تمهيد
يقول
الله تعالى:
{يا أيها
الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ
الْوَسِيلَةَ}
(35 المائدة). يقول الشيخ أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على تفسير
الجلالين في تفسير هذه الآيات: "لما ذكر سبحانه وتعالى أن التوبة
من الذنوب نافعة، وكانت التوبة من جملة التقوى، حث على طلبها هنا.
وقوله (إليه) متعلقا بـ (ابتغوا) أي ما يقربكم ويوصلكم إليه،
والتقوى هنا في الآية ترك المخالفات، وابتغاء الوسيلة فعل
المأمورات، ويصح أن المراد بالتقوى امتثال المأمورات الواجبة، وترك
المنهيات المحرمة، وابتغاء الوسيلة هو ما يقربه إليه مطلقا… ومن
جملة ذلك محبة أنبياء الله وأوليائه والصدقات وزيارة أحباب الله
وكثرة الدعاء وصلة الرحم وكثرة الذكر وغير ذلك. فالمعنى كل ما
يقربكم إلى الله فالزموه واتركوا ما يبعدكم عنه. وإذا علمت ذلك فمن
الضلال البيِّن والخسران الظاهر تكفير المسلمين بزيارة أولياء الله
زاعمين أن زيارتهم من عبادة غير الله، كلا بل هي من جملة المحبة في
الله التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا إيمان
لمن لا محبة له) والوسيلة له هي التي قال الله تعالى فيها:
{وَابْتَغُوا
إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}".
وقد
فسر بعضهم الوسيلة بمنزلة في الجنة، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر،
لاختصاصها بالأنبياء عليهم السلام بناءً على ما رواه الإمام أحمد
وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صليتم فاسألوا
الله لي الوسيلة، قيل يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: إنها أعلى
منزلة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو الله أن أكون هو).
ويقول
الله تعالى أيضا:
{وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا
اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ
تَوَّابًا رَّحِيمًا}
(64 النساء) قال الزمخشري في الكشاف: "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم
بالتحاكم إلى الطاغوت، جاءوك تائبين من النفاق، متنصلين عما
ارتكبوا، فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص، وبالغوا بالاعتذار إليك
من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله تعالى
ومستغفراً، لوجدوا الله تواباً رحيماً أي لتاب عليهم".
وهذه
الآية وان كانت نزلت بسبب المنافقين والمتحاكمين إلى الطاغوت، فهي
عامة تشمل كل عاصٍ ومقصرٍ ومذنبٍ، لأن ظلم النفس المذكور فيها،
يشمل كل معصية، ثم إن الآية تدل على الإستشفاع بالنبي صلى الله
عليه وسلم في حالتي حياته ووفاته، لأن كلاً من فعلي المجيء
والاستغفار، وقع في سياق الشرط، أو الفعل في سياق يدل على العموم،
والإستشفاع في حالة الحياة ظاهر وليس فيه خلاف، وأما في حالة
الوفاة فينكره بعض الأدعياء، متوهمين أن الموت يحول دون تحققه، وفي
ذلك خطأ ظاهر لسببين نذكرهما الآن مختصرين، على أن نشرحهما فيما
بعد:
الأول:
أن الأنبياء أحياء في قبورهم يرزقون.
الثاني:
أننا نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم
ولا قدرة ولا تصرف، لا في حياتهم ولا مماتهم، وأن الأمر كله لله،
وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأنهم محل نظر ورعاية وولاية
الله تعالى، فيستوي بذلك الأمر في حياتهم الدنيوية والبرزخية، بل
البرزخية من باب أولى.
إن أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه، وإن من أنكره،
قدح - والعياذ بالله - في كثير من الآيات والأحاديث والأقوال التي
سنتعرض لها إن شاء الله، ولم يتعرض للإنكار أحدٌ من العلماء
والصالحين طيلة التاريخ الإسلامي، إلا مِن بعض المتأخرين، ولا عبرة
بقولهم، وقد رد العلماء عليهم قولهم وأوضحوا بطلان آرائهم التي
ابتليت بها الأمة.