفقه، وروى عنه كثيرا من حيله، ودافع عنه.

 وكانا في الحجاز يهاجمون أبا حنيفة ويتهمونه بأنه لا يحسن علم الحديث، فنافح عنه الشافعي ووضعه في مكانه، وعلمهم أن الناس «في الفقه عيال على أبي حنيفة»..

استقر الشافعي بالمدينة تلميذا للإمام مالك، ثم بدأت تستقيم له طريقة في الجدل، فهو يلقي بالحجة دون أن يرفع صوته، وقول لمجادله: «خذ مكاني وآخذ مكانك»... ويقول الرأي، والرأي المضاد، حتى ينتهي من هذا الأسلوب الجدلي الى الحقيقة.

وأخذ ينتصف لأهل الرأي من أهل الحديث، وينصف أهل الحديث من أهل الرأي، ويقاوم التعصب المذهبي.. 

عاش في ظل الإمام مالك ورعايته حتى مات الإمام مالك سنة 179هـ والشافعي في نحو التاسعة والعشرين.. وبكى الشافعي أستاذه الإمام مالك ابن أنس أحر بكاء وعكف على قراءة القرآن ملتمسا العزاء.. وشعر أنه أصبح غريبا في المدينة».

لم تطب له الحياة بعد بالمدينة بعد أن توفي شيخه..

وبدأ يبحث عن مكان يعمل فيه عملا يعيش منه.. وعاد الى أمه بمكة، مودعا المدينة من خلال الدمع.

وكان اولي اليمن قد أقبل الى الحجاز في ذلك الوقت، فتوسط بعض أقرباء الشافعي من القرشيين عند والي اليمن، فصحبه معه الى اليمن ووكل إليه عملا.

لم يكن عند أم الشافعي ما تساعد به ابنها ليتزود في سفره هذا، وليقيم في اليمن حتى يقبض راتبه، فرهنت دارا كانت لها بمكة، وسافرت معه.

ولقد غضب منه أحد شيوخه بمكة وعنفه لأنه يترك الفقه من أجل الوظيفة بقوله: «تجالسوننا وتسمعون منا، فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه؟».

وتولى الشافعي عملا مهما في نجران باليمن، وهناك عاود دراسة علوم الفراسة التي كانت مزدهرة باليمن، حتى تفوق فيها.

وجلس الى بعض شيوخ الشيعة باليمن فتلقى منهم، ولزم يحيى بن حسان تلميذ الليث بن سعد المصري وصاحبه، فأخذ عنه كل ما انتهى اليه من فقه الليث.

وقام الشافعي بعمله في نجران خير قيام، وأحبه الناس لعدله، لتمسكه بالشريعة، وإغلاقه باب المجاملة والملق.

ثم أنه وجد حاكم نجران يظلم الناس، فقاوم الحاكم ووقف في المسجد يحض الناس على مقاومته، وأخذ يضرب لهم الأمثال لما يجب أن تكون عليه سيرة الحاكم بالإمام علي بن أبي طالب وسيرته في الخلافة، فأثار عليه أعداء كثيرين من الذين رفض مجاملتهم.

ووشى حاكم نجران بالشافعي، درس عليه أنه أسس حزبا عليا يعد للثورة على الخليفة، يولي أحد أحفاد الإمام علي، بدلا من هارون الرشيد، وأنه يؤيد الحفيد في الثورة على الرشيد.

وكان العباسيون غلاظا على العلويين، يسفحون دماءهم بالظن. فقد كانوا يعرفون أن كثيرين يرون العلويين أحق منهم ومن الأمويين بالخلافة.

فزع الرشيد من قراءة كتاب والي نجران وخاصة من قوله عن الشافعي: «لا أمر لي معه ولا نهي، فهو يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه».

وفي الحق أن الشافعي ما كان يخفي حبه لعلي وللطالبيين، فقد قيل له يوما: خالفت عليا بن أبي طالب رضي الله عنه فيما قلت». فقال لمناظره «أثبت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدي في التراب وأقول قد أخطأت وأرجع عن قولي إلى قوله».

ووجد في اليمن كثيرا من الطالبيين، وحضر مجالس العلم معهم ولكنه كان يستمع ولا يتكلم فإذا سئل في ذلك قال: «لا أتكلم في مجلس يحضره أحدهم وهم أحق بالكلام مني ولهم الرياسة والفضل».

وهكذا شاع عنه حبه لبني علي، والطالبيين جميعا.

قيل له إنك لمتشيع تشايع عليا بن أبي طالب وتشايع بنيه من بعده ومنهم الثائر العلوي على الرشيد.. فقال: «يا قوم ألم يقل رسول الله(صلى الله عليه) لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؟ قال عليه الصلاة السلام: إ، أوليائي من عترتي المتقون، فإذا كان واجبا علي أن أحب قرابتي ذوي رحمي إذا كانوا من المتقين، أليس من الدين أن أحب قرابة رسول الله (صلى الله عليه) إذا كانوا من المتقين؟».

وكتب والي نجران مرة أخرى الى هارون الرشيد أن الشافعي يؤلب عليه الأمة وأنه يقود تسعة من الثوار، يوالون الثائر العلوي الذي يطالب بالخلافة.

فأرسل الرشيد إلى والي نجران أن يرسل إليه الثوار مهانين في الأصفاد.

كانوا تسعة على رأسهم الشافعي، وضع الحديد في أرجلهم وأعناقهم تنفيذا لأمر الرشيد وسيقوا إليه مهانين...

كان الشافعي في الرابعة والثلاثين، فارسا، بطلا في رياضة الرمي، جلدا قوي البنيان، ولكنه جهد من الرحلة والإهانة.

وأدخلوهم على الرشيد والى جواره محمد بن الحسن فقاضي الدولة، الذي تلقى عنه الشافعي من قبل  في الكوفة.

وكان الشافعي يدعو بهمهمة يسمعها الحاضرون: «الله لا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير».

أنكر التسعة تهمة الثورة على الرشيد، ولكنه أمر بقطع رؤوسهم جميعا وسأله التاسع أن يمهله حتى يكتب لأمه فليس لها غيره، وأقسم أنه بريء من الإعداد للثورة على الرشيد، وكلنه الرشيد أمر بقطع رأسه.

كل هذا والشافعي في الأصفاد: الأغلال في عنقه الحديد في قدميه، رأسه بالرغم من كل ذلك شامخ.

ويا لله كان مجهدا.

وهاهو ذا يرى الموت رأي العين، ولكنه على الرغم من كل شيء ثابت الجنان، عميق الإيمان لا يملك إلا أن يدعو الله بالنجاة...

وعندما انتهى الرشيد من قتل الرجل التاسع، قال الشافعي: «السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته... ولم يقل ورحمة الله.

فقال الرشيد: «وعليك السلام رحمة الله وبركاته ـ بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها، ورددنا عليك فريضة قامت بذاتها، ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري».

قال الشافعي: «إن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (وعد الله الذين آمنوا منكم عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) وهو الذي إذا وعد وفى، فقد مكنك في أرضه وأمنني بعد خفي حيث رددت علي السلام بقولك: وعليك رحمة الله. فقد شملتني رحمة الله بفضلك يا أمير المؤمنين».

فقال الرشيد: «وما عذرك من بعد أن ظهر أن صاحبك ـ يعني الثائر العلي ـ طغى علينا وبغى، واتبعه الأرذلون وكنت أنت الرئيس عليهم؟

فقال الشافعي: «أما وقد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والإنصاف. لكن الكلام مع ثقل الحديد صعب فإن جدت علي بفكه أفصحت عن نفسي. وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد».

فأمر الرشيد بفك الحديد عنه، وأجلسه.

وقال الشافعي: حاشا لله أن أكون ذلك الرجل، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...) لقد أفك المبلغ فيما بلغك وإن لي حرمة الإسلام وذمة النسب وكفى بهما وسيلة.. وأنت أحق من أخذ بكتاب الله. أنت ابن عم رسل الله(صلى الله عليه) الذائد عن دينه المحامي عن ملته وأنا يا أمير المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغيا علي. أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف.ع. أنا محمد بن إدريس بن عثمان بن شافع بن السائب..

فقاطعه الرشيد: «انت محمد بن إدريس»؟

فقال الشافعي: «ولي مع ذلك حظ مع العلم والفقه، والقاضي يعرف ذلك».

وكان محمد بن الحسن الذي استضاف الشافعي في الكوفة من قبل، قد أصبح قاضي الدولة، يجلس بجوار الرشيد. فقال له الرشيد: «ما ذكرك لي محمد بن الحسن» ثم التفت الى القاضي وسأله: يا محمد.. ما يقول هذا؟ أهو كما يقوله؟. فقال محمد بن الحسن: إن له من العلم شأنا كبيرا.  وليس الذي رفع عليه من شأنه.

قال الرشيد: فخذه حتى أنظر في أمره.

وهكذا نجا الشافعي برأسه... وخرج الى بيت محمد بن الحسن ضيفا عليه..

وما زال محمد بن الحسن بالخليفة، حتى رضي عن الشافعي، واستدعاه ليمتحن علمه.

وعقد له مجلسا من أهل العلم والفقه الرياضيات والطبيعيات والكيمياء والطب.

قال الرشيد: «إنا نراعي حق قرابتك وعلمك فكيف علمك يا شافعي بكتاب الله عز وجل فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به؟».

فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين فإن الله قد أنزل كتبا كثيرة؟.

فقال الرشيد: «أحسنت، لكن إنما أسألك عن كتاب الله تعالى المنزل على ابن عمي محمد رسول الله(صلى الله عليه).

قال الشافعي: «إن علم القرآن الكريم كثيرة فهل تسألني عن محكمه أو متشابهه أو عن تقديمه أ تأخيره أ» عن ناسخه أو منسوخه؟».

فأعجب الرشيد وأهل المجلس بجاب الشافعي.

ثم أخذ الرشيد يسأله عن سائر العلوم الطبيعية والرياضية من طب وكيمياء وفلك وتنجيم وفراسة..

فصفق الحاضرون إعجابا بحسن إجاباته، وأجازه الرشيد بخمسين ألف دينار، فقبلها الشافعي شاكرا، وخرج الى دار مضيفه، فلحق به أحد كبار رجال الدولة فقدم إليه صرة كبيرة بها دنانير ذهبية، فردها الشافعي قائلا: «لا أقبل عطاء ممن هو دوني، إنما أقبل العطاء من الخليفة وحده».

عاد الشافعي الى دار مضيفه محمد بن الحسن، يتأمل كل الذي دار بينه وبين الخليفة.

تعلم الشافعي من المحنة ألا يزج بنفسه في صراع سياسي.

وحاول محمد بن الحسن أن يجذبه ليكون في صف بني العباس، بدلا من بني علي، ولكنه آثر العافية. أقسم ألا يخوض غمرات الصراع السياسي، وألا يقبل منصبا في الدولة، فلن يهب نفسه لشيء بعد أعظم من العلم والفقه.. وأعترف أنه أخطأ حين قبل المنصب في اليمن، فزج بنفسه فيما ليس من شأنه.

وعكف على دراسة الطب والعلوم الطبيعية والرياضية يستكمل ما فاته منها، واهتم بالرياضة البدنية، وعاد يتدرب على الرمي وركوب الخيل، وقسم وقته بين هذا كله وبين دراساته الفقهية ودراسة ما ترجم من ثقافات المصريين القدماء القبط واليونان والفرس والهند.

واتخذ لنفسه دارا، وبدأ يدرس فقه العراق على يد محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة.

لقد درس هذا الفقه مرة عندما كان في نحو العشرين، وهاهو ذا اليوم في نحو الخامسة والثلاثين وقد أكسبته السنون خبرة، وأنضجت الدراسة والمعاناة والتأملات عقله وقلبه، يعيد دراسة فقه أبي حنيفة وغيره من فقهاء العراق، ويبذل في كل أولئك من الجهد ما جعل الطبيب يحذره من السل.

صاحب الشافعي محمدا يتلقى منه فقه أهل الرأي، ولم يجد في ذلك غضاضة، فقد كان دائما مشقا الى المعرفة، والى المزيد من العلم، وكان يقول: «من حسب أنه علم فقد ضل وجهل».

ولزم الشافعي حلقة محمد بن الحسن في بغداد، وشاهد في الحلقة مخالفة لمالك، هجوما على آرائه، وكان يستحي أن يواجه محمدا في الحلقة بخلافه معه حول الإمام مالك، فما كايد محمد ينصرف عن حلقته، حتى يسرع الشافعي في مناظرة تلاميذ محمد، مدافعا عن فقه الإمام مالك، وعن أهل السنة، حتى لقد أطلقوا عليه في العراق إسم «ناصر السنة».

وعرف محمد أن الش