سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 الدلالة النورانية

 

 التقريب بين المدارس الإسلامية

 

  مصطلحات القوم

 

  اداب المريد

 

  قواعد التصوف

   حسن التفهم والدرك لمسألة الترك  جديد
 

  البحث عن الوارث

  الفرقة الناجية

  البدعة الحسنة  جديد

   الخبر الدال على وجود الأقطاب والأبدال  جديد
 

  التكريم الصادق

 

  مسالك الحنفا في والدي المصطفى  جديد

  الشمائل المحمدية

 انموذج اللبيب في خصائص الحبيب
 

  دلائل النبوة

 

  الدرر السنية

 

  اداب الفتوى والمفتي والمستفتي  جديد

 

  بستان العارفين

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

 أرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 

 

 

المكتبة
 

قواعد التصوف
تأليف
الشيخ أحمد بن أحمد بن محمد البرنسي الفاسي،
وكنيته أبو العباس، ولقبه
زروق
 

  ►  السابق   1 2 3 4 5 6 7 8

التالي ◄ 

 

قاعدة 76 

تشعب الأصل قاض بالتشعب في الفرع، وكل طريق القوم لم يرجعوا بها لأصل واحد، بل لأصول غير شاذلية فإنهم بنوها على أصل واحد، هو إسقاط التدبير مع الحق فيما دبره من القهريات والأمريات ففروعهم راجعة لاتباع الكتاب والسنة، وشهود المنة، والتسليم للحكم بملاحظة الحكمة. وهذه نكتة مذاهب القوم وحولها يحومون، لكنهم لم يصرحوا بوجهها كهذه الطائفة. ومن ثم قال ابن عطاء رضي الله عنه في التنوير: ما في كتب الصوفية المطولة والمختصرة مع زيادة البيان واختصار الألفاظ. قال: "والمسلك الذي يسلك فيه، مسلك توحيدي لا يسع أحدا إنكاره، ولا الطعن فيه، ولا يدع للمتصف له صفة حميدة إلا أكسبه إياها، ولا صفة ذميمة إلا أزالها عنه وطهره منها". انتهى. وإنه لكما قال رحمه الله.

قاعدة 77

اتساع الكلام وتشعبه في الأصل والفرع، مفيد لمن له أصل يرجع إليه به وإن كان مشوشا لغيره، فنظر المتسعات كالقوت(كتاب قوت القلوب لأبي طالب مكي)، والإحياء (كتاب إحياء علوم الدين) ونحوهما، نافع لمن له طريق يقتفيها بعلم أو عمل أو حال، فيما هو به سيما وهما مليان بتعريف النفوس ومشاكل إشكالها، وما هي عليه من تدقيق النظر في نوازل المعاملات والإشارة لوجوه المواصلات، وتحقيق ما وقع، وبيان النافع والأنفع، فهما وإن لم يكن فيهما للمريد ولا للعالم طريق التحقق والتحقيق.

والأول في القوت أكثر منه في الإحياء، والثاني في الإحياء أكثر منه في القوت.

فلذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: كتاب قوت القلوب، يورثك النور، وكتاب إحياء علوم الدين يورثك العلم. انتهى 

وما جرا مجراهما فهو على حكمهما، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 78

العلم إما أن يفيد بحثاً على الطلب وحثاً عليه، وإما أن يفيد كيفية العمل ووجهه، وإما أن يفيد أمرا وراء ذلك خبرياً يهدي إليه.

فالأول: من علوم القوم، علوم الوعظ والتذكير.

والثاني: علم المعاملات والعبودية.

والثالث: علم المكاشفة.

فالأول: دائر على قوله تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}. هذه لقوم، وهذه لقوم، كل على حسب قبوله.

والثاني: دائر على قوله تعالى {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.

والثالث: راجع لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا، فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل، واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأوقم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا، إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم، ولا يضار كابت ولا شهيد، وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم، واتقو الله، ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم}. ومن عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم.

وإن كان: "إنما العلم بالتعلم" ففي الأصل لا في الفرع.

ومن ثم قال أبو سليمان:"إذا اعتقدت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما، والله سبحانه أعلم. انتهى.

قاعدة 79

أصل كل أصل من علوم الدنيا والآخرة، مأخوذ من الكتاب والسنة، مدحاً للممدوح، وذماً للمذموم، ووصفاً للمأمور به. ثم للناس في أخذها ثلاث مسالك.

أولها: قوم تعلقوا بالظاهر، مع قطع النظر عن المعنى جملة. وهؤلاء أهل الجحود من الظاهرية، لا عبرة بهم. 

الثاني: قوم نظروا لنفس المعنى جمعا بين الحقائق، فتأولوا ما يؤول، وعدلوا ما يعدل، وهؤلاء أهل التحقق من أصحاب المعاني والفقهاء. 

الثالث: قوم أثبتوا المعاني، وحققوا المباني، وأخذوا الإشارة من ظاهر اللفظ وباطن المعنى، وهم الصوفية المحققون، والأئمة المدققون، لا الباطنية الذين حملوا الكل عن الإشارة. فهم لم يثبتوا معنى ولا عبارة، فخرجوا عن الملة، ورفضوا الدين كله، نسأل الله العافية بمنه في الدنيا والآخرة.

قاعدة 80 

الضروري: ما لا يؤمن الهلاك بفقده.

والحاجي: ما أدى فقده لخلل غير مستهلك.

والتكميلي: ما كان وجوده أولى من فقده، وذلك يجري في كل شيء يكتسب، فوجبت مراعاة المراتب بتقديم كل على بعده.

فضروري العلم ما لا يؤمن الهلاك مع جهله، وهذا هو المتعين بالوجوب على صاحبه. وحاجيه ما كان فقد نقصا لصاحبه وهو فرض الكفاية منه. وتكميليه ما كان وجوده زيادة في فضيلته كمنطق وفصاحة، وشعر ونحوها.

وواجب العبادات ضروري ومسنونها حاجي، ومندوبها تكميلي، ولكل رتب في أنفسها، فافهم. 

قاعدة 81

لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. قال الشافعي إجماعا لقوله صلى الله عليه وسلم:"العلم إمام العمل، والعمل تابعه". فلزم كل أحد تعلم علم حاله، حسب وسعه بوجه إجمالي يبرءه من الجهل بأصل حكمه إذ لا يلزمه تتبع مسائله، بل عند النازلة والحالة ما يتعلق بها. وما وراء ذلك من فروض الكفاية الذي يحمله من قام به، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجة فلا عذر في طلبه، فافهم.

قاعدة 82

إتيان الشيء من بابه أمكن من تحصيله، فمن ثم قيل:"العامي يسأل ليعمل، فحقه أن يذكر النازلة".

والطالب يسأل ليعلم، فحقه أن يسأل عن مسألة بمسألة أخرى، وعلى العالم أن يبين بيانا يمنع السائل من التأويل.

قلت: وسؤال الطالب كما في الحديث أن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه. 

وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من حوسب عذب".

فقالت عائشة رضي الله عنها: أوليس يقول الله عز وجل {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}.

وإجابة العالم مثل قوله عليه الصلاة والسلام في جوابها:"إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك".

وحقق النووي أنه عليه الصلاة والسلام إنما عاب على الخطيب الذي قال: ومن يعصمها، اختصاره في محل التعليم، لا الجمع بالكناية الذي قد ورد كثيرا والله سبحانه أعلم.

قاعدة 83

لا يقبل في باب الاعتقاد موهم ولا مبهم، ولا يسلم لأحد فيه ما وقع منه دون كلام فيه، بل يرد في نفسه بما يصح رد ظاهره به، ثم إن حضر قائله تكلم معه في معناه وحكمه في نفسه وذكره. وإن عدم تأول بما يرده لأصل الحق، إن وافق أصلا شرعيا في إطلاقه وثبتت إمامة قائله كما في رسالة ابن أبي زيد رحمه الله، في مسألة الاستواء وغيره. وليس صوفي بأولى من فقيه، ولا فقيه بأولى من صوفي في ذلك ونحوه، بل الصوفي ربما كان أعذر لضيق العبارة عن مقاصده، وقصر ما تكلم فيه على نوعه ورومه التحقيق بإشارته، فإن سوغ التأويل في أحدهما لزم في الآخر. وإن قيل لا يتأول إلا كلام المعصوم، فتأويل الأئمة كلام مثلهم، ناقض له أو هي مردودة عليهم، أو لكل اجتهاده إذ الخلاف في المسألة بوجود كل ذك يعدد ما لا يحتمل الحق بوحه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

قاعدة 84

لا يجوز لأحد أن يتعدى ما انتهى إليه من العلم الصحيح، بالوجه الوضاح لما لا علم له به {ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسئولا}. فالمنكر بعلم كالأخذ به والمتعصب بالباطل كالمنكر لما هو به جاهل، فقد أنكر موسى عليه السلام على الخضر عليه السلام ولم يكن منكرا في حق واحد منهما، إذ كل على حكمه.

فلذلك قال شيخنا أبو العباس الحضرمي رضي الله عنه، بعد كلام ذكره: والجاحد لمن يوحى إليه شيء من هذا الكلام وما يفهمه، هو معذور مسلم، له حاله من باب الضعف والتقصير والسلامة، وهو مؤمن إيمان الخائفين، ومن يفهم شيئا من ذلك فهو لقوة إيمان معه، واتساع دائره ومشهده واسع، سواء كان معه نور أو ظلمة بحسب ما في القوالب من الودائع الموضوعة على أي صفة كانت وهذا شيء معروف مفهوم. انتهى.  

قاعدة 85 

ثبوت المزية لا يقضي برفع الأحكام، ولزوم الأحكام الشرعية لا يرفع خصوص المزية، فمن ثبت عليه حق، أو لزمه حد، وقع عليه مع حفظ حرمته الإيمانية أصلا، فلا يمتهن عرضه إلا بحقه، على قدر الحق المسوغ له، وإن ثبتت مزية دينية، لم ترفع إلا بموجب رفعها.

فالولي ولي وإن أتى حدا أو أقيم عليه، ما لم يخرج لحد الفسق بإصرار وإدمان ينفي ظاهر الحكم عنه بالولاية. لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله. "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". وقد أعاذها الله من ذلك، {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائف من المؤمنين}. فمن ثم أفتى الشبلي بقتل الحلاج، والحريري بضربه وإطالة سجنه. وقال هو في نفسه ما على المسلمين أهم من قتله نصحا للدين من دعاوي الزنادقة، لا إقرارا على نفسه وإعانة على قتله بما علم براءته من حقيقته، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 86

تحقق العلم بالمزية لا يبيح السكوت عند تعين الحق إلا عند العلم بحقيقة ما عليه الفاعل من غير شك.

ثم إن وقع إنكار فليس بقادح في واحد منهما، إذ كل على علم علمه الله إياه، كما قال الخضر لموسى عليهما السلام في أول أمرهما. وسكوت الثالث، لأن الحكم لغيره مع عدم تعيين الموجب لدخوله من إقامة حد أو غيره، مع احتمال التأويل لما وقع منه أن يكون قد أبيح لعلته التي أبداها في آخر أمره. فلو أتى بأمر لا يباح بوجه فلا تأويل إلا عصيانه أو فسقه، وما لا يباح بوجه هو اللواط، أو الزنا بمعينه، أو إدمان شرب خمر ونحوه لاقتلب ، وأخذ مال ونحوه مما له وجه في الإباحة، عند حصول شرطه، وإنما التوقف عند الاحتمال باطنا، ولا توقف في الحكم الظاهر عند تعيينه بوجه صحيح والله أعلم.

قاعدة 87

التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما تبين وجهه من خير أو شر، ومبنى الطريق على ترجيح الظن الحسن عند موجبه وإن ظهر معارض. حتى قال ابن فورك رحمه الله:"الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلامه، ولا الغلط في إخراج مؤمن واحد بشبهة ظهرت منه". وسئل مالك عن أهل الأهواء: أكفار هم؟ قال: من الكفر هربوا. وأشار عليه السلام للتوقف في الخوارج بقوله: وتتمارى في الفرق. وقال قوم: ما أدى إليه الاجتهاد جزم به، ثم أمر الباطن إلى الله. فمن ثم اختلف في جماعة من الصوفية كابن الفارض، وابن أحلا، والعفيف التلمساني، وابن ذي سكين، وأبي إسحاق التجيبي، والششتري، وابن سبعين، والحاتمي، وغيرهم.

وقد سئل شيخنا أبو عبد الله القوري رحمه الله وأنا اسمع، فقيل له: "ما تقول في ابن العربي الحاتمي؟".

فقال:"أعرف بكل فن، من أهل كل فن".

فقيل له: ما سألناك عن هذا؟

فقال: اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية.

قيل له: فما ترجح؟ قال: التسليم.

قلت: لأن التكفير خطرا، وتعظيمه ربما عاد على صاحبه بالضرر من جهة اتباع السامع لمبهماته وموهماته، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 88

كمال العبادة بحفظها والمحافظة عليها، وذلك بإقامة حدودها الظاهرة والباطنة ومن غير غلو ولا تفريط فالمفرط مطيع، والغالي مبتدع، سيما إن اعتقد القربة في زيادته، فمن ثم قيل: الوسوسة بدعة، واصلها جهل بالسنة، أو خيال في العقل يدفعها دوام ذكر "سبحان الملك الخلاق". {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز}. مع كل ورد والتزام التلهي والأخذ بالرخص، من أقوال العلماء النافية لها لا تتبع الرخص فإنها ضلال بإجماع فافهم.

قاعدة 89

أصل كل خير وشر اللقمة والخلطة، فكل ما شئت، فمثله تفعل واصحب من شئت فأنت على دينه. قيل: وما أكل بالغفلة استعمل فيها، فاستحبوا لذلك أن يسمى على كل لقمة ويحمد على بلعها.

قال ابن الحاج: وهذا حسن، ولكن التسمية سنة وتكون أولا، والحمدلة آخرا من غير زائد، والسنة أحسن.

فذكرت ذلك لبعض أهل الخير، فقبله، وبقي في نفسي شيء منه، فرددت الكلام معه فيه وقلت وهو معارض لسنة الحديث على الطعام فقال: هذا إن كان معه أحد، فقبلت بحثه، ثم بدا لي فرجعت عن قوله توقفا من السنة الحكم على الاعتياد في حق كل أحد على كل حال. والله سبحانه أعلم.

قاعدة 90 

تكلف ما ليس في الوسع جائز عقلا، غير وارد شرعا. إذ {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}. وقد أمر كل مؤمن بطلب الحلال، فوجوده ممكن للكل في كل عصر وقطر لوجود أصوله عموما، ولأن الأرض لا تخلو من ولي وصالح وهو قوتهم، ولا يكلفنا الله بما في علمه، إنما يكلفنا بما نعلم من حيث نعلم. فمن لا يعمل بيده حراما ولا يغلب على ظنه دخوله في ماله بعلامة صحيحة، فلا وجه لاعتقاد الحرام ولا الشبهة فيه. بل قد قيل: المال كالماء، خلق الله هذا حلالا، كما خلق الله هذا طهورا هذا لا ينجسه إلا ما غير وهذا لا يحرمه إلا ماغير. وتفصيل ذلك في كتاب الحلال والحرام من الإحياء وغيره، ولذا أجمعوا على وجوده كما ذكره السهروردي والله سبحانه أعلم. 

قاعدة 91

حفظ النظام واجب، ومراعاة المصلحة العامة لازم، فلذا أجمعوا على تحريم الخروج عن الإمام، بقول أو فعل حتى أنجز في إجماعهم على الصلاة خلف كل بر وفاجر من الولاة وغيرهم ما لم يكن فسقه في عين الصلاة. وكذا يرون الجهاد مع كل أمير من المسلمين، وإن كان فاجرا لا غيره.

وزعم ابن مجاهد إجماع المسلمين، وأنكره ابن حزم، وفيه كلام لهما. والمعول، المنع بكل حال، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: "ما سب قوم أميرهم إلا حر مواخيره". وقال عليه الصلاة والسلام "المؤمن لا يذل نفسه". قال ابن عباس: يتعرض للسلطان وليس له منه النصف. وفي الترمذي: "ما مشى قوم إلى السلطان شبرا ليذلوه، إلا أذلهم الله تعالى" إلى غير ذلك مما يطول ذكره.

ويجمعه قوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، والقوم أهرب الناس مما لا يعنى، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 92

العبادة: إقامة ما طلب شرعا من الأعمال الخارجة عن العبادة، أو الداخلة، سواء كان رخصة أو عزيمة، إذا أمر الله فيهما واحد. فليس الوضوء بأولى من التيمم في محله، ولا الصوم بأولى من الإفطار في محله، ولا الإكمال بأولى من القصر في موضوعه. وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره أن تترك عزائمه". لا على الرخصة المختلف في حكمها، إذ الورع مطلوب في كل مشكوك الحكم، بخلاف المحقق، فإن تركه تنطع، وعلى هذا الأخير يتنزل كلام القوم في ذم الرخص، والتأويلات، والله أعلم.

قاعدة 93

المقصود موافقة الحق وإن كان موافقا للهوى، حتى قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:" إذا وافق الحق الهوى، فذلك الشهد بالزبد". وقد أغرق قوم في مخالفة النفس، حتى خالفوا الحق في طي ذلك. ومنه استئذانهم في الواجب والضروري الذي لا يمكن انفكاكه، وتركهم جملة من السنن، لإلفها مع ترك ما ألفوا منها. وهذا وإن كان مؤثرا في النفس، فهو مثير للباطل وسائر بصاحبه لعكس القصد، نسأل الله العافية. 

قاعدة 94

الأجر على قدر الاتباع، لا على قدر المشقة لفضل الإيمان والمعرفة والذكر والتلاوة على ما هو أشف منها بكثير منالحركات الجسمانية. وقوله عليه الصلاة والسلام:"أجرك على قدر نصبك" إخبار خاص في فص لا يلزم عمومه. سيما وما خير في أمرين إلا اختار أيسرهما مع قوله: "إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا".

وكذا جاء:"خير دينكم أيسره" إلى غير ذلك، والله أعلم.

قاعدة 95

التشديد في العبادة منهي عنه، كالتراخي عنها. والتوسط: أخذ بالطرفين، فهو أحسن الأمور كما جاء: "خير الأمور أوسطها".

{والذين إذا أنفقوا لم يسؤفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}. {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}. 

قال عليه السلام: "أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر". وكان يقوم من الليل نصفه، وثلثه، وثلثيه، وهو الوسط باعتبار من يأتي على كله، أو لا يقوم منه إلا اليسير. وكذلك رد عبد الله بن عمر للوسط بصيام نصف الدهر وقيام نصف الليل، وختم القرآن في سبع إلى غير ذلك، فلزم التوسط في كل مكتسب، لأنه أرفق بالنفس وابقى للعبادة".

قاعدة 96

تحديد ما لم يرد في الشرع تحديده، ولا أشارت النصوص الشرعية بأمر لا يمكن تركه ما حدد منه، ابتداع في الدين، ولا سيما إن عارض أصلا شرعيا كصيام يومه لفوات ورد ليلته الذي لم يجعل له الشارع كفارة إلا الإتيان به، قبل صلاة الصبح، أو زوال اليوم. وكذا قراءة الفاتحة قبل الصلاة، وتوقيت ورد الصلاة ونحوها، مما لم يرد من الشارع نص فيه، لا ما ورد فيه نص أو أشار إليه، كصلاة الرواتب، وأذكار ما بعد الصلاة، وقراءة القرآن، وصيام النقل، ونحوه مما يكره ترك معتاده ويمنع الاعتداد فيه فافهم.

قاعدة 97

استخراج الشيء من محله بإدخال الضد عليه أبدا، فإن تعدد تعدد، وإن اتحد اتحد، حسب سنة الله، لا لزوما في النظر، وإن اقتضاه العقل. فلهذا أمروا المريد في ابتداءه بتعدد الأوراد وإكثارها، نفيا لما في نفسه من آثارها، وعند توسطه بإفراد الورد لإفراد الهم وإفراد الحقيقة. وكل هذا بعد حفظ الورد الشرعي، ذكرا أو غيره حسبما ورد عموما والله أعلم.

قاعدة 98

ما ركب في الطباع معين للنفس على ما تريد حسب قواها. فلذا قيل: إذا علم الصغير ما تميل إليه نفسه من المباحات، خرج إماما فيها. وإذا انتحل المريد ما ترجحه حقيقته من الأذكار والأوراد، كان معينا على مقصده بدوامه. فإنه ما قصر جسد عن مهمته ويعين الله العبد على قدر نيته.

ما دخل بانبساط كان أدعى للدوام. وقد أشار لهذه الجملة في تاج العروس، وتكلم عليها الشيخ ابن أبي جمرة في حديث حذيفة إذ قال "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير". والله أعلم. 

قاعدة 99

طلب الشيء بوجه واحد مع الإلحاح أقرب لنواله، وأدعى لدوام سببه المطلوب في نفسه لإفراد الحقيقة له، فلزم التزام ورده لا تنتقل عنه حتى تحصل نتائجه، وإلا فالمنتقل قبل الفتح كحافر بئر لا يدم على محل واحد، كالمقطر قطرة، على كل محل يريد تأثير المحل بالنظر أثرا يظهر لعمله مع ذلك أثر. قيل: والدوام في الشيء زيادة فيه باعتبار العمر، لا باعتبار العدد ومن استوى يومه هو الذي لم يعمل فيهما شيئا ومن احتوى أمسه على خلاف يومه فهو المحروم فإنه ليس عنده إلا عمل أمسه والله أعلم.

قاعدة 100

دوام الشيء بدوام ما رتب عليه، وثوابه على قدر نيته، ورتبته على قدر التقرب به. والله تعالى دائم الربوبية فأحكام عبوديته دائمة على خلقه لا ترتفع عنهم وأجل العباد عنده من عبده، لأنه أهل للعبادة، مع رجائه والخوف منه أو الهيبة أو الحياء ونحوه فافهم والله سبحانه أعلم.

 

    ►  السابق 1 2 3 4 5 6 7 8

التالي ◄ 

 
   

الرئيسية من نحن النشرة الإخبارية اتصل بنا سجل الزوار
مؤسس دار الإيمان - التقارب بين المدارس الإسلامية - أحداث هامة - التصوف الصحيح - الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
 
مثابة دار الإيمان لرعاية الأيتام - جمعية دار الإيمان الخيرية - المكتبة - مقالات وأبحاث - أرشيف الصور
- مختارات مفيدة

سؤال وجواب تصويت منتدى دار الإيمان
مواقع ننصح بزيارتها إبحث في الموقع

إتفاقية استخدام الموقع © 2005 دار الإيمان
Powered by
FTNCS