|
زاوية الأشراف - عمان 2/12/1994
و بعد أيها المسلمون :
الصبرُ بأشكالهِ , هو الوصيةُ التاسعة من وصايا لقمانَ الحكيمِ لولده , جاءت في الآية الكريمة {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلآةَ وَأْمُرْبِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
صبرُ العبدِ على ما يُصيبُه من التواءِ النفوسِ و عنادِها , وانحرافِ القلوبِ و إعراضِها و الصبرُ عن الأذي تمتد به الألسنة و تمتدُ بهِ الأيدي , والصبرُ على الابتلاءِ في المالِ و النفسِ. كل ذلك من حقيقةِ الإيمانِ و عزمِ الأمور , أي مما عزَمهُ اللهُ و أمرَ به.
و من وصايا لقمان لولدِه : يا بُنَّي إن الذهبَ يُجربُ بالنارِ و العبدُ الصالحُ يجربُ بالبلاءِ فإذا أحب اللهُ قوماً ابتلاهم فمن رَضِيَ فلهُ الرضا ومن سَخِطَ فلهُ السُّخْط قال بعضُ العلماءِ : إن اللهَ ليبتلي العبدَ بالبلاءِ حتى يمشي على الأرضِ و ما له ذنب و في سورة البقرة يقولُ اللهُ تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
أيها المسلمون : فضبطُ النفسِ عندَ نزولِ النوازلِ و الصمودُ عندَ حلولِ المحنِ , والصبرُ عندَ مضايقةِ الضوائقِ كلُّ أولئكَ من صفاتِ المتقينَ الأبرار. و لقد علَّمنا الإسلامُ كيفَ يكونُ المؤمنُ صاحبُ النفسِ الأبيةِ القويةِ التي تترفعُ عن الدنايا و تتنزهُ عن النقائصِ و الصغائرِ , فلا استخفافَ ولا استهتارَ بالخلق.
و من صورِ ضبطِ النفسِ , كظمُ الغيظِ فهوَ من صفاتِ المؤمنينَ وهم الذينَ رضيَ اللهُ عنهم {و الكاظمينَ الغيظَ و العافيينَ عن الناس و الله يحب المحسنين}، و لا يقدرُ على العفوِ و كظمُ الغيظِ إلا الذينَ صبروا من أولي العزائمِ القويةِ والهممِ الفتية , لأن كظمَ الغيظِ إذا صحبهُ العفوُ كانَ ذلك دليلاً على حسنِ النية , فقد يكظمُ الإنسانُ غيظَهُ و لكنهُ يترقبُ الفرصةَ للانتقامِ بالغدر.
أما العفو مع كظمِ الغيظِ و ضبطِ النفسِ و مقاومةِ الانفعالاتِ النفسيةِ و مطاردةِ الهواجسِ الشيطانيةِ فذلكَ هو الأيمانُ بالله يتولى بنفسِهِ ردعَ الظالمِ و ردَّ عدوانِهِ.
و من صورِ ضبطِ النفسِ أيضاً أن يملكَ المرءُ نفسَهُ عندَ الغضبِ. يقولُ الرسولُ صلى الله عليه و سلم (ليسَ الشديدُ بالصُرعَةْ , إنما الشديدُ من يملكُ نفسَهُ عند الغضب). و يقول الله عزَّ وجل في حديثٍ قدسي : (عبدي إذا غَضِبْتَ فاذكرْني أذكُرُكَ إذا غضبتُ).
و من صورِ ضبطِ النفسِ أيضاً العفوُ عندَ المقدرةِ , فالله سبحانَهُ يقول {فاصفحِ الصفحَ الجميل} أي إعفُ عند القدرةِ عن غيرِ عتاب. ويقولُ المفسرونَ لما نزلت هذه الآية {خذِ العفوَ و أمر بالمعروفِ و اعرض عن الجاهلين} قال النبيُّ ما هذه يا جبريلُ قال (تصلُ من قطعكَ و تعطي من حرمكَ و تعفو عمن ظلمك).
و الله تعالى يقول {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
و في عهدِ الرسولِ صلى الله عليه و سلم شتمَ أعرابي أبا بكرٍ رضيَ الله عنه , والرسولُ الأعظمُ جالسٌ و أبو بكرٍ ساكت , ولما لم يسكتِ الرجلُ , أخذَ أبو بكرٍ يردُ عليه , فقامَ الرسول صلى الله عليه و سلم من المجلسِ. فقال أبو بكرٍ للرسول لم قمتَ حينَ أخذتُ أردُ عني الرجل ؟ فقال صلى الله عليه و سلم (يا أبا بكرٍ لما سَكَتْ كان هناكَ ملكٌ يدافعُ عنكَ فلما بدأتَ تنتصفُ لنفسكَ ذهبَ الملكُ و جاءَ الشيطانُ و لم أكن لأجلسَ في مجلسٍ فيهِ شيطان).
و هكذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعلم أصحابَهُ قوةَ الاحتمالِ و الصبرُ الجميل. والصبرُ من عزمِ الأمورِ {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} . وهو عندَ النوازلِ إيمانٌ و عندَ لقاءِ الأعداءِ بالثباتِ و الصمودِ و الشجاعةِ و الصبرِ عن المعاصي بتركها عبادةً و عفه , أما الصبرُ على طاعةِ الله بامتثالِ أوامرهِ فهو صفةُ الأبرارِ و سمةُ الأخيار.
أيها الأخوة المسلمون :
إن الأزماتِ إذا وقِعت للمسلمِ لا ينبغي لهُ أن يستسلمَ لها إذا كانت المحاولات تجري في تخطيها , فالاستسلام عجزٌ و الإسلامُ ينهي عن العجز , ولقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يستعيذُ باللهِ من العجزِ و الكسلِ كما يستعيذُ من الهمِ و الحزن. و قد علم هذا الدعاء لأبي أماماة الذي ركبتهُ الديونُ و لزقتهُ الهموم , وانزوى في المسجدِ علَّه يجدُ في الصلاةِ قضاءً لدَينِه و تفرجاً لهمِّه , ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم : أمرهُ بالسعيِ و العملِ و الجدِ من أجلِ حلِّ هذهِ الأزمة مستعيناً بالله مستعيذاً به من الهمِ و الحزن و العجز والكسل.
و لقد وردَ عن جعفرِ الصادق أنه قال : (عَجِبْتُ لمن ابتليَّ بالضرِّ كيفَ يذهبُ عنه أن يقولَ كما قالَ أيوبٌ عليهِ السلام في قولهِ تعالى {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} و الله يقول {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} و لقد عَجِبتُ لمن ابتليَّ بالغمِّ كيف يذهبُ عنهُ أن يقول : لا إله إلا أنت سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين، و اللهُ يقول {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}، وعجبت من خاف شيئاً كيفَ يذهبُ عنهُ أن يقول : حسبنا الله ونعمَ الوكيل، واللهُ تعالى يقول {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} وعَجِبتُ لمن مُكِرَ به كيفَ يذهبُ عنهُ أن يقول : وأفوضُ أمري إلى اللهِ إن اللهَ بصيرٌ بالعباد، والله تعالى يقول {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا}. وعجبتُ لمن أنعمَ اللهُ عليهِ بنعمةٍ فخافَ زوالها كيفَ يذهبُ عنهُ أن يقول : ما شاءَ اللهُ لا قوةَ إلا باللهِ واللهُ تعالى يقول {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}).
أيها الأخوة :
و لقد أرادَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى ألا تسيرَ الحياةُ على وتيرةٍ واحدةٍ أو نظامٍ رتيب , و إلا كانت مملةً ومسئمةً , و لهذا رَحِمَ اللهُ عباده بتنويعها في صورٍ شتى و ألوانٍ مختلفةٍ و أشكالٍ متغايرةٍ و متباينة , فيومٌ رَخَاءٌ و يومٌ شدة , و يومٌ نُسَاءُ و يومٌ نُسْعَد , و يومٌ غنىً و يومٌ فقر , ويومٌ حار و يومٌ بارد , وهكذا هي طبيعةُ الحياةِ بل هي فلسفتها مجالاتٌ رحبةٌ تتلاطمُ فيها العبقرياتُ و تتنافسُ بها المواهبُ و الكفاءاتُ و يضربُ المرءُ في معتركها بسهمِهِ فمرةً يصيبُ و أخرى يخيبُ و الفطِنُ من يتخذُ في خيبتِهِ في أمسِهِ عاملَ نجاحِهِ في الغد.
و على ضوءِ ما تقدمَ نستطيع أن نُدركَ جيداً معنى قولِ رسولِ الله صلى الله عليه و سلم (الصبرُ نصفُ الإيمانِ و الشكرُ نصفُهُ الآخر) إنَّ المرءَ إن أصابَهُ في حياتِه نجاحا و توفيقا شكر أنعم الله عليه بالعمل الصالح والأثرِ الخالد. وإن أخطأه التوفيقُ كانَ عليهِ أن يصبِرَ كثيراً و يُصَابِرَ طويلاً و يُحاولَ جهدَهُ أن يُذَللَ الصعابَ و يَتَخَطَّى العوائقَ بل يَدوسَها كما يَدوسُ الفتى كومةَ الهشيمِ إلى الأمل المنشود.
و في الحقيقةِ أن الحياةَ ملأى بالأهوالِ و المصائبِ و الشدائدِ و هي مدرسةٌ تُختَبرُ فيها العزائمُ و تُبتَلى فيها الإراداتُ فلا بدَّ لمواجهة أخطارِ الدهرِ ومحن الزمنِ من تلقي أحداثه. و لنا في السابقينَ عبَرٌ و عظات.
ورد في الحديث القدسي (أن اللهَ جلَّت قدرته إذا قَبَضت الملائكةُ روحَ ولدِ عبدٍ من عبادِهِ. يقول اللهُ للملائكةِ و هو أعلمُ بما جرى هل قبضتم روحَ ولدِ عبدي فلان ؟ فيقولون نعم. فيقولُ لهم : هل قبضتم ثمرةَ فؤادِهِ ؟ فيقولون نعم فيقولُ لهم : ماذا قال عبدي عندَ الصدمةِ الأولى فيقولون حمدكَ و استرجعَ أي قال إنا لله و إنا إليهِ راجعون فيقولُ اللهُ للملائكةِ : أبنوا لعبدي بيتاً في الجنةِ و سموهُ بيتَ الحمد).
و هذه الخنساء إمرأةٌ فقدت زوجَها و إخوانها معاذاً و صخراً ثم لم يلبثُ القدرُ أن صَدَمَها صدمةً أُخرى حيثُ بلاها بفقدانِ أولادِها الأربعةِ في حربِ القادسيةِ فلم تزِد على أن قالت (الحمدُ للهِ الذي شرفني بقتلِهِم و أرجو أن يجمعني بهم في مستقرِّ رحمتِهِ).
و هذا عروةُ بنُ الزبير مثلٌ أعلى في الصبرِ و احتمالِ الآلام , أصابتهُ الآكلةُ في رجلِهِ و هي ما يسمونه اليومَ بالغرغرينةِ فأرادوا بترها خشيةَ أن تُفْسِدَ عليهِ سائرَ جسدِهِ و قالوا لهُ نسقيكَ المُرَّقِّدَ أي المُّنوِّمَ وهؤلاءِ رجالٌ يُمسِكون بكَ حتى لا تَفلِتَ من أيدينا أثناءَ القيامِ بهذهِ العملية. فلربما لا تستطيعُ مع الألمِ صبراً. ولكنه أجابهم : لا داعي لهؤلاءِ الرجالِ سأكفيكم ذلكَ من نفسي (أي سكينةً) ثم مدَّ رجلهُ وأعملَ الطبيبُ فيها مِبْضَعَهُ و عروةُ ثابتٌ لا يتحرك و لا يلتفتُ حتى إذا بلغَ العظامُ اعملَ فيها المنشارَ و أغلى الزيتَ في مفرق الحديد و حسمَ به الداء. ولم يكدِ الطبيبُ يتمُ عملَه حتى دخلَ على عروةَ رجلٌ يعزيهِ , فقالَ له عروةُ : إن كنتَ تعزيني على رجلي فقد احتسبتها عند اللهِ فقالَ الرجلُ لا أعزيكَ عن رجلكَ و لكن أعزيكَ على ولدكَ فقد سقطَ الساعةَ في الإسطبلِ فما زالتْ تَرْفُسُهُ الدوابُّ حتى قتلته . فما زادَ عروةُ على أن قال: اللهم إن كنتَ بَلَيْتَ فقد عافَيْتَ و إن كنتَ أَخَذْتَ فقد أَبْقَيْتَ. وهذا مثلٌ عالٍ في الصبرِ على البلاءِ و الرضا بالقضاءِ ضربه عروةُ بنُ الزبير للناسِ فهل هم يقتدونَ و يصبرونَ و يتعظون. |