سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 الدلالة النورانية

 

 التقريب بين المدارس الإسلامية

 

  مصطلحات القوم

 

  اداب المريد

 

  قواعد التصوف

   حسن التفهم والدرك لمسألة الترك  جديد
 

  البحث عن الوارث

  الفرقة الناجية

  البدعة الحسنة  جديد

   الخبر الدال على وجود الأقطاب والأبدال  جديد
 

  التكريم الصادق

 

  مسالك الحنفا في والدي المصطفى  جديد

  الشمائل المحمدية

 انموذج اللبيب في خصائص الحبيب
 

  دلائل النبوة

 

  الدرر السنية

 

  اداب الفتوى والمفتي والمستفتي  جديد

 

  بستان العارفين

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

 أرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 

 

 

المكتبة

كتاب الدلالة النورانية

 

المقدمة

الباب الأول
التعريف بالصوفية 
الباب الثاني
مفهوم للسنة والبدعة  

الباب الثالث
التوسـل
الباب الرابع
الرسـول صلى الله عليه وسلم
الباب الخامس
منهج الطريقة الخلوتية 
سند الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

نسب الشيخ حسني حسن الشريف

   
تمهيد مفهوم السنة والبدعة حكم تكفير المسلم

 


مفهوم السنة والبدعة

 

سؤال: ما هو مفهوم السنة والبدعة؟

 جواب: لكي ندرك المفهوم الصحيح للبدعة السيئة، لا بد لنا أن نُعرِّف السُّنة أيضاً، لأن السنة والبدعة أمران متقابلان، فلا يتحدد أحدهما إلا بتحديد الآخر، وهذه طريقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حث على السنة أولا، ثم حذر مقابلها من البدعة، وهذا حديث جرير عند مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح هذا المعنى (من سنّ في السلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء).

           وهناك حديث آخر يحدد المفهوم الصحيح للمعنيين وهو حديث جابر عند مسلم وأخرجه البخاري موقوفا على ابن مسعود: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة). وهناك مثل هذه الأحاديث، التي سنتعرف على معانيها أحاديث أخرى تدور حولها كحديث ابن مسعود عند مسلم أيضاً (من دل على خير فله مثل أجر فاعله).

 فنحن نفهم من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قابل الْمُحْدَثَة والبدعة بالهدي النبوي، وأن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم هو خير الهدي وأن الشر في الْمُحْدَث المناقض لهديه هو البدعة السيئة.

   إذن، فالبدعة هي كل ما خالف نصا شرعيا. ولكي نُـثري الموضوع أكثر، نعود للسنة فنقول ما هي السنة التي قابلها صلى الله عليه وسلم في الحديث بالبدعة؟

           يقول أهل اللغة: إن السنة في لغة العرب هي الطريقة. وفي الشرع هي هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير. وقد استخدم صلى الله عليه وسلم كلمة السنة بمعنى الطريقـة في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه البخاري عن جـابر (لتتبعن سنن من قبلكم) أي طريقتـهم. والله عـز وجـل يقول {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا} (16 الجن) والراجح في التفسير أن معنى الطريقة في هذه الآية الخط المستقيم في الطاعة لله عز وجل، وغدقاً بمعنى ماءً كثيراً ورزقاً واسعاً، وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي والضحاك وغيرهم. فليس المراد إذن بالسنة لغة ما يفهمه عامة الطلاب فضلاً عن العوام أنها تعني الحديث النبوي فقط، أو ما يقابل الفريضة فقط، فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أيضاً طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد. وهذا ما ورد التأكيد عليه في الحديث (عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ). إذن، فما أُحْدث من أمر لا بد من عرضه على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته في القبول والرد، فالقاعدةُ الكبرى في تفسير معنى البدعة، هي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الوارد في البخاري الذي يقول (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي من أحدث في منهجنا وطريقة فهمنا ما ليس منه فهو مرفوض. وهذا هو الفقه الحقيقي للشريعة حيث سبقنا إليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا، ونجده متجليا في شخصية الفاروق عمر رضي الله عنه، الذي أوقف حد السرقة في عام الرمادة، وهو عام الجوع الذي ضرب الجزيرة. فلو كان الأمر مجرد نصوص تحفظ وتطبق، لكان في ذلك حرجٌ وتشديدٌ يأباه الله ورسوله. ففقه عمر للشرع هو الأصحُ من قول وفقه كل دعيّ جاهل.

 إذن فكل مُحْدَث يُعرض على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن وافقه فهو خير، سماه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق سنة حسنة، وإن لم يوافقه فهو شرٌ، سماه الرسول صلى الله عليه وسلم سنة سيئة. والشرط في هذا المحدث أن لا يخالف نصا شرعيا، وأن يقصد به النفع للمسلمين، وإن وافق النص فهو مباح، لأن القاعدة الفقهية المشهورة تقول (إن أصل الأشياء الإباحة ولا تحريم إلا بنص) بمعنى لا يجوز لي أن أُبَدِّع مسلماً أو أُكَفِّره ما لم أملك دليلا شرعيا واضحا يشير إلى أن هذا المسلم ابتدع أمراً خالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو افترضنا أن مسلماَ ألزم نفسه أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم مائة مرة، أو أقل أو أكثر، وعدده هذا لم يرد نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يجوز لنا أن نقول بأن هذا مبتدع؟ كلا، لأن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرٌ من الدين، وللمسلم أن يأتي بها في الوقت والعدد الذي يشاء، والأمر ينطبق على جميع الأوراد والتسابيح والنوافل، حتى السلام الخاص بالطريقة، الذي سنَعرض له في موقع آخر، كل ذلك مما يدور في الإطار نفسه الذي ذكرناه.

   وقد يقول قائل إن ما أقرّه الرسول صلى الله عليه وسلم يكون سنة بإقراره له، فنقول: نعم، ولكنه أيضا دليلٌ هادٍ إلى تَعَرُّف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته في القبول والرد، وهناك أحاديث كثيرة جلها في الصحيح أو من الصحاح، تبين أن عددا من الصحابة أحدثوا أعمالا وأذكارا وأدعية لم يرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلها أو أمر بها، ولكنهم فعلوها قياسا واستنباطا واعتقادا أنها من الخير العميم، الذي أكرمنا الله به، وجاء به نبيه صلى الله عليه وسلم وحث على مثله تحت قاعدة {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (77 الحج) وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) وهذا الحديث وان ورد في الصدقة فإن القاعدة الأصولية المجمع عليها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [كما ذُكر ذلك في بحث خاص بهذا الأمر للسيد عبد الله الخصوصي رئيس القضاء الشرعي بحضرموت]. ولا يفهم من ذلك كما يدّعي البعض بأنه استكمال للشرع وتهمةٌ له بالنقص، أو أن هذا يعني أن لكل إنسان أن يُشرّع، فإن الإسلام محدد القواعد والضوابط، فلا بد أن يكون القياس أو الاستنباط محفوظا بقواعد وضوابط الشرع الشريف. وبهذا الفهم السوي الصحيح رأينا عددا من الصحابة يفعلون باجتهادهم أموراً لم تكن. فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته قبول ما يتفق مع الشرع ولا يخالفه، وردّ ما كان مخالفاً لذلك.

  وهذا هو الفهم الذي سار عليه الصحابة والخلفاء والتابعون، والذي اقتبس منه العلماء فيما بعد قولهم "إن ما يُحدَث يجب أن يعرض على قواعد الشرع ونصوصه، فما شهد له الشرع بالحسن فهو حسن، وما شهد له الشرع بالسوء والقبح فهو مردود" وهو البدعة المذمومة. وقد يسمون الأول «بدعة حسنة» من حيث اللغة باعتباره محدثًا، وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو «سنة مستنبطة» ما دامت شواهد الشريعة تشهد له بالقبول. وعلى هذا الكلام يحمل قول سيدنا عمر رضي الله عنه - وهو الذي يفقه الشرع فقها سوياً لا حفظاً قاصراً - في صلاة التراويح (نعمت البدعة( واليكم الأدلة الشرعية التي تؤيد ما ذكرناه وهي داخلة في الصلاة:

   الحديث الأول: ما رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دَفَّ نعليك في الجنة. قال ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا من ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها نلت) أي تلك المنزلة. فنلاحظ من هذا وغيره من أحاديث كثيرة بنفس المعنى أن الصحابة كانوا يجتهدون في توقيت كثير من النوافل من العبادات والأذكار وتحديد كَمِّهَا، وهذا إقرار من الرسول صلى الله عليه وسلم لعمل طيب لم يكن، إلا إنها طريقة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الرد والقبول.

   الحديث الثاني: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الصلاة في باب ربنا لك الحمد عن رفاعة بن رافع قال (كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده. قال الرجل وراءه "ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه" ولم يكن هذا قد ورد من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف (أي انتهى من الصلاة) قال من المتكلم؟ قال أنا. قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها) قال الحـافظ في الفتح "يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور وفي غير الصلاة من باب أولى، إذا كان غير مخالف للمأثور. وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش". وعليه يجري الحكم على شرعية جميع الأوراد والتسابيح والأذكار التي يتقرب بها السالك إلى الله في أي وقت وعدد يشاء، وهو الأمر الذي سار عليه مشايخنا من قبل استناداً إلى هذا الفهم الشرعي لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانظر يا أخي كيف يقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة ذكر لم يؤثر عنه في الاعتدال (وغيره كما في أحاديث كثيرة) وأقر فاعله بأعلى درجات الإقرار والرضى، لأن الفعل الذي حصل هو من جنس المأثور، وما كان كذلك فهو من السنة، وإن كان غير وارد بلفظه. وهذا موضع الاستدلال، لأنه صلى الله عليه وسلم أقره رغم أنه اجتهاد واستنباط من أحد الصحابة.

   الحديث الثالث: ما رواه البخاري في باب الجمع بين السورتين في الركعة من كتاب الصلاة عن أنـس رضي الله عنـه قال: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، ثم افتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني احبها.فقال صلى الله عليه وسلم حبك إياها أدخلك الجنة). قال ناصر الدين بن المنير في هذا الحديث "إن المقاصد تغير أحكام الفعل، لأن الرجل لو قال إن الحامل على إعادتها أنه لم يحفظ غيرها مثلا، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهر صحة قصده فصوبه. قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن والاستكثار منه".

 وهذا ما عهدناه عن مشايخنا في ورد القرآن الليلي الذي نقرأه كل يوم، ولا يعد ذلك هجرانا لغيره، بدليل هذا التقرير من الرسول صلى الله عليه وسلم وتبشيره لهذا الرجل بالجنة. علماً بأننا لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بأن فعل هذا الصحابي سنة ثابتة، ذلك لأن ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم هو الذي تنبغي المحافظة عليه. ولكنه يعطينا الدليل على أن مثل هذا وان كان في صورته مخالفاً لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الجملة فان الأمر واسع، لا كما يظن المبدِّعون، ما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب. وهذه الأحاديث جلها كان في الصلاة، وهي أهم أعمال العبادات البدنية [كما قال القاضي الحضرمي] وفيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي). ومع ذلك فانه صلى الله عليه وسلم قَبِل هذه الاجتهادات، لأنها لا تخرج عن الهيئة التي حددها الشارع، فكل حدٍ لا بد من الالتزام به، وما عدا ذلك فالأمر متسعٌ، ما دام داخلا في الأصل المطلوب. هذه هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته، وهذا في غاية الوضوح. ويُؤخذ منها ما قرره العلماء أن كل عمل يشهد له الشرع من الطلب ولم يصادم نصاً ولا تترتب عليه مفسدة فليس داخلا في حدود البدعة بل هو من السنة، وإن كان غيره افضل. فالعبادات تتفاوت في الرتبة ولا يعاب ولا يُبَدَّع من استروح شيئاً منها ما دام الأصل عبادة.

  وفي الأحاديث التالية اجتهادات أقرها صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة منها:

 الحديث الأول: حديث الرقية، وقد رواه البخاري في أكثر من موضع من صحيحه، وهذا نصه في باب النفث في الرقية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن رهطا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلُدغ سيدُ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم علّه أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ فسعينا له بكل شيء فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال أحدهم نعم والله إني لراق، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلا، فصالحوهم على قطيعٍ من الغنم، فانطلق فجعل يتفل ويقرأ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى لكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي ما به قلبة، فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم اقسموا، وقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننتظر ما يأمرنا به، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له فقال: وما يدريك أنها رقية! أصبتهم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم). ويظهر هنا جلياً فهم هذا الصحابي السليم لدينه، إذ يظهر واضحا بأنه لم يكن عنده علمٌ متقدمٌ بمشروعية الرقي بالفاتحة، ولكنه شيء فعله باجتهاده، ولما لم يكن فيه مخالفة للمشروع أقره صلى الله عليه وسلم، لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير، ولا تترتب عليه مفسده، وإن لم يكن من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم نصا. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم) كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ.

   الحديث الثاني: أخرج البخاري في فضائل قل هو الله أحد عن أبي سعيد الخدري (أن رجلا سمع رجلا يقرأ بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، وكان الرجل يتقالّها فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن).

   الحديث الثالث: روى أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في صحيحه عن أبي بريده عن أبيه قال: (دخلت مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا رجل يصلي يدعو: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا اله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب). فنلاحظ بأن هذا الدعاء من إنشاء الصحابي، ولما كان مطابقا للمطلوب، وكان من صُلب الأمر، لا بخلافه على قاعدة (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) والصمدية منه، لذلك أقره صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات الإقرار والرضا.

   هذه القواعد لو عرفها الْمُبدِّعون، لما أطلقوا ألسنتهم بالتبديع على أي من أنواع الخير، ولما أطلقوا لأقلامهم العنان في اتهام الأئمة الأعلام. وقد يقول قائل بأن هذه الأدلة الشرعية كانت زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي مما أقره، وقد دخلت في إطار السنة. فيجيب على هذا السؤال الإمام الشافعي رحمه الله حين يقول "البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم" فهل الشافعي وهو أحد الأئمة الأعلام حقيق بهذا القذف والتبديع والتشنيع!؟.

   وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله في صلاة التراويح «نعمت البدعة» كما يؤثر مثل ذلك عن ابن عمر. فهل هما مُشاقَّان لله ورسوله، لأنه يلزم من قولهما أن في البدعة محمود ومذموم!؟. وهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم، منهم النووي وابن عبد السلام والقرافي وابن العربي وخاتمة الحفاظ ابن حجر. فهل هؤلاء كلهم لا يفهمون كلام الله ولا كلام الرسول!؟ أم ماذا تعني قصة عمر رضي الله عنه لما جمع الصحابة في صلاة التراويح وصلوا عشرين ركعة، ولم يُجْمَعوا على ذلك زمن الرسول صلى الله عليه وسلم خشية أن تفرض التراويح بهذا العدد، لأن الوحي كان ينـزل. فهل هذه تهمة من عمر بأن في الشرع نقصاناً وجاء عمر ليكمله!؟ بل هو الفهم السوي لقواعد الدين. فلما أتم عمر ذلك نظر إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «نعمت البدعة» بمعنى أن هذا الجمع الطيب هو بدعة محمودة حسنة، أي أنها سنة مستنبطة توافق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   وهذا عمر بن عبد العزيز، ومقر خلافته دمشق، بلغه أن أهل مكة يصلون التراويح عشرين ركعة ويطوفون بعد كل أربع ركعات، وهو أمرٌ لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في التراويح، فأمر أصحابه في دمشق أن يصلوا أربع ركعات بدل كل طواف، حتى يدركوا ثواب أهل مكة. فصارت التراويح عندهم ستا وثلاثين ركعة. فهل هؤلاء مشاقون لله ورسوله في قولهم إن البدعة محمودة ومذمومة. وإذا كان الأمر كما يقولون بأن أي أمر لم يحدث زمن الرسول صلى الله عليه وسلم هو بدعة، فان هذا يخالف الشرع والعقل، فهل جَمْع القرآن الذي كان زمن الصديق بدعة سيئة!؟ وهل عمل الدواوين للإدارة الذي كان زمن الفاروق بدعة سيئة!؟ وهل ركوب البحر في الفتوحات الإسلامية الذي كان زمن عثمان بدعة سيئة!؟ هذا كله لم يكن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نحن لم نكن، فهل نحن بدعة!؟

     وقد يقولون إن البدعة مخصوصة بالعبادة، يقسمونها إلى دينية ودنيوية. وكأن المباح ليس من أحكام الدين! وكأن البدعة السيئة التي تكون في غير العبادات لا يشملها الحديث الذي يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

 

إن شرع الله ودينه شامل لكل تصرفات المسلم: عباداته ومعاملاته ولبسه وأكله وأحكامه وأقضيته وأنكحته ومواريثه وكل أعماله. كلها تدخلها البدعة المحرمة التي تغاضوا عنها وهي التي أضرت بالدين. ومن أخطر هذه البدع العقائد التي خرجت بها طوائف من الدين أمثال الخوارج، وبدع الحكم وأخطرها الخروج عن شريعة الله. وإلا فهل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأذان بدعة سيئة كاختلاط الرجال بالنساء في الأعراس والمسابح والعمل في المؤسسات وغير ذلك؟ وهل اجتماع البعض لذكر مآثر الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه في يوم مولده جريمة تقابل جريمة الانحلال والفساد والتسيب، بحيث يُهاجَم الأول ويُغَض الطرف عن الثاني.

 سؤال: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ما معنى (كل) في هذا الحديث؟ وهل حقا يشمل كل ما أُحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير وشر؟

 جواب: يقول القاضي الحضرمي: "إن من قواعد الأصول الثابتة أن في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من الكليات والعموميات، من العام المخصوص، أو العام الذي أريد به الخصوص. والعموميات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص. ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى في قصة الريح التي أرسلت لعاد {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (25 الأحقاف) وبالتأكيد فهي لم تدمر الأرض كلها ولا الكواكب. وكقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (39 النجم) مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة، كما قرر ذلك ابن تيمية. ويشهد لذلك حديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).

  وفي العموم الذي أريد به الخصوص قولـه صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري (في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام) أي الموت. وقد أجمع الشراح أنه ليس على عمومه مع أن فيه الكلية (كل).

           ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (173 آل عمران) فإن المراد بالناس في الأول المخبِرين وهم لا شك عدد محدود من الناس. والثاني هم أبو سفيان وجماعته وليسوا هم كل الناس. وفي الكتاب والسنة من هذه العموميات المخصوصة أو التي يراد بها الخصوص شيء كثير. فكيف ينكر على جمهور من العلماء الراسخين قولهم هذا الحديث (كل بدعة ضلالة) أنه من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص، فالمقصود هنا المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة، فهي المرادة بالبدع، أما المحدث الذي يحمل النظير على النظير، فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء. ولا يفهم هذه المعاني إلا من كان له الباع الطولى والفقه الصحيح والفهم العميق للشريعة ومقاصدها".

       

الرئيسية من نحن النشرة الإخبارية اتصل بنا سجل الزوار
مؤسس دار الإيمان - التقارب بين المدارس الإسلامية - أحداث هامة - التصوف الصحيح - الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
 
مثابة دار الإيمان لرعاية الأيتام - جمعية دار الإيمان الخيرية - المكتبة - مقالات وأبحاث - أرشيف الصور
- مختارات مفيدة

سؤال وجواب تصويت منتدى دار الإيمان
مواقع ننصح بزيارتها إبحث في الموقع

إتفاقية استخدام الموقع © 2005 دار الإيمان
Powered by
FTNCS