علاج النفس ومراتبها
سؤال:
كيف تعالج الطريقة النفس من آفاتها؟
جواب:
يقول الله تعالى
{وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ}
(18 فاطر).
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
(69 العنكبوت). وهذه الآية مكية نزلت قبل الإذن بجهاد الأعداء مما
يدل على أنها في جهاد النفس على الأخص. ويقول الله تعالى
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن
دَسَّاهَا}
(7-10 الشمس).
إن
معرفة النفس فرض عين لكل سالك في طريق الآخرة لأن من عرف نفسه عرف
ربه. وأعني بالنفس اللطيفة الربانية التي سميت فيما بعد بالروح،
حيث كانت قبل تعلقها بالجسد في جوار الحق تعالى، ولما وجد الجسد
تعلقت به ومالت إلى طبيعته الشهوانية، ووصفها الحق بأنها أمارة
بالسوء
ما لم تتزكى
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
(53 يوسف). فحالها بدون تزكية حال ظلمة وهبوط. وإذا تزكت فهي نفس
نورانية تحققت من مراتب النفس السبعة التي سنذكرها إنشاء الله.
وقد عُنيت طريقتنا الخلوتية الجامعة الرحمانية
بهذا الجانب وتميزت به، فهي تراعي في السالك التخلص من آفات النفس
المذمومة لتحيلها إلى أخلاق حميدة مشكورة. فعلى السالك أن يتنبه
لحقيقة نفسه ويسعى لتزكيتها على يد مرشد وارث متصل برسول الله صلى
الله عليه وسلم، قبل أن تأتي سكرة الموت بالحق.
وليعلم
السالك أن النفس تمرض كالجسد، فكما تذهب للطبيب لعلاج جسدك، وأخذ
الدواء اللازم له، كذلك النفس لابد لها من طبيب وهو الشيخ، ولابد
لها من دواء وهو الذكر الذي يصفه الشيخ.
ثم
ليُعلم أن للنفس سبع مراتب:
الأولى:
النفس الأمارة:
وهي
النفس الخالية من التزكية، المجردة من القيم الروحية، لأنها تميل
إلى رغبات الجسد وملذاته وشهواته المحسوسة، وتميل صاحبها إلى
الأسفل
{ثُمَّ
رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}
(5 التين). وهنا تبدأ مرحلة التزكية
{إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}
(6 التين).
وكل
الطبائع الذميمة الباطنة تسكن في هذه النفس، كالغل والحقد والنفاق
والشح والحسد والغضب.. الخ.
{وَمَا
أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ
مَا رَحِمَ رَبِّي}
(53 يوسف).
الثانية:
النفس اللوامة:
وهي
التي بدأت تدرك حقيقة المجاهدة فأخذت ببداياتها، ولقرب عهدها
بالنفس الأمارة تطيع الحق مرة وتعصيه أخرى ثم تندم. فإذا تنورت
فعلت الخير ولامت حالها لعدم استدامته، والإكثار منه. وإذا فعلت
الشر لامت صاحبها عند انتباهها لِمَ فعلته؟. قال تعالى
{لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ 1 وَلاَ أُقْسِمُ
بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}
(1-2 القيامة).
الثالثة:
النفس المطمئنة:
وقد ارتقى حالها وتنورت بنور الإيمان الذي وقر في
القلب بفعل الخير والندم على الشر، وبدأت تتخلص من الصفات الذميمة،
واطمأنت بحال الذكر والقرب من الله
{الَّذِينَ
ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}
(28
الرعد). وهي أولى مراتب الكمال، وعُد صاحبها من أهل الطريق، لأنه
أبصر الحق ودرج عليه. وتعلق بربه وتفانى في حبه. قال تعالى
{يَا أَيَّتُهَا
النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكَ رَاضِيَةً
مَّرْضِيَّةً}
(27-28 الفجر).
الرابعة:
النفس الملهمة:
وهي ثمرة العمل في النفس الثانية والثالثة فصارت
بفعل الطاعات ملهمة
{وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}
(282 البقرة). فمن التزم الشريعة وترجمها بالطريقة أي التطبيق،
لابد وأن يثمر ذلك الحقيقة، فهي كمن يخض اللبن ليأتي بالزبدة.
ويتميز
أصحاب هذه المرتبة بالصبر والتحمل والشكر والتواضع والقناعة والكرم
قال تعالى
{فَوَجَدَا
عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا
وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}
(65 الكهف). ومثال ذلك قصة سيدنا عمر بن الخطاب المشهورة مع سارية
بن حصن، حيث قال بعدها (وقع في خلدي) أي ألهمني ربي.
الخامسة: النفس الراضية:
وهي ثمرة المراتب الثلاثة السابقة. حيث رضيت عن
الله في مشيئته وأقـداره، وإذا سُئلت ماذا تشتهي قالت (ما يقضي
الله). قال تعالى
{وَرَضُوا عَنْهُ}
(8 البينة).
قال
شيخنا العارف بالله الشيخ عبد الرحمن الشريف في تحفته:
يانفس لا تبتغي اللذّات وارتدعي
وارضي بما قدر الرحمن واستقمي
والغالب
على هذه النفس التسليم المطلق
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا
مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
(65 النساء).
السادسة:
النفس المرضية:
وهي التي رضي الله عنها بسبب رضاها. وهي أولى مراتب
معرفة الله تعالى حق معرفته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيما يرويه عن ربه (إذا تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا
تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).
والغالب
على هذه النفس صفات الإخلاص والذكر والكرامة والطهارةُ من شوائب
الرياسة والسمعة والرياء. قال تعالى في آية جمعت النفس المطمئنة
والراضية والمرضية
{ياأيتها
النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكَ رَاضِيَةً
مَّرْضِيَّةً}
(27-28 الفجر). وقال أيضاً
{رَّضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}
(8 البينة).
السابعة: النفس الكاملة:
ولا نعني به الكمال المطلق الذي هو لله وحده، بل
الكمال الجزئي البشري حيث تصير الكمالات طبعاً أصيلاً في هذه النفس
وتترقى في هذا المقام. وغالباً ما يكون صاحبها مرشداً للناس.
وحالها من الله وإلى الله.
فاعلم
أيها السالك أن الترقي في هذه المقامات لا يكون إلا على يد مرب
مرشد كامل يعرف مقامات الطريق، وآفات النفس، ومداخل الشيطان، وينأى
بمريده عن دروب الشر والفساد، إلى دروب الخير والإحسان.
وأريد هنا التنبيه على أن السير في تخليص النفس من
آفاتها ورعوناتها لا يكون إلا بإتباع الشرع الشريف. لا كما تدعي
الفلاسفة والبوذيون والبراهمة والمعتزلة بأنها تكون بطريق العقل
والرياضات العقلية المجردة عن المنهج الإلهي الواضح فوقعوا في
الضلال.