| Posted: 28 تشرين ثاني 2006 في 09:56 | تم تسجيل عنوانك الخاص على الشبكة
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع
تتمة الكتاب
فصل
فإن أشرق نور هذه الكلمة على جزء من أجزائك الفضلية ذهبت ظلمة ما يقابلها من أجزائك العدلية فإن أشرف نور الكلمة مثلاً على السر ذهبت ظلمة الطبع و إن أشرق على الروح ذهبت ظلمة البشرية ، و أشرق على القلب ذهبت ظلمة النفس و كذلك سائرها ، فإن أجزاءك الفضلية في اللطافة بمنزلة الجوهرة الشفافة تطرح شعاعها على ما يقابلها و يحاذيها ، و مثال ذلك مثال مصباح في قنديل و القنديل في زاوية أو بيت مظلم ، فإن نور المصباح يشرق على القنديل و نور القنديل يشرق على نور الزاوية أو البيت المظلم فقدر كلمة التوحيد بمنزلة المصباح و قدر جزئك الفضلى بمنزلة القنديل و قدر العدلي بمنزلة الزاوية أو البيت المظلم ، فكما أن نور المصباح يشرق على القنديل و نور القنديل يشرق على نور الزاوية أو البيت المظلم فذلك نور كلمة التوحيد يشرق على جزئك الفضلى ، وجزؤك الفضلي يشرق على جزئك العدلي ؛ وكما أن ظلمة البيت و الزاوية و تزول بمقابلة القنديل و المصباح فكذلك ظلمة جزئك العدلي تزول بمقابلة جزئك الفضلى و نور التوحيد و إليه التوحيد و عليه الإشارة بقوله : ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ ) و مما يوضح لك أن المقابلة لها أثر في تعدى النور من محل إلى محل نور الشمس فإنه ينبسط على جدار مثلاً فيستنير بنوره الجدار الذي يقابله ثم يستنير بنور الجدار جدار آخر يقابله و على ذلك لا يزال النور يتعدى من محل إلى محل آخر بطريق المقابلة إلى أن يقطع بحجاب كثيف ،فعند ذلك ينقطع التعدي هذا في عالم العينى . و إذا كان فى عالم العينى كذلك فإن فى عالمك الغيبى على نحو من عالمك العينى يكون فى عالمك الغيبى جزء منه ، و لهذا بقال لك العالم الأصغر ، و إذا جاز ذلك فى العالم الأكبر جاز فى العالم الأصغر . وقد يجوز أن يشرق نور الكلمة مثلاً على جزء من أجزائك الفضلية ثم يتعدى إلى السر ومن السر إلى الروح و من الروح إلى القلب إلى أن يصل إلى سائرها، فإن كل جزء من هذه الأجزاء مقابل لصاحبه و قد بينا أن المقابلة لها أثر فى تعدى الأنوار ، و إنما ينقطع التعدى بحجاب كثيف و هذه لطيفة و ليست بكثيفة فينبغى أن يتعدى من الجزء الواحد إلى سائرها فإذا كان هناك حجاب كثيف من آثار أجزائك العدلية فإنه ربما منع تعدى النور إلى ما وراءه و ذلك المثال فى ضرب المثال بمنزلة نور الشمس، فإن الشمس فى العالم العلوى فى السماء الرابعة ويصل شعاعها إلى هذا العالم السفلى لأن أجزاء السموات رقيقة لا يحجب وصول النور إلى ما وراءه فلو قدر فى مقابلتها جزء من أجزاء العالم السفلى أو حجاب كثيف كالغيم و غيره يحجب شعاعها عن وصول النور إليك ،فعالم وجودك الفضلى بمنزلة العالم العلوى و عالم وجودك العدلى بمنزلة العالم السفلى، فقدر الهمة من العالم الفضلى بمنزلة العرش من العالم العلوى ،و قدر الصفات السبع بمنزلة السموات السبع و قدر صفات العالم العدلى السبع بمنزلة الأرضين السبع . و كما أن العالم العلوى فى غاية اللطافة لا يحجب وصول النور من جزء إلى جزء فكذلك العالم الفضلى فى غاية اللطافة لا يحجب من وصول النور من جزء إلى جزء ، و كما أن العالم السفلى فى غاية الكثافة يحجب وصول النور من جزء إلى جزء فكذلك العالم العدلى فى غاية الكثافة يحجب وصول النور من جزء إلى جزء .
فصل
العالم الفضلى كله نور؛العالم العدلى كله ظلمة و هما يتعاقبان كلما ذهب جزء من العالم العدلى أعقبه جزء من العالم الفضلى فهما فى التعاقب بمنزلة الحركة و السكون أو الظل و الشمس أو الليل و النهار ، كلما ذهب جزء من الليل أعقبه جزء من النهار ، و كلما ذهب جزء من النهار أعقبه جزء من الليل ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) فليلك عالم وجودك العدلى و نهارك عالم وجودك الفضلى ، فإن تكاثفت ظلمات الشرك من نفى " لا إله " على نهار وجودك الفضلى ذهب نوره و صار عدلياً ، و إن طلعت شمس الوحدانية من برج الفردانية فى سماء " إلا الله " على ليل وجودك العدلى أذهب ظلمته و صار فضلياً فمسكن " لاإله " عالم وجودك العدلى و مسكن " إلا الله " عالم وجودك الفضلى ﻓـ " لا إله " ظلمة و مسكنه منك محل الظلمة و " إلا الله " نور و مسكنه منك محل النور ، فإذا اتصلت حدود " لا إله " بإثبات " إلا الله " انعسكت أنوار الإثبات على ظلمة النفى فصار الكل نوراً و إثباتاً محضاً و ذهبت ظلمة النفى بنور الإثبات ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )فإذا ذهبت ظلمة النفى بنور الإثبات استنار به عالم وجودك العدلى و انقلبت أجزاؤه العدلية فضلية: فصار الحس المذموم حساً محموداً ....و صار الشغل فهماً. و الهوى عقلاً . و كدورة النفس فؤاداً. و النفس قلباً و البشرية روحاً. و الطبع سراً ..و الشيطان ملكاً و إليه الإشارة بقوله-صلى الله عليه و سلم- :" أسلم شيطانى "...
فصل
اعلم أن السالك له ثلاثة منازل : فالمنزل الأول عالم الفناء و المنزل الثاني عالم الجذبة و المنزل الثالث عالم القبضة . فإذا كنت فى عالم الفناء فواظب على قول " لا إله إلا الله " و إذا كنت فى عالم الجذبة فواظب على قول " الله الله " و إذا كنت فى عالم القبضة فواظب على قول " هو هو " و إنما كان ذكرك فى عالم الفناء " لا إله إلا الله " و ذكرك فى عالم الجذبة " الله الله " و ذكرك فى عالم القبضة " هو هو " لأنك ما دمت سالكاً فى عالم الفناء فالغالب عليك عالم وجودك العدلى ، و ما دمت سالكاً فى عالم الجذبة فالغالب عليك عالم وجودك الفضلى فاجعل ذكرك فى عالم الفناء " لا إله إلا الله " لأن المستولى عليك عالم وجودك العدلى و صفاتك المذمومة ،و اجعل ذكرك فى عالم الجذبة " الله الله " ، لأن المستولى عليك عالم وجودك الفضلى و صفاتك المحمودة لأن كلمة " لا إله إلا الله " خاصيتها فى النفى و المحو ، و كلمة " الله " خاصيتها فى التقوية و التنزيه المحمود، و ما دمت فى عالم الفناء فأنت إلى النفى و المحو أحوج لأن الغالب عليك الصفات المذمومة ، وما دمت فى عالم الجذبة فأنت إلى التقوية و التنزيه أحوج لأن الغالب عليه الصفات المحمودة . أما اختصاص عالم القبضة بقولك " هو هو "لأنك متى وصلت إلى هذا العالم فقد ذهبت عنك كدورات صفاتك العدلية و أشرقت عليك أنوار صفاتك الفضلية و اتصل بك بك تصرف الحق سبخانه و تعالى من غير واسطة و صرت معدوماً بالإضافة إليك موجوداً بالإضافة إليه فانياً بالإضافة إليك باقياً بالإضافة غليه فجعل ذكرك فى هذا العالم " هو هو " لأن الموجود " هو " و الباقى " هو " . و معنى قولنا " عالم الفناء " أن السالك و المريد يفنى فيه نفسه و يبقى وجوده و يمحى صفاته المذمومة ، ومعنى قولنا " عالم الجذبة " أنه قد وقع فى جذبة الملك ، و معنى قولنا " عالم القبضة " أنه وقع فى قبضة الحق سبحانه و تعالى فيتصرف فيه من غير واسطة فهذه منازل السالك .
فصل
اعلم أن الأولياء لهم أربعة مقامات : الأول :- مقام خلافة النبوة . و الثانى :- مقام خلافة الرسالة . و الثالث :- مقام خلافة أولى العزم . و الرابع :- خلافة أولى الاصطفاء . فمقام خلافة النبوة للعلماء ، و مقام خلافة الرسالة للأولياء ، و مقام خلافة أولى العزم للأوتاد ، ومقام أولى الاصطفاء للأقطاب . فمن الأولياء من يقوم فى العالم مقام الأنبياء ، ومنهم من يقوم فى العالم مقام الرسل ، ومنهم من يقوم فى العالم مقام أولى العزم ، ومنهم من يقوم فى العالم مقام أولى الاصطفاء . و معنى الولىّ على وجهين : الوجه الأول :- من ثبت له تصرف و ولاية على مصلحة دينية . و الوجه الثانى :- ليس له ولاية التصرف بالقوة بل ثبت له تصرف ولاية التصرف . فإن قيل : كيف يكون ولياً و ليس له ولاية التصرف ؟ فالجواب : يجوز أن يكون ولياً على معنى أن الله قد تولى جميع أموره و هذا الولىّ ولىّ بالفعل ، إن سمع فبالحق يسمع ، و إن أبصر فبالحق يبصر ،و إن نطق فبالحق ينطق ، فهو فى عالم محبوبيته إلى ذلك و إلى ذلك الإشارة بقوله " كُنتُ لهُ سَمْعاً و بَصَراً " الخبر ، و هذا الولى لا يصلح أن يكون مربياً للخلق لأنه فى قبضة الحق مسلوب الاختيار ، و إذا كان مسلوب الاختيار عن نفسه فلا يصلح أن يكون مربياً لغيره ، لأن التصرف فى غيره يستدعى ولاية التصرف فى نفسه و هذا الولى مجذوب فى نفسه فكان مسلوب التصرف فى غيره ، ألا ترى فى عرف الشرع أن من ثبتت له الولاية على نفسه ثبتت له الولاية على غيره و من لا فلا ، و العاقل البالغ لما ثبثت ولايته على نفسه ثبتت له الولاية على غيره ، و الطفل و الصبى لما لم تثبت له الولاية على نفسه لم تثبت له الولاية على غيره . فالمجذوب فى قبضة الحق بمنزلة الصبى فى ولدنا فهو فى حجر المحبوبية يرضع بلبن كرم الربوبية ،وهم أطفال قهرنا فى حجر تربية إرادتنا يرضعون بلبن كرمنا ، فأما الولى السالك فيصلح أن يكون مربياً للخلق لأنه بمنزلة البالغ الذى تثبت له الولاية على نفسه و من له الولاية على نفسه جاز له الولاية على غيره ، فإذا جاز ذلك فى عرف الشريعة جاز فى عرف الحقيقة على وزن الشريعة ، و التفرقة بين الشريعة و الحقيقة كفر و زندقة ، فمثال المجذوب فى مقام المحبوبية كمثل رجل سلك به فى طريق البادية مشدود العين فهو لا يعرف موضع قدميه و لا يدرى أين يذهب ، و هذا الرجل إذا قطع الطريق ووصل إلى مراده لو سئل عن منزل من المنازل لم يكن عنده علم و لا خبر ، و كما أن الرجل لا يصلح أن يكون دليلاً فى البادية فكذلك المجذوب لا يصلح أن يكون دليلاً فى طريق الآخرة ، و مثال السالك فى طريق الآخرة كمثل رجل سلك طريق البادية و شاهدها و عرف منازلها و مراحلها و سهلها و جبالها و يعرفها شبراً شبراً و يعلمها و يتقنها علماً و خبراً ، و كما أن هذا الرجل يصلح أن يكون دليلاً على طريق البادية فكذلك السالك فى طريق المعرفة يصلح أن يكون دليلاً فى طريق الآخرة .
فصل
كاشف القلوب يقول " لا إله إ الله " و كاشف الأرواح يقول " الله " و كاشف الأسرار يقول " هو هو "و " لا إله إلا اله " قوت القلوب و " الله " قوت الأرواح و " هو " قوت الأسرارف " لا إله إلا الله " مغناطيس القلوب و " الله " مغناطيس الأرواح و " هو " مغناطيس الأسرار ،و القلب و الروح و السر بمنزلة درة فى صدفة فى حقة أو بمنزلة طير فى قفص فى بيت ، فالحقة و البيت بمنزلة القلب، و الصدفة و القفص بمنزلة الروح ، و الدرة و الطائر بمنزلة السر ،فمهما لا تصل إلى البيت لا تصل إلى القفص ، و مهما لا تصل إلى القفص لا تصل إلى الطير و كذلك مهما لا تصل إلى القلب لا تصل إلى الروح ، ومهما لا تصل إلى الروح لا تصل إلى السر ،فإذا وصلت إلى البيت فقد وصلت إلى عالم القلوب ، و إذا وصلت إلى القفص فقد وصلت إلى عالم الأرواح ، و إذا وصلت إلى الطائر فقد وصلت إلى عالم الأسرار، فافتح باب قلبك بمفتاح قولك " لا إله إلا الله " ،و باب روحك بمفتاح قولك " الله الله " و استنزل طائر سرك بقولك " هو هو " فإن قولك " هو " قوت لهذا الطائر و إليه غلإشارة بقوله تعالى " يا موسى اجعلنى طعامك و شرابك " . و اعلم أن تشبيه القلب بالبيت و الروح بالقفص و السر بالطير تشبيه مجازى من جهة الحس تقريب إلى فهمك و إشارة إلى أنه لا وصول إلى عالم الأرواح إلا بعد العبور عن عالم القلوب ، و لا وصول إلى عالم الأسرار إلا بعد العبور عن عالم الأرواح و إلا فالحقيقة بالعكس من ذلك ، فإن عالم الأرواح أكبر من عالم القلوب ،و عالم الأسرار أكبر من عالم الأرواح ؛ و إنما مثله الحقيقى ثلاثة دوائر بعضها محيط ببعض ،فالدائرة الكبرى عالم الأسرار و الوسطى عالم الأرواح و الصغرى عالم القلوب ، فعالم القلوب أصغر من عالم الأرواح و عالم الأرواح أصغر من عالم الأسرار، و إنما كان عالم القلوب أصغر من عالم الأرواح ،لأن عالم القلب أقرب إلى عالم الغيب و الشهادة من عالم الأرواح ، و إنما كان عالم الأرواح أصغر من عالم الأسرار ،لأن عالم الأرواح أقرب إلى عالم الأشباح من عالم الأسرار ، فكل ما كان إلى عالم الأشباح أقرب كان إلى الأصغر أقرب ، وكل ما كان عنه أبعد كان إلى الأكبر أقرب ، و لأن عالم الأشباح عالم الضيق و الحرج و الزحمة ، و عالم الأرواح و الأسرار عالم الفسحة و الروح ، و كل ما كان أصغر مما هو أقرب إلى عالم الملك و الملكوت و السعادة كان أقرب مما هو أقرب إلى عالم الغيب و الشهادة و هو عالم الأسرار ؛فافهم أيدك الله بالفهم .
فصل
بالله يا أخى هل لك فى هذه السماء نجم ؟ أو من هذه البحار قطرة ؟ كلا كلا ، بل نفس مستولية و بشرية غالبة ، فطبع ظاهرك
(ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا )
فاخرج من عالم النفس إلى عالم القلب و من عالم البشرية إلى عالم الروح ، و من عالم الطبع إلى عالم السر، و من ظلمة وجودك إليه ، فتشاهد ما لا عين رأت و لا أذن سمعت (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
فصل
عالم النفس و عالم البشرية و عالم الطبع مهاو و دركات لعالم العدل ، و عالم القلب و عالم الروح و عالم السر معارج و درجات لعالم الفضل ، فعالم النفس درك للعاصين و عالم البشرية درك للكافرين ، و عالم الطبيعة درك للمنافقين . ( إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) و أما عالم القلب فمعراج المريدين و عالم الروح معراج الصديقين و عالم السر معراج المرادين و إن شئت أن تقول عالم القلب معراج أهل البداية و عالم الروح معراج أهل التوسط و الكفاية و عالم السر معراج أهل الوصول و النهاية . ( وجه آخر ) عالم القلب معراج التوابين و عالم الروح معراج المحبين و عالم السر معراج العارفين ، فمهما لم ترق من حضيض طبعك و بشريتك و نفسك لا تصل إلى عالمهم فإذا ترقيت من درك طبعك و بشريتك و نفسك فحينئذٍ يستقبلك تصرف الحق فيك " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء " فتارة يقلبه من قبض إلى بسط و من خوف إلى رجاء و من بقاء إلى فناء و من صحو إلى محو و من طرب إلى حزن و تارة يعكس هذه الأحوال و يغير عليه هذه الأوصاف و هو أبداً بين قبض و بسط و خوف و رجاء و فناء و بقاء و محو و صحو و طرب و حزن ،
و تارة يجذبه عنه و يوصله إلى أعلى مراتب السائرين عنه
و تارة يرده عنه فيوقفه فى أدنى منازل المنقطعين عنه .
جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين .
فصل
اعلم أن هذا التعدد و التنوع و التغير إنما هو بالنسبة إلى متعلقات صفاته إذ هو واحد فى ذاته و صفاته علمه واحد و هو محيط بجميع المعلومات و قدرته واحدة و هى محيطة بجميع المقدورات و العلم واحد و المعلومات متعددة و القدرة واحدة و المقدرات متعددة و تصرفه فيك واحد و تصرفاتك متعددة و ذكر الإصبعين و اليدين و أمثال ذلك على سبيل التشبيه و ذكر الإصبع على جهة التثنية إشارة إلى سرعة التقليب من حال إلى حال و إلا فهو مقدس عن أن يكون جسماً أو جوهراً أو عرضاً بل هو خالق الموجودات و الأجسام و الجواهر و الأعراض لأنه لو كان جسماً لكان مؤلـَّـفاً و هو سبحانه و تعالى مؤلـِّـف و ليس بمؤلـَّـف لو كان جسماً لكان مكيفاً و هو سبحانه ليس بمكيف لو كان جسماً لكان مصوراً و هو سبحانه ليس بمصور لو كان مؤلـَّـفاً لافتقر لمؤلـِّـف لو كان مكيفا لافتقر إلى مكيف و او كان مصورا لافتقر إلى مصور و هو سبحانه و تعالى مبدع التأليف و التكييف و التصوير ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) و لو كان عرضاً لافتقر إلى محل يقوم به و هو سبحانه منزه عن أن يخل فى شىء أو يقوم بشىء بل هو قبل كل شىء كان و لا مكان و إنس و لا جان و لا سماء و لا أرض و لا عرش و لا فرش و لا ملك و لا فلك و لا شمس و لا قمر و لا عين و لا أثر و لا حجر و لا مدر و لا ماء و لا شجر و لا فضاء و لا ضياء و لا ظلال و لا وراء و لا أمام و لا يمين و لا شمال و لا فوق و لا تحت و لا نبات و لا جماد ، كان قبل كل الأكوان و هو الآن كما كان و لا يزال على ممر الدهور و الأزمان قربه بغير اتصال و بعده بغير انفصال و فعله بغير الجوارح و الأوصال منزه برىء عن الاستقرارو الانتقال و تعالى عن التحول و الزوال و تقدس عن الحلول فى المحال لا إله إلا الله الكبير المتعال عن الوهم و الحس و الخيال ليس له شكل و لا تصوير و لا مثل و لا نظير و لا معين و لا ظهير و لا وزير و لا مشير ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ليس له ندُ و لا حد و لا تحيط به الجهات و لا تغيره الحالات و لاتشبه ذاته الذوات و لا تشاكل صفاته الصفات تقدست ذاته عن سمات الكائنات و صفاته عن صفات الحادثات تنزه القدم عن الحدوث و تقدس القديم عن المحدَث. إن قلت كم.......... فقد كان قبل الأجراء و الأبعاض إن قلت كيف.......... فقد كان قبل الأحوال و الأعراض و إن قلت متى .............فقد كان قبل الزمان و إن قلت أين .............فقد كان قبل وجود المكان و سبق الأشياء كلها وجوداً و أخرجها من كتم العدم فضلاً و جوداً ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) أول ليس قبله شىء و آخر ليس بعده شىء ظاهر ليس يستره شىء باطن أى لا يكنفه شىء ، واحد ليس كمثله شىء .
فصل
فإذا وصلت إلى عالم الفناء اتصل بك تصرف الحق فيكون حجرك إكسيراً عزيزاً و انقلب نحاسك ذهباً إبريزاً و أودع فيك من أنوار التنزيه و التوحيد ماتنفى معه كل شرك و تشبيه و تعطيل و تمويه فتصفو بصفاء التوحيد عن كدورات صفاتك و تقدس به عن دنس مخالفاتك فحينئذٍ يُدخلك فى زمرة السالكين و يسيرك فى منازل السائرين إلى أن تبلغ إلى أعلا منازل القلب من الرضا و التسليم و التفويض و الطمأنينة و السكينة ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ).
فصل
فإذا وصلت إلى عالم الروح برز لك نعت القدم بتنصيص التخصيص و منشور التشريف من ياء إضافة ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي )و هذه إضافة تفصيل القدم للحدوث و تسجيل القديم للمحدث فكاد هذا التشريف أن يصل القديم بالمحدث تنزه القدم عن الحدوث و تنزه القديم عن المحدث و جلت الأزلية عن الوصل إضافتك إليه إضافة مزية لا إضافة جزئية إضافتك إليه إضافة خصوصية لا إضافة بعضية إضافة قربة لا لإضافة نسبة إضافة كرم لا إضافة قدم و هو منزه عن كل إضافة و إن قال ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) .
فصل
ليس له " كل " فيقال له " بعض " و ليس له " جنس " فيقال له " نوع " تنزه عن حقيقة " من " و " إلى " و " فى " و " على " ؛ ليس له جنسية و لا بعضية فيقال " مِن " و لا محلية فيقال " فى " و ليس له قرار فيقال " على " فهو مقدس عن البداية و النهاية و الظرفية و المحلية .
فصل
إذا وصلت إلى عالم السر كوشفت بأسرار الغيب و زفت إليك أبكار عرائس الأسرار فى خلوات :" أوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى " من توسط ( فَأَوحَى إِلى عَبدِهِ مَا أَوحَى ) من مجلس السر بينى و بين عبدى سر لا يطلع عليه ملك مقرب و لا نبى مرسل ثم تأتيك ألطاف القدرة بتحف الحضرة بــــ " ما لا عين رأت و أذن سمعت " ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) تدرى ما قرة عين العاشق ؟ قرة عين العاشق زاوية وجه محبوبه و معشوقه و التمتع بالنظر إلى جمال :- يشق لك سمعاً فى قلبك و بصراً فى لبك فتسمع بغير أذن و تبصر بغير عين فلا تسمع إلا من الغيب و لا تبصر إلا من الغيب فيصير الغيب عندك عيناً و الخبر معاينة و هو معنى قوله " رأى قلبى ربى " و مفهوم إشارة القدم فى متن مصحف المجيد ( أَلَمْ تَرَ إلى رَبـِّـك ) فحينئذ يجذبك عنك و يسلبك منك فتقع فى القبضة فيوصلك إلى أعلا مراتب التوحيد و المعرفة فى أعلا منازل السر و الهمة ما تقصر العبارة عن التعبير به و تعجز الأسرار عن الإشارة إليه وهو نهاية الإقدام و ليس وراء عبادته قربة " لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فحينئذ تقول : سبحان من لم يجعل طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته و لما علم الحق سبحانه عجز خلقه عن اداء صفته فى حقيقة الوحدانية و الفردانية شهد لنفسه بالحق للحق ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) .
فصل
التوحيد هو البداية و هو النهاية و منها رجوع إلى البداية منها بدئ و إليه يعود ، كلمة " لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله " هى البداية و النهاية منها بدئ و إليها يعود فهى الكلمة الطيبة و الكلم الطيب و القول السديد و القول الصواب و كلمة التقوى و دعوة الحق و الكلمة السواء و العمل الصالح و العهد و الحسنة و الإحسان ، أما الكلمة الطيبة ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) و أما الكلم الطيب ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ) ، والقول السديد ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) و القول الصواب ( إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) و دعوة الحق قوله تعالى ( لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ) و كلمة التقوى قوله تعالى ( المُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) و الكلمة السواء قوله تعالى ( إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ ) و العمل الصالح قوله تعالى ( رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ) و العهد قوله تعالى ( إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) و الحسنة ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ) و الإحسان ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ ) و هي الحصن الحصين " لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي " . جعلنا الله و إياكم ممن دخل حصن الله بمنه و كرمه و إحسانه بداية و نهاية و رزقنا معاني أسراره بفضله و رحمته ، و إنه جواد كريم ؛ آمــــــين . .
تم كتاب التجريد في كلمة التوحيد ، و صلى الله على سيدنا محمد عبدك و نبيك و رسولك الرحمة العامة لجميع الخلائق أجمعين و على آله و صحبه و محبيه و أمته و علينا معهم يا أرحم الراحمين ، آمين آمين . و الحمد لله على التمام ما محب في بحر التوحيد وصل أعلى مقام .
لا تنسونا من دعائكم الصالح
__________________ سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين
و الحمد لله رب العالمين
|