قاعدة 51
وقوع
الموهم والمبهم، والمشكل في النصوص الشرعية ميزان العقول والأذهان
والعقود: {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل
الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون}،
الأنفال. وتظهر مراتب الإيمان لأهلها: {هو
الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات،
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء
تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به
كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب}، آل عمران.
ولا
يقبل وضعه من غير الشارع البتة، إلا أن يكون بيّن المعنى واضح المبنى،
في عرف التخاطب له لشبهة في أصول النصوص كمسألة الاستواء الذي هو في
رسالة ابن أبي زيد فاختلف فيه الأصوليون، ثم هو بعد وقوعه بهذا الوجه
هم مختلفون في قبوله وتأويله، أو حمل مذهب صاحبه على ظاهره.
وهذا
كله إن كان إماماً معتبراً في فنه صوفياً كان أو فقيهاً لا غيره فيرد
عليه مطلقاً، كما لا أصل له ولا شبهة، فيرد على الجميع بلا خلاف، والله
سبحانه أعلم.
قاعدة 52
الكلام
في المحتمل بما يقتضيه من الوجوه السائغة فيه لا يقر على أصل التفويض
بالنقض، إذا لم يعتقد أنه عين المراد به، فأما مع إيهام احتماله فلا
يضر، لأنه الأصل الذي يبنى عليه، بعد نفي المحال فليس بناقض له، وإن
كان مناقضاً فمن ثم تكلم القوم في التأويل بعد عقد التفويض، وإلا فلا
يصح بعد اجتماعهم عليه. نعم التحقيق أن لا تفويض في الأصل، وإنما هو في
تعيين المحمل للزوم طرح المحال والله أعلم.
قاعدة 53
أحكام الصفات الربانية لا تتبدل، وآثارها لا
تنتقل، فمن ثم قال الحاتمي رحمه الله: (يعتقد في أهل البيت أن
الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم، لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه، بل
بسابق عناية من الله لهم. إذ قال تعالى: {وقرن
في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة
وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجز أهل البيت ويطهركم
تطهيراً}،
الأحزاب. فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن
ينتقص، ولا أن يشنأ عرض من شهد الله تعالى بتطهيره وذهاب الرجز عنه.
والعقوق لا يخرج عن النسب، ما لم يذهب أصل النسبة وهو
الإيمان، ومال تعين عليهم من الحقوق فأيدينا فيهم نائبة عن الشريعة وما
نحن في ذلك إلا كالعبد، يؤدب ابن سيده بإذنه، فيقوم بأمر السيد، ولا
يهمل فضل الولد. وقد قال تعالى: {ذلك
الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه
أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله
غفور رحيم}،
الشورى. قال ابن عباس: أي إلا أن تودّوا قرابتي.
وما نزل بنا من قبلهم من الظلم ننزله منزلة القضاء الذي
لا سبب له، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبني ما
يريبها).
وللجزء من الحرمة ما للكل، وقد قال تعالى: {وأما
الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما
صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما
فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً}،
الكهف. فأثنى بصلاح الأب، فما ظنك بنبوته.
إذا كان هذا في أولاد الصالحين، فما ظنك بأولاد
الأولياء، وإذا كان هذا في أولاد الأولياء، فما ظنك بأولاد الأنبياء،
وإذا كان هذا في أولاد الأنبياء، فما ظنك بأولاد المرسلين، بل قل لي:
بماذا تعبر عن أولاد سيد المرسلين، فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر
قدره غير من خصصهم به فافهم.
ولما ذكرت أول هذه الجملة لشيخنا أبي عبد الله القوري
رحمه الله، قال: (هذا في حقنا، وأما في حقهم، فليس الذنب في القرب
كالذنب في البعد، وتلا: {يا
نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك
على الله يسيراً}،
الأحزاب. فمظهر التغليط، بتعجيل النوائب المكفرة في هذه الدار، كما
ذكره ابن أبي جمرة في شأن أهل بدر، عند كلامه على مسطح في حديث الإفك.
ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس، عم النبي صلى الله
عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة ابنة محمد، لا أغني
عنك من الله شيئاً، اشتروا أنفسكم من الله).
قلت: وهذا كنهي البار عن العقوق، والبريء عن التهم،
ليكون أثبت في الحجة على الغير، والله أعلم.
قاعدة 54
إثبات الحكم بالذات،
ليس كإثباته بعوارض الصفات.
فقوله صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا أهل البيت)، لاتصافه بجوامع
النسب الدينية حتى لو كان الإيمان بالثريا لأدركه.
وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: (الأقربون أولى
بالمعروف) إنه يعني إلى الله، إذ لا يتوارث أهل ملتين. فالمعتبر أصل
النسب الديني وفروعه مجرداً، ثم إن اتصاف للطيني كان له مؤكداً، فلا
تلحق رتبة صاحبه بحال.
وقد أجيب عن قول الشيخ أبي محمد عبد القادر رحمه الله
تعالى: (قدمي هذا على رقبة كل ولي) في زمانه. لأنه جمع من علو النسب،
شرف العبادة والعلم، ما لم يكن لغيره من أهل وقته. ألا ترى ما روي من
احتلامه في ليلة واحدة سبعين مرة، واغتساله لكلها، وفتياه لملك حلف:
ليعبدن الله بعبادة لا يشركه فيها غيره، بإخلاء المطاف بعد وقوف الكل
دونه في ذلك، والله أعلم.
قاعدة 55
إنما وضعت التراجم
لتعريف المناصب، فمن عرفت رتبته كانت الترجمة له تكلفاً، غير مفيدة في
ذاته. ومن جهلت رتبته لزم عند ذكره الإتيان بما يشعر برتبته،
ومن هذه القاعدة جاز أن يقال: (روى أبو بكر، وقال عمر، وعمل عثمان،
وسمع علي، وكان ابن المسيب، وأخبر ابن سيرين، وقال الحسن، وذهب مالك،
وحُكِيَ عن الجنيد) إلى غير ذلك، والله أعلم.
قاعدة 56
نظرُ
الصوفي للمعاملات، أخص من نظر الفقيه، إذ الفقيه يعتبر ما يسقط به
الحرج، والصوفي ينظر فيما يحصل به الكمال. وأخص أيضاً من نظر الأصولي،
لأن الأصولي يعتبر ما يصح به المعتقد، والصوفي ينظر فيما يتقوى به
اليقين. وأخص أيضاً من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث، لأن كلاً منهما
يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا،
وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتناه، وإلا فهو باطني خارج
الشريعة، فضلاً عن المتصوفة، والله سبحانه أعلم.
قاعدة 57
تنوع الفرع بتنوع أصله، وقد تقدم أن أصل التصوف في مقام
الإحسان، وهو متنوع إلى نوعين:
أحدهما:
بدل من الآخر، هما أن تعبد الله كأنك تراه، وإلا فإنه يراك. فالأول
رتبة العارف،
والثاني:
رتبة من دونه. وعلى الأول يحوم الشاذلية ومن نحا نحوهم، وعن الثاني
يحوم الغزالي، ومن نحا نحوه.
والأول أقرب، لأن غرس شجرتها مشير لقصد ثمرتها ومبناها
على الأصول التي قد تحصل لكل مؤمن وجودها. فالطباع مساعدة عليها،
والشريعة قائمة فيها، إذ مطلوبها تقوية اليقين وتحقيقه بأعمال المتقين،
فافهم.
قاعدة 58
في اختلاف المسالك راحة
للسالك، وإعانة على ما أراد من بلوغ الأرب والتوصل بالمراد.
فلذلك اختلف طرق القوم ووجوه سلوكهم، فمن ناسك يوثر الفضائل بكل حال،
ومن عابد يتمسك بصحيح الأعمال، ومن زاهد يفر من الخلائق، ومن عارف
يتعلق بالحقائق، ومن ورع يحقق المقام بالاحتياط ، ومن متمسك يتعلق
بالقوم في كل مناط، ومن مريد يقوم بمعاملة البساط، والكل في دائرة الحق
بإقامة حق الشريعة والفرار من كل ذميمة وشنيعة.
قاعدة 59
اتباع الأحسن أبداً، محبوب طبعاً، مطلوب شرعاً {الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا
الألباب}.
إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها. (إن
الله جميل يحب الجمال).
ولذا بُني التصوف على
اتباع الأحسن،
حتى قال ابن العريف رحمه الله تعالى: (السرّ الأعظم في طريق الإرادة.
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
والاستحسان يختلف باختلاف نظر المستحسن، والله سبحانه
أعلم.
قاعدة 60
تعدد وجوه الحسن، يقضي
بتعدد الاستحسان
[وحصول الحسن لكل مستحسن]، فمن ثم كان لكل فريق طريق: فللعامي تصوف
حوته كتب المحاسبي، ومن نحا نحوه، وللفقيه تصوف رحاه ابن الحاج في
مدخله، وللمحدث تصوف حام حوله ابن العربي في سراجه، وللعابد تصوف دار
عليه الغزالي في منهاجه، وللمتريض تصوف نبه عليه القشيري في رسالته،
وللناسك تصوف حواه القوت والإحياء، وللحكيم تصوف أدخله الحاتمي في
كتبه، وللمنطقي تصوف نحا إليه ابن سبعين في تآليفه، وللطبائعي تصوف جاء
به البوني في أسراره. وللأصولي تصوف قام الشاذلي بتحقيقه، فليعتبر كل
بأصله من محله، وبالله التوفيق.
قاعدة 61
لا حظ للعامي فيما سوى الحذر والإشفاق، والأخذ بأيسر
المسالك وأبينها لديه، وذلك بالتزام التقوى في البداية قبل وقوع الذنب
والاستدراك بالتوبة لما وقع منه بعد تدقيق النظر في ذلك دون ما سواه.
وقد اعتنى بذلك المحاسبي وحرره أتم تحرير، إلا أنه شدد غاية التشديد،
وذلك في البداية وتعين المقصد به عند النهاية، سيما رعايته ونصائحه.
فقد قال أوحد زمانه علماً وعبادة وأفضلهم ورعاً وزهادة، سيدي أحمد بن
عاشر رضي الله عنه: (لا يعمل بما فيه [إلا ولي]، أو كلاماً هذا معناه،
كذا نقله سيدي أبو عبد الله بن عباد [في تنبيهه] رضي الله عن جميعهم
بمنه.
قاعدة 62
إنما يؤخذ علم كل شيء
من أربابه، فلا يعتمد صوفي في الفقه، إلا أن يعرف قيامه عليه، ولا فقيه
في التصوف، إلا أن يعرف تحقيقه له، ولا محدث فيهما، إلا أن يعلم قيامه
بهما.
فلزم طلب الفقه من قبل الفقهاء لمريد التصوف. وإنما يرجع لأهل الطريقة،
فيما يختص بصلاح باطنه من ذلك، ومن غيره. ولذلك كان الشيخ أبو محمد
المرجاني رضي الله عنه، يأمر أصحابه بالرجوع للفقهاء في مسائل الفقه،
وإن كان عارفاً بها، فافهم.
قاعدة 63
يعتبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من
اللفظ. فكل طالب اعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فإنه تحصيل المعاني، وكل
طالب أهمل اللفظ كان المعنى بعيداً عنه. ومن اقتصر على فهم ما يؤديه
اللفظ من غير تعمق ولا تتبع كان أقرب لإفادته واستفادته، فإن أضاف لفهم
المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصوله اهتدى للتحقيق إذ العلوم
إن لم تكن منك ومنها، كنت بعيداً عنها. فمنك بلا منها فساد وضلال،
ومنها بلا منك مجازفة وتقليد، ومنها ومنك توقف وتحقيق، ولذا قيل: (قف
حيث وقفوا ثم سر)، والله أعلم.
قاعدة 64
غاية اتباع التقوى التمسك بالورع، وهو ترك ما لا
بأس به، مما يحيك في الصدر، حذراً مما به بأس، كما صح: (لا يبلغ
الرجل درجة المتقين حتى يدع ما حاك في الصدر). وشك بلا علامة وسوسة،
وورع بلا سنة بدعة. ومنه التورع عن اليمين في الحق بالحق من غير إكثار.
فلا يصح قول من قال: (من الديانة ألا تحلف بالله صادقاً ولا كاذباً).
لما استفاض من آثار السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بل [قد]
قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يحلف به، فاحلفوا بالله وبروا
وأصدقوا).
ونهى
الله تعالى عن أن يجعل عرضة للأيمان، فليتق وقوعه غاية، ولا يجتنب
بالكلية، والله أعلم.
قاعدة 65
من كمال التقوى وجود الاستقامة، وهي حمل النفس
على أخلاق القرآن والسنة، كقوله تعالى: {خذ
العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}،
{وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض
هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}،
وقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن
السيئة نحن اعلم بما يصفون}،
إلى غير ذلك. ولا يتم أمرها إلا بشيخ ناصح، أو أخ صالح يدل العبد على
اللائق به لصالح حاله، إذ رُبّ شيخ ضره ما انتفع به غيره، ويدل على ذلك
اختلاف أحوال الصحابة في أعمالهم ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم
لهم ومعاملته معهم. فنهى عبد الله بن عمر عن سرد الصوم، وأقر عليه حمزة
بن عمر الأسلمي. وقال في ابن عمر: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من
الليل)، وأوصى أبا هريرة بأن لا ينام إلا على وتر، وأمر أبا بكر برفع
صوته في صلاته، وعمر بالإخفاء، وتفقد علياً وفاطمة لصلاتهما من الليل،
وعائشة تعترض بين يديه اعتراض الجنازة فلم يوقظها، وأعلم معاذ بن جبل
بأن من قال: (لا إله إلا الله وجبت له الجنة)، وأمر بإخفاء ذلك عن كل
الناس. وخص حذيفة بالسرّ، وأسرّ لبعض الصحابة أذكاراً مع ترغيبه في
الخير عموماً.
وهذه كلها تربية منه صلى الله عليه وسلم في مقام
الاستقامة، والله أعلم.
قاعدة 66
أخذ
العلم والعمل عن المشايخ أتم من أخذ دونهم، بل هو آيات بينات في صدور
الذين أوتوا العلم، واتبع سبيل من أناب إليّ.
فلزمت المشيخة، سيما
والصحابة أخذوا عنه صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ عن جبريل، واتبع
إشارته في أن يكون: نبياً عبداً،
[لا نبياً ملكاً]. وأخذ التابعون عن الصحابة، فكان لكل أتباع يختصون به
كابن سيرين، وابن المسيب، والأعرج في أبي هريرة، وطاووس، ووهب، ومجاهد
لابن عباس إلى غير ذلك. فأما العلم والعمل، فأخذه جلي فيما ذكروا، وكما
ذكروا. وأما الإفادة بالهمة والحال فقد أشار إليها أنس بقوله: (ما
نفضنا التراب عن أيدينا من دفنه عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا
قلوبنا)، فأبان أن رؤية شخصه الكريم، كان نافعاً لهم في قلوبهم،
والعلماء ورثة الأنبياء حالاً ومالاً وإن لم يدانوا المنزلة وهو الأصل
في طلب القرب من أهل الله في الجملة. إذ من تحقق بحالة لم يخل حاضروه
منها، فلذلك أمر بصحبة الصالحين، ونهى عن صحبة الفاسقين، فافهم.
قاعدة 67
ضبط
النفس بأصل، يرجع إليه في العلم والعمل [لأنه] لازم لمنع التشعب
والتشعث، فلزم الاقتداء بشيخ، قد تحقق أتباعه للسنة، تمكنه من المعرفة
ليرجع إليه فيما يريد أو يراد، مع التقاط الفوائد الراجعة لأصله من
خارج، إذ الحكمة ضالة المؤمن، وهو كالنحلة ترعى من كل طيب ثم لا تبيت
في غير جبحها، وإلا لم ينتفع بعسلها.
وقد
تشاجر فقراء الأندلس من المتأخرين، في الاكتفاء بالكتب عن المشايخ ثم
كتبوا للبلاد، فكل أجاب على حسب فتحه. وجملة الأجوبة دائرة على ثلاث:
أولها:
النظر
للمشايخ،
فشيخ
التعليم
تكفي عنه الكتب للبيت حاذق الذي يعرف موارد العلم.
وشيخ التربية
تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح.
وشيخ الترقية
يكفي عنه اللقاء والتبرك. كل ذلك من وجه واحد أتم.
الثاني:
النظر
لحال الطالب، فالبليد لا بد له من شيخ يربيه، واللبيب تكفي الكتب في
ترقيه، لكنه لا يسلم من رعونة نفسه، وإن وصل لابتلاء العبد برؤية نفسه.
الثالث:
النظر
للمجاهدات.
فالتقوى
لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها.
والاستقامة تحتاج إلى شيخ في تمييز الأصلح منها، وقد يكتفي دونه اللبيب
بالكتب ومجاهدة الكشف، والترقية لا بد فيها من شيخ يرجع إليه في
فتوحها، كرجوعه عليه السلام للعرض على ورقة [بن نوفل] لعلمه بأخبار
النبوة ومبادئ ظهورها، حين فاجأه الحق. وهذه الطريقة قريبة من الأولى
والسنة معهما، والله أعلم.
قاعدة 68
الفقيه
يعتبر الحكم بأصله ومعناه، وقاعدة بابه، إلا لنص في عينه، بنفي أو
ثبوت. فهو يأخذ بما قبلته القواعد وإن لم يصح
متنه، ما لم يكن له معارض، فمن ثم قبل ابن حبيب وغيره من الأئمة
ما له أصل من الدين في الجملة، ولا معارض له ولا ناقض، كسائر الفضائل
من المندوبة والرغائب التي ليس فيها زيادة كيفية، ولا معارضة أصل، ولا
إشعار بالابتداع كصوم الأيام السبعة، والقراءة عند رأس الميت، سورة
(يس) وتفاضل الجماعات بالكثرة ونحو ذلك مما رغب في أصله في الجملة وضعف
الترغيب في عينه ونحوه لابن عربي في الأذكار، والله أعلم.
قاعدة 69
المحدث يعتبر الحكم بنصه ومفهومه إن صح نقله.
فهو يقف عند ما انتهى إليه صحيحاً أو حسناً، أو ضعيفاً إن تساهل لا
موضوعاً، وإن اقتضته القواعد. بل قال الشيخ البلالي رحمه الله:
(تحرم رواية الموضوع مع العلم به إلا مبيناًَ، والعمل به مطلقاً). ومنه
صلاة الرغائب، والأسبوع، وما يروى عن ابي بن كعب في فضائل السور، سورة
سورة. وأخطاء من ذكره من المفسرين، وبالمنع في صلاة الرغائب أفتى
النووي، وابن عبد السلام وغيرهما من الشافعية، والطرطوشي من أهل مذهب
مالك، وصرح به ابن العربي، وهو مقتضى المذهب على ما قاله ابن الحاج
وغيره، والله أعلم.
قاعدة 70
الرياضة تمرين النفس لإثبات حسن الأخلاق، ودفع
سيئها وبهذا الوجه اختصاص عمل التصوف. وأخذه من كتب السّلمي
أقرب لتحريره وتحقيقه وتحصيله لدومة تقدير تأصيله، والإيماء لتفصيله.
بخلاف رسالة القشيري، فإن ذلك منها متعذر، لأن مدارها على الحكايات،
وما خف من الأحكام من غير تأصيل. وكل منهما متعذر السلوك، تحقيقاً
لثلاثة أوجه:
أحدها: عدم الانضباط لها، لتلفت النفس
وعدم انضباطها لفقد تحقيق الأصل.
الثاني: أنه يحتاج في سلوك المميز، من أخ
بصير صالح، أو شيخ محقق ناصح، يبصر بالعيوب، وينبه على موارد الغلط
واللبس.
الثالث: إن وقعت السلامة فيها، فالسلامة
من الدعوة معها متعذر لنظر صاحبها لنفسه فيما دفع أو جلب، وهو أمر لا
يمكن دفعه إلا بشيخ، فلذلك اشترط أهلها وجوده فيها، والله سبحانه
أعلم.
قاعدة 71
النسك: الأخذ بكل ممكن من الفضائل، من
غير مراعاة لغير ذلك. فإن رام التحقيق في ذلك فهو
العابد. وإن مال الأخذ بالأحوط فهو
الورع. وإن آثر جانب الترك طلباً للسلامة
فهو الزاهد. وإن أرسل نفسه مع مراد الحق
فهو العارف، وإن أخذ بالتخلق والتعلق فهو المريد.
وكل هذه
قد توجه الكلام عليها في القوت، والأحياء. فباعتبار الأول اعتمد نقل
الفضائل جملة وتفصيلاً بأي وجه أمكن، وكيف أمكن ما لم تعارض سنة، أو
تنقض قاعدة، أو تقم بدعة، أو تدفع أصلاً، أو ترفع حكماً، حتى قالا
بكثير من الموضوعات والأحاديث الباطل إسنادها، كصلاة الرغائب والأسبوع
وأدعية وأذكار لا أصل لها، كأذكار الأعضاء في الوضوء ونحوه. وباعتبار
الكل رغبوا ورهبوا بنحو ذلك، ولهم فيه أدلة معلومة، والله سبحانه أعلم.
قاعدة 72
الحكيم ينظرفي الوجود من حيث حقائقه، ويتطلب
حقائقه من حيث انتهى إليه فهو قائم بالتتبع. وذلك مخل بالاتباع
إلا في حق ذي فطرة سليمة، وأحوال مستقيمة، وفكرة قويمة، فيتعذر السلوك
عليه لعوام الخلق.
المنطقي
يشير لأصله، إذ يروم تحقيق المعقولات، فيحجب بالمقولات تفريطاً أو
إفراطاً، فليجتنب كلاً منهما لبعد أصله في العموم، ولا ينظر
كلامه إلا لتحقيق ما عند غيره بإرجاع ما يؤخذ منه لغيره، لا الغير
إليه، وإلا فلا سلامة، نسأل العافية.
قاعدة 73
اعتبار
الطبيعي ما في النفوس أصلاً، وإدخال ما يقتضي تقويتها من الخواص فرعاً
يحتاج لغوص عظيم وبصيرة نافذة وعلم جم، إذ منها ما يخص ويعم، ومنها ما
هو أخص من الأخص، فلا بد من شيخ كامل في هذه. ومن ثم قيل: باين البوني
وأشكاله، ووافق خير النساخ وأمثاله، وما ذاك إلا لما فيها من الخطر،
والله سبحانه أعلم.
قاعدة 74
مدار
الأصولي على تحلية الإيمان بالإيقان وتحقيق اليقين، حتى يكون في معد
العيان، بأن ينشأ عن تحققه، تمكن الحقيقة من نفسه، حتى يقدم ويحجم لما
قام به من الحقيقة من غير توقف ولا تكلف، ويكون سلوكه فيما يحقق لما
تحقق وبذلك ينشرح صدره أولاً وآخراً فيصل في أقرب مدة، إذ من سار إلى
الله من حيث طبعه، كان الوصول أقرب إليه من طبعه، ومن سار إلى الله
بالبعد من طبعه كان وصوله على قدر بعده عن طبعه.
ومن هذا
الوجه قال في التاج: (لا تأخذ من الأذكار إلا ما تعينك القوى النفسانية
عليه بحبه). وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (الشيخ من دلك على
راحتك لا على تعبك).
وقال
الشيخ أبو محمد عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لما سأله الشيخ أبو
الحسن عن قوله صلى الله عليه وسلم: (يسّروا ولا تعسّروا ) يعني: (دلوهم
على الله،ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك
على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك). انتهى
قاعدة 75
أقرب
الطرق للجادة وأبعدها من الدعوى، وأيسرها للسلوك، وأمسها بالسنة طريق
الشاذلية، إذ لا ترتيب فيها ولا تركيب، وإنما هي التحقيق باتباع السنة
وشهود المنة، والتحقق في صحبة المشايخ بصدق الهمّة، فعليكم بها فإنها
طريق الحق بلا غلط ومسلك، التحقيق بلا مغالطة، وتعين عليها الطباع
لوجود أصلها عندها وهي العبودية التي لا تعب فيها، والله سبحانه أعلم.