مقدمة
الحمد لله رب العالمين , المتفضل على خواص عباده بأن آتاهم تقواهم
فأحكموه , والعلم اللدنّي فعملوا به , وترسخ قدمهم فيه فحفظوه ,
وأحيا قلوبهم به فاشتغلت على الدوام بذكره سبحانه , وألقوا السمع
والمشاهدة واستنبطوا منه عجائب العلوم والأسرار , وذلك فهماً منهم
واتباعاً لقوله سبحانه وتعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن
كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} والصلاة
والسلام على سيدنا رسول الله القائل:(إنّ من العلم كهيئة المكنون
لا يعلمه إلا العلماء بالله , فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل
الغرّة بالله) . صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته
الأبرار الأخيار المتقين والعلماء العاملين والصالحين المصلحين ومن
تبعهم بإحسان الى يوم الدين , وجعلنا منهم وحشرنا معهم تحت لواء
سيد المرسلين عليه من الله أعظم صلاة وأكرم تسليم, وبعد.
فقد شاع في العلوم والفنون المختلفة استخدام مصطلحات تفيد في
الدلالة على معاني تشتمل عليها تلك العلوم والفنون, وإنّ من شأن
فهم تلك المصطلحات وما تعنيه من دلالاتها الدقيقة والواضحة،
المساعدة على المعرفة الصحيحة للعلوم والفنون وإستغلالها وتطويرها
وتجنيبها المنازعات العقيمة , ولمّا كان التصوف سلوكاً له إطاره
النظري والتجريبي فإن دراسة مصطلحه تفيد في التعرّف عليه, وقد
انتبه كثيرون الى هذا الأمر المهم وكتبوا فيه, وكان من أوائل الذين
إشتغلوا في التأليف في هذا الباب خاصة, وفي التصوّف الاسلامي عامة
الإمام أبو نصر السراج الطوسي رضي الله عنه (المتوفى سنة 378
هـ/988م)
في كتابه"اللمع في التصوّف", و الإمام أبو بكر محمد
البخاري الكلاباذي (المتوفى سنة 380هـ / 990م)
في كتابه"التعرّف
لمذهب أهل التصوّف", والإمام أبو القاسم القشيري (376 – 465 هـ)
في
كتابه المعروف"بالرسالة القشيرية في علم التصوّف", وأبو الحسن
الهُجويري (المتوفى سنة 465 هـ)
في كتابه "كشف المحجوب", وتبعهم
بعد ذلك طائفة من الأئمة والأعلام منهم الإمام أبو حـامد الغـزالي
(450هـ/ 1059م – 505 هـ / 1111م)
في كتابه المشهور"إحياء علوم
الدين"وأبو نجيب السهـروردي (490 هـ / 1097م – 563 هـ / 1168م)
في
كتابه"عوارف المعارف", والشيخ الأكبر أبو بكر محي الدين ابن عربي
(560 هـ /1165م – 638 هـ/ 1240م)
في كتابه "إصطلاح الصوفية", وأبو
الغنايم الكاشي السمرقندي (المتوفى سنة 735هـ)
في كتابه"إصطلاحات
الصوفيّة", وأبو الحسن الشهير بالسيّد الشريف الجرجاني (740 هـ /
1339م – 816 هـ / 1413م)
في كتابه المشهور"بالتعريفات", والشيخ عبد
الكريم الجيلي (767 هـ / 1365 م – 832 هـ / 1428م)
في
كتابه"الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل", وامتدت السلسلة
لتضم طائفة أخرى من الأعلام المبكّرين منهم الشيخ ابن غانم المقدسي
(المتوفى سنة 978 هـ)
في كتابه"رسالة في اصطلاحات الصوفيّة",
والقاضي أبو البقاء الكفوي (1028هـ – 1094هـ/ 1684م)
في كتابه
المعروف "بالكليّات", والشيخ محمد أعلى التهانوي من أهل القرن
الثاني العشر الهجري في كتابه"كشاف اصطلاحات الفنون", والشيخ أحمد
النقشبندي الكمشخانوي (1227هـ / 1812 م – 1311 هـ / 1893 م)
في
كتابه"جامع الأصول في الأولياء".
وقد استمد من جاء بعد هؤلاء الأعلام من مصنفين في مجال الإصطلاحات
الصوفيّة معاني المصطلحات مما ذكره هؤلاء الأعلام نقلاً وإستنباطاً
, فضلاً عن أن بعض هؤلاء الأعلام كان يستند بعضهم إلى بعض ويقتبس
بعضهم من بعض في شرح معاني المصطلحات, وهذا النهج هو الذي جرى
اتباعه في هذه الرسالة , حيث تم حصر الإختيار في المؤلفات سالفة
الذكر ونزرٍ يسير من غيرها كما هو مبين في قائمة المراجع المرفقة,
وجرى انتقاء معاني المصطلحات منها بإيجاز ودقة ووضوح, مع مراعاة ما
تم انتقاؤه من المعاني الواردة في المراجع المختلفة وتقديم المعنى
الغالب منها على غيره, وتجنب الغامض والغريب منها في معناه وألفاظه
, كما جرى إستثناء المتناقض منها في معانيه – وهو قليل – وتمت
الإستعانة بشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال الصحابة
والتابعين الكرام والأئمة الأعلام ورجال الصوفية المشهورين, وأبيات
شعرية من الأدب الصوفي, وذلك لمزيد في بيان معاني بعض المصطلحات ,
وجرى تذييل المصطلحات بما ورد منها في أوراد وأذكار ورسائل وقصائد
وعبارات شيوخ أهل الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية , وذلك
ترسيخاً للمعنى المقصود في إفهام السالكين واستقراره في نفوسهم,
وقد روعي في هذه الرسالة اجتناب التطويل والإستطراد, وعدم الترداد
والإعادة منعاً للخروج عن المنهجيّة والقصد, غير ان بعض المصطلحات
اقتضى الأمر تفصيلها لما قد يتركه إيجاز شرحها من ايهام في العقول
تتطلب ازالته التفصيل.
ولمزيد من تقريب الفهم الى الأذهان, تم ادراج المعنى اللغوي
المتعلق بمفهوم كل مصطلح في بداية الكتابة عنه, لما من شأن ذلك
الربط بين فقه اللغة, وفقه الشريعة والطريقة والحقيقة في المصطلحات
الصوفيّة المختلفة.
وختاماً, نتقدم بالشكر الى شيخنا السيّد الحسيب النسيب أبي محمد
سيدي حسني بن الشيخ حسن بن الشيخ خير الدين بن الشيخ عبد الرحمن
الشريف الحسيني الخلوتي الحنفي الخليلي شيخ الطريقة الخلوتية
الجامعة الرحمانية , والذي لولا علمه وتوجيهاته وتأييده ودعائه
وبركته لم نتمكن من إخراج هذه الرسالة في المصطلحات الصوفيّة ,
لتكون استمراراً للدراسات اللاحقة في هذا الباب وغيره من علوم
الصوفيّة وآدابهم إن شاء الله تعالى.
نسأله سبحانه أن يجعل هذا الجهد المتواضع في التصنيف خالصاً لوجهه
الكريم, وأن يتقبله بقبول حسن, وأن ينفع به قارئيه ومستمعيه , وأن
يغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولمشايخنا ومشايخ مشايخنا,
ولأهلنا ولإخواننا ولمن له حق علينا ولسائر المسلمين أجمعين, وصلّ
اللهم على سيدنا محمد النبي الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
كثيراً الى يوم الدين, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المهندس : نبيل معين عساف