أهمية التصوف
سؤال:
ما هي ضرورة التصوف بالنسبة للمسلم؟
جواب:
إن التصوف هو المظهر المعنوي الروحي للإسلام، فإذا بحثنا عن الصفاء
والاندفاع والحرارة في العاطفة الإسلامية وجدناها عند الصوفية. ومن
أحب أن يعرف شيئا عن الحب الإلهي وسمو رفعة الصلة الروحية بين
المسلم وخالقه فليصحب القوم السالكين، ويتدبر أقوالهم وأحوالهم،
ليتبين له أن التعليم والاصطلاحات التي سميت تصوفا هي حقيقة وجوهر
وروح الإسلام. وبها نمت العاطفة الدينية والحياة الروحية عند
المسلمين. وبهذه الروح التي تغلغلت في حياة المسلمين وعقائدهم
وعبادتهم ومعاملاتهم انتشر الإسلام في إفريقية والهند والصين
وإندونيسيا ودول المغرب العربي. وذلك بحسن سيرة أولئك الأعلام من
مشايخ الطرق وتأسِّيهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الأعمال التي يقوم بها المسلم نوعان: جسمية
وقلبية، الجسمية منها تقوم على الأوامر والنواهي كالأمر بالصلاة
والزكاة والحج، والنواهي كالنهي عن السرقة أو القتل أو الزنى.
والأعمال القلبية تقوم أيضا على أوامر ونواه، فالأوامر كالإيمان
بالله وملائكته وكتبه ورسله... الخ، والنواهي تنهى عن الكفر
والنفاق والحسد والحقد والغرور والكبر والعجب والشح والبخل.
وهذا
القسم الذي يتعلق بالقلب هو مدار بحثنا إذ أن عليه مدار الأمر رغم
أهمية الكل، لأن الباطن أساس الظاهر، وفي فساده إفساد للأعمال
الظاهرة، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركز اهتمامه على
إصلاح قلوب أصحابه وأن صلاح الإنسان بصلاح قلبه. ولا أعني الجسم
الصنوبري الذي يعالجه الأطباء، إنما أعني اللطيفة الروحانية
المتعلقة به، وهي التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما
رواه البخاري: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا
فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب). فعلى المرء أن يُعنى بإصلاح
قلبه وتخليته من الصفات المذمومة التي نهى عنها طالما أن صلاحه
منوط بصلاح قلبه. قال تعالى:
{يَوْمَ لاَ
يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ}
(88-89 الشعراء). وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم
ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم).
إن
أهمية التصوف الإسلامي تنبع من تنقية القلب من الشوائب وتهذيب
النفس وتخليصها من الآفات. ولذلك قال العلماء إن التخلص من كل هذه
الآفات هو فرض عين؛ بدليل ما ورد في الكتاب والسنة، قال الله
تعالى:
{وَلاَ
تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}
(151 الأنعام). ويأمرنا تعالى في آية أخرى بترك الفواحش الظاهرة
والباطنة، بقوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ }
(120 الأنعام) فالفواحش الظاهرة كالقتل والزنى والسكر والسرقة، أما
الباطنة فهي كالحقد والحسد والشح والبخل والنفاق وغيرها من آفات
النفس المتعددة.
وإذا
تأملنا معنى الآية الكريمة
{إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
وَهُوَ شَهِيدٌ}
(37 ق) وجدنا في معناها أنه ليس لكل إنسان قلب، لأن الآية تعني
اللطيفة المتعلقة، لا العضلة، واللطيفة المتعلقة لا يمكن أن تكون
في قلب ممتلئ بالحقد والرياء والنفاق والحسد والشح والبخل، فكل هذه
الآفات وغيرها مما يُعنى التصوف بزوال وجودها من تلك اللطيفة.
أما
إذا استعرضنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجد كثيرا منها
ينهى عن هذه الآفات التي تحول دون حال التزكية التي يحرص التصوف
عليها، كآفات الحقد والرياء والشح والكبر والغش والغضب والعداوة
والبغضاء والطمع والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة والمكر
والخديعة والقسوة وطول الأمل وغير ذلك. ونجد كثيراً من الأحاديث
التي تأمر بالتحلي بالأخلاق والمثل العليا والمعاملة الطيبة، كخلق
التواضع والتناصح والصبر واحتمال الأذى وخدمة الإخوان ومحبتهم
والكرم والحب والشكر وخفض الجناح واللين والعفو، وغير ذلك. هذه
الأخلاق جزء من ثمرة السلوك في طريق القوم.
أخرج
البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبه فأعلاها
لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من
شعب الإيمان). وهذه الأخلاق هي أيضاً جزء من درجات الإيمان. يقول
صاحب مراقي الفلاح: (لا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة
الباطنة بالإخلاص والنـزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد وتطهير
النفس عما سوى الله، فيعبده لذاته لا لعلةٍ، مفتقراً إليه، وهو
يتفضل عليه بالمنّ بقضاء حوائجه المضطر بها عطفاً عليه، فتكون
عبداً فرداً للمالك الأحد الفرد، لا يسترقك شيء من الأشياء سواه
ولا يستملكك هواك عن خدمتك إياه).
ولكي
ندرك أهمية التصوف نقول بأن الإنسان يسعى دوماً إلى أن يظهر على
الملأ بصورة لائقة من حيث جمال ملبسة وجمال مظهره وأناقة لبس
أولاده وفخامة ركوبته ومحيطه، كل هذا مما يكلف الشيء الكثير من
المال ينفقه الإنسان حتى يظهر في عيون الناس بصوره حسنة ولائقة
لأنه محل نظرهم، فلا حرج في ذلك. لكن أيجوز له أن يزين محل نظر
الناس، وهو الظاهر، ويترك محل نظر رب الناس وهو الباطن، ملطخاً بكل
الآفات التي ذكرناها. أليس هذا قصوراً في النظر وضرباً من ضروب طمس
البصيرة والجرأة على الله!؟.
إن التصوف وأهله هم الذين اعتنوا بتصحيح هذه الآفات
ونقلها من حال السوء والبشاعة إلى حال الحسن والجمال، وتزكية النفس
من كل الصفات الناقصة، وهو الذي يكشف آفات الرجال الذين يظنون
بأنفسهم الكمال، ويسعى لتقويمها وتعريف صاحبها بها، حتى ينجلي
القلب ويسير في طريق الله في صدق ووفاء، ويزرع فيه كل خصال الخير
التي حثنا ديننا عليها وأمر أن نزين بها بواطننا.
إن التصوف ليس كما يظن البعض بأنه مجرد أوراد تقرأ،
وتسابيح تردد، بل هو بالإضافة إلى ذلك المنهج الإسلامي العلمي الذي
يرقى بالسالك حينما يملك الأشياء ولا تملكه، والتطبيق العملي لكل
الفرائض والعبادات، إنه أركان الإسلام الخمسة ثم أركان الإيمان
الستة ثم أركان الطريق السبعة التي سيأتي ذكرها. فهو روح الإسلام
والطريق العملي إلى درجات الكمال الإيماني وهو أيضاً الخلق السوي
(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فالتصوف هو تمام مكارم الأخلاق
إضافة إلى تطبيق أوامر الشرع والبعد عن نواهيه. وما وصل المسلمون
إلى هذه الحالة من التحلل والتخاذل والتفكك وذهاب القيم الروحية
والأخلاقية والتكالب على الدنيا ومتاعها، إلا حين تنادوا بالنصوص
دون العمل، وبالعقل دون القلب، وبالجسم دون الروح، وبالظاهر دون
الجوهر، وبالقشر دون اللب، فكان ما كان. ولهذا فإني أنصح إخواني
بالتزام المنهج العملي للتصوف الذي سيأتي ذكره، بالجمع دوماً بين
نصوص الإسلام وتطبيقها وبين مادة الإسلام وروحه، حتى يعود للأمر
صفاؤه وجلاؤه ويقينه وروحه وذوقه. وأنصحهم بالصبر والمصابرة
والجلَد والجد في طريق القوم، لأن طريقهم ليس سهلاً على النفس،
ولأن سلعة الله غالية ومهرها ثمين، فلا بد من دفع الثمن. قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية (ثلاثاً)، ألا
إن سلعة الله الجنة).
قال
الفُضيل بن عياض[i]
رحمه الله: (عليك بطريق القوم ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك
وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين، وكلما استوحشت من تفردك
فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم وغض الطرف عن سواهم
فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا
تلتفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك) ويعني بهؤلاء
المشككين بطريق القوم، القاطعين الصادين عن سبيل الله.
[i]
.
هو أبو علي التميمي شيخ الحرم ولد بخراسان
عام 105 هجريه وكان ثقة نبيلاً فاضلاً عابداً كثير الحديث.