|
زاوية الأشراف / عمان : 18/8/1995
وبعد أيها المسلمون:
في سياق حديثنا عن أحوال يوم القيامة، وصلنا للحديث عن الجنة والنار، وحديثنا عن الجنة والنار، سنسير فيه إنشاء الله تعالى، على نمط القرآن في ذكر أهوال النار، ونعيم الجنة في سياق واحد، فلو نظرنا إلى عددٍ من السور التي تتحدث عن وصف جهنم ووصف الجنة، لوجدناها على الأغلب تذكر الترهيب والترغيب متتاليين، ولا تتكلم عن النار وأهوالها للكافرين، إلا وتتحدث عن الجنة ونعيمها للمؤمنين، وهذا من فضل الله علينا ورحمته بنا، الذي هيأ أسباب النجاة ووعد بالجنة، وتوعد بالنار لمن لم يحسن الإختيار.
أيها الأخوة:
يخاطب الإمام الغزالي رحمه الله في إحيائه الغافلين عن التفكر في صفة جهنم وأهوالها وأنكالها فيقول: (يا أيها الغافل عن نفسه، المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الإنقضاء والزوال، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك أخبرت: بأن النار موردٌ للجميع، إذ قيل: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً}، فأنت من الورود على يقين، ومن النجاة في شك، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد، فعساك تستعد للنجاة منه، وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها، وقوفاً ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلماتٌ ذات شعب، وأطلت عليهم نارٌ ذات لهب، وسمعوا لها زفيراً وجرجرة، تفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ذلك، أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب، حتى أشفق البرءاء من سوء المنقلب، وخرج المنادي من الزبانية قائلاً: أين فلان بن فلان، المضيع عمره في سوء المنقلب؟ فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، وينكسونه في قعر الجحيم ويقولون له بسخرية{ذق! إنك أنت العزيز الكريم}، فأسكنوا داراً ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، يخلد فيها الأسير، شرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك وما لهم منها فكاك، وعند ذلك يقنطون، ويصيحون في نواحيها لخازن النار: يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! أخرجنا منها، فإنا لا نعود {ونادوا: يا مالك ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون}، فتقول الزبانية: لا خروج لكم منها، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون، فعند ذلك يتأسفون على ما فرطوا في جنب الله، ولا ينجيهم الندم، ولا يغنيهم الأسف، بل يُكبون على وجوههم، من فوقهم نار ومن تحتهم نار، وعن أيمانهم نار، وعن شمائلهم نار، وهم غرقى في النار، طعامهم نار وشرابهم نار، ولباسهم نار ومهادهم نار، تغلي بهم النار كغلي القدور، ويهتفون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور، صبّ من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، تهشم بها جباههم، فيتفجر الصديد من أفواههم، وتنقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، ويسقط من الوجنات لحومها، وكلما نضجت جلودهم بُدلوا جلوداً غيرها {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب}، قد عريت من اللحم عظامهم، فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلائق العصب، وهي تنش في لفح تلك النيران، وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون {يا مالك ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون}، فكيف بك إذا نظرت إليهم وقد سودت وجوههم أشد سواداً من الحميم، وأعميت أبصارهم، وأبكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، وكسرت عظامهم، وجدعت آذانهم، ومزقت جلودهم، وغلّت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، وهم يمشون على النار بوجوههم، فلهيب النار سار في بواطن أجزائها، وحيات الهاوية وعقاربها، متشبثة بظواهر أعضائهم)، هذا بعضٌ من جملة أحوالهم.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا وجبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاماً، الآن انتهى إلى قعرها)،ودرجات جهنم بعدد الأعضاء التي بها يعصي العبد ربه، فالجوارح هي اليدان والرجلان والعينان والأذنان واللسان والبطن والفرج ، ودرجات النار: الأعلى جهنم، ثم سقر، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
ثم أعلم يا أخا الاسلام، أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها، تقابلها دار أخرى، فتامل معي نعيمها وسرورها، فإن من بعُد عن إحداهما، استقر لا محالة في الأخرى، فتفكر في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، جالسين على منابر الياقوت الأحمر، في خيام من الؤلؤ الرطب الأبيض، فيها بسط من العبقري الأخضر، متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل، محفوفة بالغلمان والولدان، مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان، كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جانّ، يمشين في درجات الجنان، إذا اختالت إحداهن في مشيها، حمل أعطافها الولدان، مكللات بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان، شكلات عطرات آمنات من الهرم والبؤس، مقصورات في الخيام، في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان، ثم يطاف عليهم وعليهنّ بأكواب وأباريق وكأس من معين، بيضاء لذة للشاربين، ويطوف عليهم خدّام وولدان، كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون، في مقام أمين، في جنات وعيون، في جنان ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ينظرون فيها إلى وجه الله الملك الكريم، وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم، لا ترهقهم ذلة، بل عباد مكرمون، فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، وهم من الموت آمنون، فهم فيها يتنعمون، ويأكلون من أطعمتها، ويشربون من أنهارها لبناً وخمراً وعسلاً في أنهارٍ، أراضيها من فضة، وحصباؤها مرجان، وعلى أرض ترابها مسك، ونباتها زعفران، ويؤتون بأكواب، فيها كوب فيه من الرحيق المختوم، وكوب يشرق نوره من صفاء جوهره، في كف خادم يحكي ضياءُ وجهه الشمس في إشراقها، فيا عجباً لمن يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنه لا يموت أهلها، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها، ويتهنأ بعيش دونها؟ والله لو لم يكن فيها، أي الجنة، إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش، لكان جديراً بأن لا يأمن للدنيا ولا يركن لأهلها، كيف وأهل الجنة ملوكٌ آمنون، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون، وإلى وجه الله الكريم ينظرون، وينالون بالنظر من الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان، ولا يلتفتون وهم على الدوام، بين أصناف هذه النعم يترددون، وهم من زوالها آمنون.
أخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينادي مناد: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعُموا فلا تبأسوا أبداً، فذلك قوله تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}.
أيها الأخوة:
وعرض ابن قيم الجوزية رحمه الله، مثالاً من خياله، يشبه فيه الدنيا والآخرة، ويصف الجنة والنار، ويقارن ما بين جنة الدنيا والآخرة، إن ملكاً خط مدينة، أي أمر ببناء مدينة، في أصح المواضع وأحسنها هواءً، وأكثرها مياهاً، وشق أنهارها، وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها، أي في المدينة، فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف، سبقه الناس إلى المدينة فأخذوا منازلهم، وتبوأوا مساكنهم فيها، وبقي المتخلفون من أصحاب الحسرات، ثم نصب لهم ميدان السباق، وجعل على الميدان شجرة كبيرة، إشارة إلى الدنيا، لها ظل مديد، وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من كل أنواع الفواكه، وعليها طيور عجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها، فعن قليل تجتث من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع ثمرها، وتموت أطيارها، إشارة إلى الدنيا، وأما مدينة الملك، فأكلها دائم، وظلها مديد، ونعيمها سرمدي أبدي، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إشارة إلى الجنة، فسمع بها الناس، فخرجوا في ظلها على وجوههم، فمروا في طريقهم بتلك الشجرة، على أثر تعب ونصب وحر وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها، وذاقوا حلاوة العيش تحتها، فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظل وذاك الماء والراحة والدعة، ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار والتعب، وكيف نترك ما نراه إلى ما لا نراه، خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به، ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب، وهذا لسان حال أهل الدنيا، ونهض من كل ألف واحد وقالوا: ما مقامنا هنا في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها، ونترك المسابقة إلى الظل الظليل الذي لا يزول، والعيش الهني الذي لا ينقطع، وهل يليق بالمسافرإذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحر والبرد، فاقتحموا حلبة السباق ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، ولم تاخذهم في سيرهم لومة لائم والمتخلف في ظل الشجرة نائم، فما كان إلا قليل حتى خربت الشجرة، فقلعها قيمها من أصلها (وهذه إشارة إلى القيامة التي تذهب بالدنيا)، فأصبح أهلها في حر السموم يتحسرون على ما فاتهم من العيش في ظلها، ثم أحرقها صاحبها فصارت وما حولها ناراً تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطيع أحد منهم الخروج، فقالوا أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها، ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم، فرأوهم من البعد، في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللذات ، فتضاعفت عليهم الحسرات، وهذا جزاء المتخلفين |