|
زاوية الأشراف / عمان 7/6/96
وبعد أيها المسلمون:
روى أن أحدَ التابعينَ رأى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في المنامِ فقالَ يا رسولَ الله قد قلتَ مرةً شيبتني هودٌ وأخواتها فلمَ قلتَ ذلك فقالَ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيبني قولُ اللهِ تعالى {فاستقم كما أُمرت}.
ولأجلِ عُسْرِ الاستقامة, وجَبَ على كلِّ عبدٍ أن يدعواللهَ تعالى في كلِ يومٍ سبعَ عشرةَ مرةً في قولهِ {إهدنا الصراطَ المستقيم} إذ أوجبَ الشرعُ قراءةَ الفاتحةِ في كل ركعةٍ وهذا في الفريضةِ بخلافِ النافلة.
والاستقامةُ على سواءِ السبيلِ في غايةِ الغموضِ فعلى المرءِ إذا أرادَ النجاةِ أن يُكْثِرَ من العملِ الصالح.
ولا تصدرُ الأعمالُ الصالحةُ إلا عن الأخلاقِ الحسنةِ فليَتَفَقَّدْ كل عبدٍ صفاتِه وأخلاقَه ولْيُعدِدْها ولْيَشْتَغِلْ بصلاحِها خطوةً خطوه.
وإذا أرادَ الله تعالى بعبدٍ خيراً بصَّره بعيوبِ نفسِه، فمن كانت بصيرَته نافذةً لم تخفَ عليهِ عيُوبَه فإذا عرَفَ العيوبَ أمكنَهُ العلاج ولكنَّ أكثرنا يَجْهَلُ عيوبَ نفسِه، يرى أحدَنا القذى في عَينِ أخيهِ ولا يرى الجِذْعَ في عينِ نفسِه ويذكرُ العلماءُ طرقاً لمعرفةِ عيوبِ النفس فيقولونَ أن هناك أربعُ طرقٍ لمعرفةِ عيوبِ النفس.
الأول: أن يجلسَ بينَ يديِّ عالمٍ عاملٍ بصيرٍ بعيوبِ النفسِ مُطلعٍ على خفايا الآفات ويُحكِمه في نفسِه ويسيرَ حسبَ توجيهاتِه في المجاهدة ِ.
الثاني: ان يتخذَ لنفسِه صديقاً صدوقاً بصيراً ملتزماً بأوامرِ الشرعِ فَيُنصبَهُ رقيباً على نفسِهِ ليُلاحِظَ أحوالَه وأفعالَه وعيوبَه الظاهرةَ والباطنةَ وهكذا كان يفعلُ الأكياسُ والأكابرُ من أئمةِ الدين، كانَ عمرٌ رضيَ اللهُ عنهُ يقول: رحم اللهُ امرأً أهدى إليَّ عيوبي.
وكان يسألُ سلمانُ عن عيبِه فلما قدِمَ عليِه قالَ لهُ ما الذي بلغَكَ عني مما تكرهُه؟ فاستعفى سلمانُ أي طلبَ أن يُعفِيهِ من الجوابِ فألحَّ عليِهِ فقالَ سلمانُ: بلغني أنكَ جمعتَ بينَ إدامينِ على مائدةٍ وإنَّ لكَ حُلتينِ حُلَّةً بالنهارِ وحلةً بالليلِ قال وهل بلغكَ غيرُ هذا قال لا فقال أما هذان فقد كُفِيْتُهُمَا أي تَخَلَّصْتُ منهما.
وكان رضيَ اللهُ عنْهُ يسألُ حذيفةَ ويقولُ لهُ أنت صاحبُ سرِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في المنافقينَ فهل ترى عليَّ شيئاًَ من آثارِ النفاقِ وفي روايةٍ هل أنا منهم. فهورضيَ اللهُ عنه على جلالةِ قَدْرِهِ وعلو مقامِهِ هكذا كانت تهمتُه لنفسِه رضي الله عنه وأرضاه.
فالعقلاءُ ممن كانوا أوفرَ عقلاً وأعلى منصباً كانوا أقلَّ إعجاباً بأنفسِهِم وأعظمُ اتهاماً لها وهذه المثلُ عزَّ نظيرُها في زمانِنَا. فأينَ الصديقُ الذي يتركُ المداهَنَه فَيُخْبِرُ بالعيبِ بنيَّةِ الإصلاحِ لا بنيّةِ التشهيرِ، أويتركُ الحسدَ فلا يزيدُ على قدرِ الواجب. فلا يخلو في أصدقائِكَ عن حسودٍ أو صاحبِ غرضٍ يرى ما ليسَ بعيبٍ عيباً إلا من رحمةِ اللهِ، أوعن مداهنٍ يُخفِي عنكَ بعضَ عيوبكَ ويُجَمَّلُها لكَ فيملؤك عجباً، ولهذا كان داودُ الطائيُّ قد اعتزلَ الناسَ فقيل له لم لا تخالطُ الناسَ فقال وماذا أصنعُ بأقوامٍ يُخفون عني عيوبي.
وهكذا كانَ المخلصونَ في تلقيهم لنصائحِ غيرِهم عن عيوبِهم. أما اليومَ فإن أبغضَ الخلقِ إلينا من ينصحُنا ويعرفُنا عيوبَنا، وما ذاكَ إلا مفصحن عن ضعفِ الإيمان.
أما الطريقُ الثالثُ لمعرفةِ عيوبِ النفس فهوأن يستفيدَ المرءُ معرفةَ عيوبِ نفسِهِ من ألسنةِ أعدائِهِ، فان عينَ السخطِ تُبدي المساوي وفي هذا يقولُ الإمامُ الغزاليُّ بأن انتفاعَ الإنسانِ بعدو مشاحنٍ يذكرُه عيوبَه أكثرَ من صديقٍ مداهنٍ يثني عليهِ ويمدحَهُ ويُخْفِي عنهُ عيوبَه. إلا أن الطبعَ مجبولٌ على تكذيبِ العدو وحملِ ما يقولُه على الحسد ولكنَ البصيرَ لا يَخلوعن الانتفاعِ بقولِ أعدائِهِِ فإن مساوِيه لا بد وأن تنتشرَ على السِنَتِهم.
والطريقُ الرابعُ لمعرفةِ عيوبِ النفسِ هوأن يخالِط الناسَ فكل ما رآه مذموماً فيما بين الخلقِ فلْيطالب نفسَه بِهِ وينسبها إليه فإنَّ المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ فيرَى مِن عيوبِ غيرِهِ عيوبَ نفسِهِ ويعلمُ أن الطباعَ متقاربةٌ من إتباعِ الهوى، قيلَ لعيسى عليهِ السلام من أدبك قال ما أدبني أحدٌ رأيتُ جهلَ الجاهلِ شيناً فاجتنبتُهُ.
وهذه الطرقُ المتعددةُ لمعرفةِ عيوبِ النفسِ هي طرقُ من فقدَ مربياً عالماً عاملاً أو أباً أستاذاً عارفاً ذكياً بصيراً بعيوبِ النفسِ مشفقاً ناصحاً في الدينِ فارغاً من تهذيبِ نفسِه مشتغلاً بتهذيبِ عبادِ اللهِ ناصحاً لهم فمن وجدَ ذلكَ فقد وجدَ الطبيبَ فلْيُلازِمْهُ فهو الذي يُخَلِّصهُ من مرضِهِ وينجِيهِ من الهلاكِ الذي هوبصددِهِ وقد قيل من جالس جانس.
أيها الاخوة:
ونُنهي حديثَنَا عن حُسنِ الخُلُق ببيانِ علاماتِ حُسنِ الخُلُق لأن الإنسان جاهلٌ بعيوبِ نفسِهِ حتى لا يقنع البعضُ نفسِهِ بقليل الأخلاقِ فيظنُّ نفسَهُ حَسَن الخُلق ويتوقف عن مجاهدةِ سوءِ الخُلُق .
وحُسنُ الخلقِ هوالإيمانُ وسوءُ الخُلُقِ هوالنفاقُ وقد ذكرَ اللهُ تعالى صفاتُ المؤمنينَ والمنافقينَ في كتابِهِ وهي بجملتها ثمرةُ حُسنِ الخُلُقِ وسوءُ الخُلقِ، ومن أُشكِلَ عليهِ حاله بعد كل ما ذكرنا في الخطبِ الأربعِ السابقةِ فليعرض نفسَهُ على الآياتِ التي سنتلوها الآن، فوجود جميع الصفاتِ التي سنذكرها علامة حسنِ الخُلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقدهُ وحفظ ما وجده.
يقول تعالى{قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون{.
وفي سورة التوبةِ يقولُ اللهُ تعالى في وصفِ الفائزين{التائبون العابدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروفِ والناهونَ عن المنكرِ والحافظون لحدودِ اللهِ وبشرِ المؤمنين}.
وفي سورة الأنفالِ يقولُ تعالى: {إنما المؤمنون الذينَ إذا ذُكرَ الله عندهم وجلت قلوبُهم وإذا تليت عليهم آياتهِ زادتهم أيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً{.
إضاف’ إلى الآياتِ الواردةِ في آخرِ سورةِ الفرقان والتي سنتلوها في الصلاةِ إنشاءَ الله تعالى وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنُ بصفاتٍ كثيرةٍ وأشارَ بجميعِها إلى محاسنِ الأخلاقِ فقالَ (المؤمنُ يحب لأخيهِ ما يحبُ لنفسِه) وفي الحديثِ المتفقِ عليهِ (من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرم ضيفَهُ ومن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرم جارَه ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليَقُل خيراً أوليصمت). وذكر أن صفاتِ المؤمنين هي حُسنِ الخُلُق فقال صلى الله عليه وسلم: (أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً). وفي حديثٍ آخرٍ قال صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم المؤمن صموتاً وقوراً فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة)، (ومن سرته حسنته وساء ته سيئته فهومؤمن)، وفي الحديث المرسل (لا يحل لمؤمنٍ أن يشير أخيه بنظرة تؤذيه)
وقال حاتم الأصم: المؤمنُ مشغولٌ بالفكرِ والعبرِ والمنافقُ مشغولٌ بالحرصٍ والأملِ والمؤمنُ آيسٌ من كل أحدٍ إلا من اللهِ والمنافقُ راج كل أحدٍ إلا الله والمؤمن يقدم ماله دون دينه والمنافق يقدم دينه دون ماله والمؤمنُ يُحسن ويَبكي والمنافقُ يُسيء ويَضحك، والمؤمنُ يزرعُ ويَخشى الفسادَ والمنافقُ يقلعُ ويَرجوالحصادَ.
وأول ما يُمتحنُ بهِ حُسنُ الخُلقِ الصبرعلى الأذى واحتمال الجفاءِ فقد روي في الحديث المتفقِ عليه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يوماً يمشي ومعه أنس: فأدركه أعرابي فجذبَه جذباً شديداً وكان عليهِ بردٌ نجراني غليظُ الحاشيةِ قال أنس: وحتى نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشيةَ البردِ من شدةِ جذبِهِ فقال الأعرابي بعنفٍ وجلافةٍ: يا محمد هب لي من مالِ اللهِ الذي عندك فالتفتَ إليهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحكَ ثم أمرَ بإعطائهِ.
وقال يوسف بن أسباط: علامةِ حُسن الخُلُقِ عشرَ خصال: قلةُ الخلاف وحسنُ الإنصافِ وتركُ طلبِ العثراتِ وتحسينُ ما يبد و من السيئاتِ والتماسِ المعذرةِ واحتمالِ الأذى والرجوعِ بالملامةِ على النفسِ وملاحظةِ عيوبِ النفسِ دونَ عيوبِ الغيرِ وطلاقةِ الوجهِ للصغيرِ والكبيرِ والكلامِ لمن دونهِ ولمن فوقه.
وروي أن علياً كرمَ اللهُ وجههُ دعا غلاماً فلم يُجِبهُ فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه فقام إليهِ فرآه مضطجعاً فقال أما تسمعُ يا غلام؟ قال بلا. قال فما حملكَ على تركِ إجابتي؟ قال أمنتُ عقوبتكَ فتكاسلتُ فقالَ امض فأنتَ حرٌ لوجهِ اللهِ تعالى.
وكان ليحيىَ بن زيادٍ الحارثي غلامٌ سوء فقيلِ لهُ لم تُمسِكه؟ فقال لأتعلمَ الحلمَ عليه. فهذهِ أيها الاخوة نفوسٌ قد ذللت بالرياضةِ فاعتدلت أخلاقها ونقيت من الغشِ والغلِ والحقدِ بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله وهومنتهى حسنِ الخُلقِ فان من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به فهو آية سوء خُلُقه. فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغترَ بنفسِه فيظن بها حُسنَ الخُلق، بل ينبغي أن يشتغلَ بالرياضةِ والمجاهدةِ إلى أن يبلغَ درجةَ حُسنِ الخلق فإنها درجةٌ رفيعةٌ لا ينالها إلا المقربونَ والصديقون.
نسألُ اللهَ أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيامِ بشكر من يطلعنا على مساوئنا بمنه وفضله. |