أنواع التوسل
سؤال:
ما هي أنواع التوسل؟ وهل هناك خلاف حولها؟
جواب:
التوسل ستة أنواع، ثلاثة منها لا خلاف فيها بين المسلمين جميعاً:
النوع
الأول: التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم:
وهو
أساس التوسل بالصالح الحي إلى الله تعالى. ومن أدلته:
الحديث
الأول:
ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنـس بن مالك رضي الله عنه (أن
رجلا دخل المسجد يوم جمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه
وسلم قائما ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل،
فادع الله يغيثنا. قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم
قال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا. قال أنس: ولا والله ما
نرى في السماء من سحابٍ ولا قزعةٍ، وما بيننا وبين سَلْع من بيت
ولا دار، قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء
انتشرت ثم أمطرت، قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، قال: ثم دخل
رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه
وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال
وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يده ثم قال: اللهم حَوْلَنا ولا علينا اللهم على الآكام
والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، فانقطعت وخرجنا نمشي في
الشمس. قال شريك فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا
أدري). وفي الحديث دليل واضح على جواز التوسل بالحي الصالح، وإلا
لأُمر ذلك الرجل بالدعاء من بيته أو أي مكان آخر دون الرجوع إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثاني:
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير وابن ماجة في السنن ونص على صحته
النسائي وأبو نعيم والبيهقي والمنذري والهيثمي والطبراني وابن
خزيمة وهو ما رواه الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف (أن رجلاً أعمى
أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أُصبت ببصري، فادع الله لي،
فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني
أسألك وأتوجه إليك بحق نبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني استشفع
بك على ربي في رد بصري -وفي رواية "في حاجتي لتقضى لي اللهم شفعه
فيَّ" - ثم قال صلى الله عليه وسلم وان كانت حاجة فافعل مثل ذلك).
وهذا الحديث حجة قوية في صحة التوسل بالحي، ومفهومه حجة لصحة
التوسل بالميت. وسيأتي ذكره في مكان آخر.
وروى
أبو داود في سننه وغيره: (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه
وسلم: يا رسول الله هلك الزرع وجف الضرع وإنّا نستشفع بك إلى الله
تعالى ونستشفع بالله عليك. فسبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال: ويحك أتدري ما الله تعالى! إن الله
تعالى لا يُشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك). فيلاحظ
هنا إنكاره صلى الله عليه وسلم قول الرجل
(إنا نستشفع بالله تعالى عليك). ولم ينكر قوله (إنا
نستشفع بك إلى الله تعالى).
وفي الصحاح مجموعة عطرة من هذه الأحاديث، لا يتسع
لها المجال هنا في إثبات صحة التوسل بالحي الصالح.
النوع
الثاني: التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته:
وهو
التوسل إلى الله بذاته تعالى وبأسمائه وصفاته ونحوها. وهذه الأنواع
متفق على مشروعيتها.
قال تعالى:
{وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}
(186 البقرة).
وقال تعالى:
{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
(180 الأعراف).
وقال تعالى:
{وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
(60 غافر).
والأدلة على هذا النوع أكثر من أن تحصى.
النوع
الثالث:
التوسل بالعمل الصالح:
وهو
توسل الحي بالعمل الصالح إلى الله تعالى.
أخرج البخاري في صحيحه ومسلم في كتاب الذكر عن أبي
عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان
قبلكم حتى آووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل،
فسدت عليهم الغار، فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن
تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم، اللهم كان لي أبوان
شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي في طلب
شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غُبوقهما، فوجدتهما
نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت
والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا، فشربا
غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه
من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال النبي صلى
الله عليه وسلم: وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي بنت عم، كانت أحب
الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمّت بها سنة من
السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين
نفسها، ففعلتْ، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أُحِلَ لك أن تفض
الخاتم إلا بحقه، وفي رواية: أسألك بالله أن لا تفض الخاتم إلا
بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إلي
وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك
فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون
الخروج منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم
إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب،
فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال يا عبد
الله: أدِّ إليّ أجري. فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر
والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت: إني لا
استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا. اللهم فإن كنت
فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة،
فخرجوا يمشون).
وروى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى
الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة قوله: (اللهم إني أسألك
بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً
ولا رياءً ولا سمعةً، ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن
تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة). وهذا الحديث أيضا توسل بالعمل
الصالح والرجل الصالح "بحق السائلين عليك" "وبحق ممشاي هذا".
النوع الرابع: التوسل بالميت الصالح:
وهو الأمر الذي اشتد الخلاف فيه في هذا الزمن ولم
يكن مطروقا في الماضي. علماً بأن جمهور المسلمين من أهل السنة
والجماعة قد أجازوه بالدليل الشرعي. وفي الشرع من الأدلة النقلية
الصحيحة ما يؤكد هذا النوع من التوسل. ولقد أوردنا في النوع الأول
من أنواع التوسل حديث الأعمى لأنه المحور الأساسي في إثبات شرعية
هذا النوع الرابع من التوسل. ونص الحديث حجة صحيحه للتوسل الأول،
ومفهومه حجة لصحة التوسل بالميت. فقد بينا في التمهيد عقيدتنا في
التوسل في أننا لا نتوسل بالجسم ولا بالحياة ولا بالموت، ولكن
بالمعنى الحسن والجاه الرفيع المقبول عند الله للصالح حيا كان أو
ميتا، إذ الفعل لله، ولا فرق بين حياة المتوسَّل به أو مماته.
وقوله في الحديث (يا محمد إني استشفع بك) نداء للغائب يستوي فيه
الحي والميت.
ورغم ذلك فهناك أثر طيب أخرجه الطبري في معجمه
الصغير عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: وهذه
الرواية هي امتداد للمفهوم والمعنى الذي ورد في حديث الأعمى (أن
رجلا كان يختلف إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان
عثمان لا يتلفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا إليه
ذلك (وهذه الحادثة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد خلافة
أبي بكر وعمر) فقال له عثمان بن حنيف [وهو الصحابي المحدث العالم
بدين الله] إيت الميضأة، فتوضأ، ثم إيت المسجد فصل فيه ركعتين ثم
قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد:
إني أتوجه بك إلى ربي، فيقضي حاجتي قال: وتذكر حاجتك ورح حتى أروح
معك، فانطلق الرجل يصنع ما قاله له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء
البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على
الطنفسة (الوسادة) فقال ما حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال
له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال ما كانت لك من حاجة
فاذكرها. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له:
جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمتَه
(يظن أن ابن حنيف كلمه، وتوسط له عند أمير المؤمنين عثمان) فقال
عثمان بن حنيف: والله ما كلمتُه، ولكني شهدت رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى
الله عليه وسلم أوَتصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق
علي، فقال صلى الله عليه وسلم إيت الميضأه، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم
ادع بهذه الدعوات. قال ابن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث
حتى دخل علينا الرجل (الأعمى)
كأن لم يكن به ضر قط).
والحديث محقق مع الحديث الأول.
سؤال:
يقر البعض بجواز التوسل بالصالح الحي والعمل الصالح
وبعدم جوازه بالصالح الميت. ويستشهدون على ذلك بتوسل الصحابة
بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، أين الحقيقة في ذلك؟
جواب:
حديث التوسل بالعبـاس حديث صحيح رواه البخاري والطبراني وابن ماجة
(أن الأرض أجدبت في زمن سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وكادت
الريح تذر ترابا كالرماد لشدة الجدب فسمي (بعام الرمادة) ولذلك خرج
سيدنا عمر يستسقي، فقال للناس: هل فيكم من آل بيت النبي صلى الله
عليه وسلم قالوا:
نعم العباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخذ
سيدنا عمر بيده وأوقفه أمامه وقال (اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك
فأنت تقول وقولك الحق
{وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ
وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}
(82 الكهف) فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه، فقد
دنونا به إليك مستغفرين، ثم أقبل على الناس وقال: استغفروا ربكم
انه كان غفارا، والعباس عيناه تنضحان وهو يقول (اللهم أنت الراعي
لا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الكبير والصغير
وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم أغثنا بغيثك فقد تقرب
القوم بي إليك لمكانتي من نبيك عليه الصلاة السلام). فنشأ طرير من
سحاب وقال الناس: أترون أترون! ثم تراكمت الغيوم وماست فيها ريح ثم
هرت ودرت حتى قلعوا الحذاء وقلعوا المآزر، وعاد الناس يتمسحون
بردائه ويتبركون به، ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين).
جملة
القول في موضوع التوسل بالصالح الميت ينحصر في الآتي:
أولاً:
جاء في كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر: "سبب توسل الصحابة بالعباس
أن هذا لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره لأن
سبب توسلهم به رضي الله عنه هو قرابته من الرسول صلى الله عليه
وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد". وكانت طائفة في
العام نفسه وللسبب نفسه تتوسل إلى الله مستسقين بالرسول صلى الله
عليه وسلم في قبره، كما أخرج ابن أبي شيبة عن مالك الدار بسند صحيح
كما في فتح الباري وأخرجه البخاري في التاريخ وابن أبي خثيمة
والبيهقي في الدلائل (أن بلال بن الحارث المزني الصحابي، أتى إلى
قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الرماد في عهد عمر بن الخطاب
وقال: (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا.)..الخ). وهو نص
لم ينكر على الصحابي فأخذ قوة الاجماع.
وقد
أخرج ابن عساكر وابن الجوزي وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب
الهلالي قال: (أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست
بحذائه، فجاء أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال: يا
رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله تعالى ووعينا عنك وكان
فيما انزل عليك
{وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ}
وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك).
وفي هذا جواز التوسل واستمداد المغفرة والمدد من الله تعالى بجاهه
صلى الله عليه وسلم.
ثانياً:
إن الأمر بالنسبة للأنبياء والشهداء يستوي في الحياة والممات لأنهم
أحياء في قبورهم وأن الأرض لا تأكل أجسادهم لما روى النسائي عن أوس
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الله قد حرم على الأرض أن
تأكل أجساد الأنبياء) وروى البيهقي في كتاب الأنبياء وصححه من حديث
أنس رضي الله عنه أنـه صلى الله عليه وسـلم قال (الأنبياء أحياء
في قبورهم يصلون).
وروى مسلم في باب فضائل موسى من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(مررت على موسى ليلة اسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في
قبره).
وروى الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال
رواه البزار ورجاله رجال الصحيح أن النبي صـلى الله عليه وسـلم قال
(حياتي خير لكم تحدثون ويُحدّث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً
لكم تُعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت شراً
استغفرت لكم).
وهذا العرض كل يوم، وقد عُد من خصائصه صلى الله علية وسلم. وكثرة
الأحاديث بهذا المعنى تدل دلالة لا شك فيها على أن حياة الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام من باب أولى، لأن هذا هو حال الشهداء أيضاً
وان كانت حياتهم دون حياة الأنبياء. قال تعالى
{وَلاَ
تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ
أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ}
(154 البقرة).
ثالثاً:
هذه الوسيلة كانت قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ذكر
القرآن الكريم قصة بني إسرائيل في قوله تعالى
{وَلَمَّا
جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ
وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}
(89
البقرة) يقول صاحب الكشاف ما نصُّهُ "وكانوا يعني اليهود من قبل:
أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. يستفتحون: أي يستنصرون
به. على الذين كفروا: يعني مشركي العرب، وذلك انهم كانوا إذا حزبهم
أمر أو دهمهم عدو يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر
الزمان الذي نجد صفته في التوراة وكانوا ينـتصرون. وكانوا يقولون
لأعدائهم من المشركين قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم
معه قتل عاد وإرم. فلما جاءهم ما عرفوا: أي الرسول صلى الله
عليه وسلم عرفوا نعته وصفته. كفروا به: أي جحدوه وأنكروه بغيا
وحسدا وكفراً".
رابعاً:
يستفاد من حديث التوسل بالعباس درسٌ لقننا إياه أمير المؤمنين عُمر
للتبرك والمحبة لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى
{قُل لاَّ
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}
(23 الشورى).
النوع
الخامس:
التوسل بالصالح الحي:
وقياسا على حديث العباس والاستسقاء به أجاز
العلماء التوسل بالصالح الحي الذي عُلم صلاحه من غير النبي صلى
الله عليه وسلم، كما أجازوا التوسل بالصالح الميت قياساً على جواز
التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وهذا عمر بن
الخطاب يتوسل إلى الله بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج
بن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال:
(لما أبطأ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح مصر
كتب إلى عَمرو بن العاص رضي الله عنه: أما بعد فقد عجبت لإبطائكم
عن فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من
الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق
نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمتك أن الرجل منهم مقام
ألف رجل فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على القتال وقدِّم
أولئك الأربعة في صدور الناس وأمر الناس أن يكونوا لهم صدمة رجل
واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنـزل فيها
الرحمة).
وهذا خالد بن الوليد يتوسل ويستنصر بشَعر النبي صلى
الله عليه وسلم فقد أخرج الطبراني عن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن
خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال:
اطلبوها فلم يجدوها، فقال اطلبوها فوجدوها، فإذا هي قلنسوة خَلقة
(بالية) فقال خالد (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه
فابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه
القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصرة).
وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري (أنه نظر
إلى ابن عمر رضي الله عنهما وضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه
وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه). و عن يزيد بن عبد الله بن قسيط
قال (رأيت ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد
أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا
القبلة يدعون).
والعقيدة الصحيحة التي نحن عليها أن الأنبياء
والأولياء والصالحين لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف لا الآن ولا حين
كانوا أحياء في دار الدنيا لأن صفتهم الفناء والاستهلاك. وهو ما
أكده الشيخ يوسف الرفاعي في كتابه «أدلة أهل السنة والجماعة»
بقوله: "لو كان هذا التوسل شركاً وتوجهاً إلى غير الله كما يزعم
المنكرون، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد
الله وأوليائه في حال الحياة أيضا. وليس ذلك مما يُمنع فانه مستحبٌ
ومستحسن شائع في الدين، ولو زعم أنهم عزلوا واخرجوا من الحالة
والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا فما الدليل عليه. ومن
اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كافياً ولا
دليلاً على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة".
ويقول
أيضاً "نعم إن كان الزائر يعتقد أن أهل القبور متصرفون ومستبدون
وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليه كما يعتقده
العوام الغافلون الجاهلون، وكما يفعل أولئك من تقبيل القبر والسجود
والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير، فذلك مما يمنع ويحذر منه
وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم
بالشريعة والعارف بأحكام الدين انه يعتقد ذلك ويفعل هذا". وإلى هذا
التوسل أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني
العباس وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين في المناظرة التي كانت في
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال له الإمام مالك: (يا
أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب
قوما فقال
{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِيِّ}
(2 الحجرات). وقد مدح قوما فقال
{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ
اللَّهِ}
(3 الحجرات) وذم قوما فقال
{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ}
(4 الحجرات). وإن حرمته ميتاً كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر
فقال: يا أبا عبد الله (يعني الإمام مالك) أستقبل القبلة وأدعو أم
استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الإمام مالك:
ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه
السلام إلى الله تعالى يوم القيامة. بل استقبله واستشفع به
فيشفِّعه الله، قـال اللـه تعالى
{وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم}(64
النساء). وهذه القصة رواها القاضي عياض بإسناد صحيح. وقد صرح كثير
من العلماء بهذا[1].
والحاصل
أن مذهب أهل السنة والجماعة[2]
ينص على (صحة التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته
وبعد وفاته، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء
والصالحين، كما دلت الأحاديث السابقة). فإننا إذن وبناءاً على ما
تقدم لا نعتقد تأثيرا ولا خلقاً ولا إيجاداً ولا إعداماً ولا نفعاً
ولا خيراً إلا لله وحده لا شريك له، فلا نعتقد تأثيراً ولا نفعاً
ولا خيراً للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الخلق والإيجاد
والتأثير، ولا لغيره من الأحياء والأموات. فلا فرق في التوسل
بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء، وكذا بالأولياء
والصالحين، ولا فرق بين كونهم أحياءً أو أمواتاً، لأنهم لا يخلقون
شيئاً وليس لهم
من دون الله تأثير في شيء.
وإنما يتبرك بهم لكونهم أحبّاء الله تعالى، والخلق والإيجاد
والتأثير لله وحده لا شريك له، ولأنه تسري بركة المكان على الداعي،
كما ذكر الإمام الشوكاني. أما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات
حيث جوّزوا بعض التوسلات بالأحياء دون الأموات فهم القريبون من
الزلل والخلل لأنهم اعتبروا أن الأحياء لهم تأثير دون الأموات مع
أنه لا تأثير إيجاداً لغير الله تعالى على الإطلاق.
وأما
الإفادة وفيض البركات والاستفادة من أرواحهم استفادة اعتيادية،
وتوجه أرواحهم إلى الله تعالى طالبين فيض الرحمة على ذلك المتوسل
فهو شيء جائز وواقع وخال عن كل خلل دون الفرق بين الأحياء
والأموات.
فشبهة المانعين إن كانت من جهة أن الأموات أجساد
هامدة جامدة ولا روح ولا إدراك ولا مجال للخطاب معهم، فتلك ساقطة
من الاعتبار لأن أجساد الأنبياء لا تبلى، وان الله حرّم على الأرض
أن تأكل لحومهم، وأن أرواحهم باقية ثابتة ولها إدراك بإذن الله
تعالى، وهو تعالى يعلمها بصلاة المسلمين وبتوسلات المتوسلين، وحسبك
في الموضوع خطابك النبي صلى الله عليه وسـلم في كـل صلاة عند
التشـهد بقولك (السلام عليك أيها النبي ورحمـة اللـه وبركاته) وليس
(السلام على النبي). فإذا توسلنا به صلى الله عليه وسلم على معنى
طلب الدعاء منه فطلب الدعاء مشروع وإذا توسلنا بذاته الشريفة أو
بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم فكل ذلك واقع في الروايات الصحيحة.
وإذا كان القصد الاستشفاع بـه صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه
الشفيع وشفاعته ثابتة شرعا. وما توهم الناس به من انه شرك فالشرك
أن يجعل العبد أحداً سوى الله تعالى شريكاً له في الألوهية
والربوية والخلق، وأين ذلك من التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم
بصفة أنه عبد الله ونبيه ورسوله أكرمه بفضله وجعل له الشفاعة
والوسيلة والمقام المحمود.
قال شيخنا الشيخ عبد الرحمن الشريف:
فامدح كما شئت فهو الفذ مرتبة وليس فوقـه
إلا الله فافـتهم.
وقياس المسلمين المتوسلين على عُبَّاد الأصنام
فيما حكاه الله تعالى عنهم من قولهم
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى}
(3 الزمر) ونحوه، ناشئ عن إغماضٍ عن الحق وانحرافٍ عن الواقع
وتسوية بين الأمة الوثنية الجاهلة الضالة وبين الأمة المسلمة
المؤمنة بالله وحده لا شريك له، الناشئة عن الملة الإسلامية
الحنيفة التي تمرنت على الاعتقاد بالله والتي رضيت بالله تعالى
رباً وبالإسلام دينا وبالقرآن كتابا وبسيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم عبدا ورسولا و نبياً. وآمنت بأن البعث حق والجنة حق والنار
حق والموت حق والحساب حق. وكيف يتصور بمن أسلم وقرأ القرآن وفهم
تعاليمه وأحب النبي العدنان أن يظن تلك الظنون الفاسدة التي ظنها
عُبَّاد الأصنام الجاهليون. وكيف يتصور ذلك من العارفين بالله
الدارسين لمعنى
{قُلْ إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ
إِلَهٌ وَاحِدٌ}
(110 الكهف) ولإنذارات الرسول صلى الله عليه وسلم لعشيرته بعد نزول
قوله تعالى
{وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}
(214 الشعراء).
النوع
السادس:
التوسل بالجاه:
يقول العلامة الألوسي البغدادي في تفسيره «روح
المعاني» بعد بحث طويل في التوسل يقول ما نصه: "أنا لا أرى بأساً
في التوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.
ويراد من الجاه معنىً يرجع إلى صفة من صفاته مثل أن يراد به المحبة
التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته. فيكون معنى قول القائل:
إلهي أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي حاجتي إلهي
اجعل محبتك له وسيلةً في قضاء حاجتي. ولا فرق بين هذا وقولك إلهي
أتوسل إليك برحمتك أن تفعل كذا، إذ معناه أيضا (الهي اجعل رحمتك
وسيلة في كذا)، بل لا أرى بأساً أيضا بالإقسام على الله تعالى
بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. نعم لم يُعهد التوسـل
بالجاه والحرمة على أحـد من الصحابة [الكلام للألوسي] ولعل ذلك
كان تحاشيا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم
قريبو عهدٍ بالتوسل بالأصنام. ثم يقول إن التوسل بجاه غير النبي
صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضا إن كان المتوسل بجاهه ممن عُلم
أن له جاهاً عند الله تعالى، كالمقطوع بصلاحه وولايته".
ومن
هذا الفهم الطيب فتح الله على شيخنا الشيخ عبد الرحمن الشريف في
قصيدته المشهورة التي يرددها أتباع الطريقة دوماً، وهي تزخر
بالتوسلات الشرعية بالسادات الكرام رجال السند الشريف حتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهي قصيدة «حزب الهمزة» التي بدأ بيتها
الأول بقوله:
نـدعـوك يـا الله بـالآيـات والـذكــر
الحــكــيــم بمــظهــر الأسـماء
وبحضـرة القــدس التي شــغفت بـهـا
أكــبـاد رســل الله والأنـبــــاء
(إرجع
إليها في كتاب أوراد الطريقة الخلوتية)
[1]
.
راجع كتاب طي
السجل للسيد محمد مهدي الروّاس.