سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 الدلالة النورانية

 

 التقريب بين المدارس الإسلامية

 

  مصطلحات القوم

 

  اداب المريد

 

  قواعد التصوف

   حسن التفهم والدرك لمسألة الترك  جديد
 

  البحث عن الوارث

  الفرقة الناجية

  البدعة الحسنة  جديد

   الخبر الدال على وجود الأقطاب والأبدال  جديد
 

  التكريم الصادق

 

  مسالك الحنفا في والدي المصطفى  جديد

  الشمائل المحمدية

 انموذج اللبيب في خصائص الحبيب
 

  دلائل النبوة

 

  الدرر السنية

 

  اداب الفتوى والمفتي والمستفتي  جديد

 

  بستان العارفين

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

 أرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 

 

 

المكتبة
 

كتاب بستان العارفين

لللإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي
 

 

1   2   3   4

التالي◄

 

مقدمة

بيان ما يشتمل عليه هذا الكتاب

باب في الإخلاصَ وإحضَار النية

الأحاديث التي عليها مدار الإسلام

فصل في حقيقة الإخلاص والصدق

فصل في كتب الحسنات والسيئات

شذرات حسنة من كلام العارفين

باب في كرامات الأولياء ومواهبهم

فصل في منثور حكايات في المواهب والكرامات

باب في حكايات مستظرفة

وللختام كلمة

 *******************

 

مقدمة

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مقدر الأقدار، مصرف الأمور، مكوِّر الليل على النهار، تبصرةً لأولي القلوب والأبصار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فأدخله في جملة الأخيار، ووفق من اختار من عبيده فجعله من الأبرار؛ وبصَّر من أحبه للحقائق فزهدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته، والتأهب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه والحذر من عذاب النار.أحمده أبلغ حمد على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله إقراراً بواحدنيته، واعترافاً بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته.

 وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه المصطفى من خليقته، وأكرم الأولين والآخرين من بريته، أكرم الخلق، وأزكاهم، وأكملهم، وأعرفهم بالله تعالى وأخشاهم، وأعلمهم به وأتقاهم، أشدهم اجتهاداً وعبادة، وخشية، وزهادة، وأعظمهم خلقاً، وأبلغهم بالمؤمنين تلطفاً ورفقاً؛ صلوات الله وسلامه عليه وعلى النبيين، وآل كلٍ وصحابتهم أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

أما بعد؛ فإن الدنيا دار نفاد لا دار إخلاد، ودار عبور، لا دار حبور، ودار فناء، لا دار بقاء، ودار انصرام، لا دار دوام؛ وقد تطابق على ما ذكرته، دلالات قواطع النقول، وصائح العقول، وهذا مما استوى في العلم به الخواصُّ والعوامُّ، والأغنياء، والطعام، وقضى به الحسُّ والعيان؛ حتى لم يقبل لوضوحه إلى زيادة في العرفان، وليس يصح في الأسماع شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ولما كانت الدنيا بالحال التي ذكرتها، والعظةِ التي قدمتُها، جاء في "القرآن العزيز" من التحذير من الركون إليها، والاغترار بها والاعتماد عليها، ما هو أعرف من أن يذكر، وأشهر من أن يشهر.

وكذلك جاءت الأحاديث النبوية، والآثار الحكمية، فلهذا كان الأَيْقَاظُ من أهلها: العُبّاد، وأعقل الناس فيها: الزهاد. ولقد أحسن القائل في وصفها:

انظر إلى الأطلال كيف تغيَّرتْ *** من بعدِ ساكنها وكيف تنكرتْ

سحبَ البِلى أذَّياله برسومه *** فتساقطت أحجارها وتكسَّرت

ومضتْ جماعةُ أهلها لسبيلهم *** وتغيَّبتْ أخبارُهم وتنكرت

لما نظرتُ تَفَكُّراً لديارهم *** سَحَّتْ جفوني عَبْرةً وتحدَّرت

لو كنتُ أعْقِلُ ما أفقتُ من البكا *** حسبي هناكَ ومُقْلتي ما أبصرتْ

نصبتْ لنا الدنيا زخارفَ حُسْنها *** مَكراً بنا وخديعةً ما فَترَتْ

وهي التي لم تحْلُ قطُّ لذائق *** إلا تغيَّر طعمُها وتمررت

خدَّاعةً بجمالها إنْ أقبلتْ *** فجَّاعة بزوالها إنْ أدبرتْ

وهَّابةً سلاَّبةً لِهباتها *** طلاَّبة لخراب ما قد عمَّرتْ

وإذا بنتْ أمراً لصاحبِ ثروةٍ  *** نصبتْ مجانقَها عليه فدمَّرتْ

بيان ما يشتمل عليه هذا الكتاب

فإذا علم ما ذكرته، وتقرر ما وصفته، كان حقاً على الإنسان أن يسلك طريق العقلاء، ويذهب مذهب البُصراء، فنسأل الله الكريم، الرؤوف الرحيم أن يمن علينا بذلك ويهدينا إلى أرشد المسالك. وها أنا شارع في جمع كتاب يكون مبيناً لسلوك الطريق التي قدمت، وسبيلاً إلى التخلق بالأخلاق الجميلة التي وصفت. أذكر فيه إن شاء الله تعالى  جملاً من نفائس اللطائف، وحقائق المعارف، وأنثرُ ما أذكره فيه نثراً، ليكون أبعد لمطالعه عن الملل، وأقرب للذكرى.

ولا ألتزم فيه ترتيبه على الأبواب، فإن ذلك مما يجلب الملل للناظر في الكتاب، وأذكر فيه إن شاء الله تعالى من الآيات الكريمات، والأحاديث النبويات، وأقاويل السلف المنيرات، ومستجادِّ المأثور عن الأخيار، عن عيون الحكايات، والأشعار المستحسنة الزهديات.

وأبين في أكثر الأوقات صحة الأحاديث وحُسْنها وحال رواتها، وبيان ما يخفى ويُشكل من معانيها، وأضبط ما يحتاج إلى تقييد حذراً من التصحيف وفراراً من التغيير والتحريف.  ثم إني قد أذكر ما أذكره بإسنادي فيه، لكونه أوقع في نفوس مطالعيه.

وقد أحذف الإسناد للاختصار، وخوفاً من التطويل والإكثار، ولكون هذا الكتاب موضوعاً للمتعبدين. ومن ليسوا إلى معرفة الإسناد بمحتاجين؛ بل يكرهونه في معظم الحالات، لما يلحقهم بسببه من السآمات.

وأكثر ما أذكره مما أرويه بحمد الله وفضله بالأسانيد المشهورة، المعروفة من الكتب الظاهرة المتداولة المعروفة.

وإذا كان في الحديث أو الحكاية، لفظة لغة، أو اسم شخص، قيَّدتُها، وأوضحتها بالضبط المحكم، وأتقنتها، وما احتاج فيها إلى شرح شرحته، وما كان مُعرَّضاً لأن يُغلط في معناه بينته. ويندرج في ضمن هذا الكتاب إن شاء الله تعالى أنواع في العلوم الشرعية، وجملٌ من لطائفها الحديثية، والفقهية، والآداب الدينية، وطرفٌ من علم (الحديث) ودقائق (الفقه) الخفية. ومهماتٌ من أصول (العقائد)، وعيون من نفائس القواعد، وغرائبُ لطيفة مما يستحسن في المذكورات ويستحب ذكره في مجالس الجماعات. ومعارف القلوب، وأمراضُها. وطبُّها، وعلاجها.

وربما يجيء شيء يحتاج إلى بسط كلام لا يحتمله حال هذا الكتاب، فأذكر مقصوده مختصراً، أو أحيل بسطَ شرحه إلى كتاب بعض العلماء ذوي البصائر والألباب، وربما أحلته على كتاب صنفته أنا، ولا أقصد بذلك  إن شاء الله تعالى  التبجح والافتخار، ولا إظهار المصنفات والاستكثار؛ بل الإرشاد إلى الخير والإشارة إليه، وبيان مظنته والدلالة عليه. وإنما نبهت على هذه الدقيقة؛ لأني رأيت من الناس من يعيب سالك هذه ، وذلك لجهالته وسوء ظنه، وفساده، أو لحسده، وقصوره وعناده. فأردت أن يتقرر هذا المعنى في ذهن مطالع هذا التصنيف، وليطهر نفسه من الظن الفائد والتعنيف.

وأسأل الله الكريم توفيقي لحسن النيات، والإعانة على جميع أنواع الطاعات، وتيسيرها، والهداية لها دائماً في ازدياد حتى الممات، وأسأله ذلك لجميع من أحبه ويحبني لله تعالى، وسائر المسلمين والمسلمات، وأن يجمع بيننا وبينهم في دار كرامته بأعلى المقامات، وأن يرزقنا رضاه، وسائر وجوه الخيرات؛ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اعتصمتُ بالله، استعنت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل.

اللهم إني أسألك بكل وسيلة، وأتشفع إليك بكل شفيع، أن تنفعني وأحبابي والمسلمين أجمعين، بهذا الكتاب نفعاً عاماً بليغاً، يا من لا يُعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمرٌ! وهذا حين شروعي في مقصود الكتاب:

باب في الإخلاصَ وإحضَار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية

قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}. معناه: الملَّة المستقيمة. وقيل: الأمة المستقيمة. وقيل: القائمة بالحق، والله أعلم.

وقال الله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}.

وقال الله تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم}.

وقال الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}.

قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ معناه: ولكن يناله النيات منكم. وقال إبراهيم: "التقوى" ما يُراد به وجههُ.

قال الإمام أبو الحسن الواحدي: قال الزجاج؛ المعنى: لن يتقبلَ الله الدماء واللحوم، إذا كانت من غير تقوى الله تعالى، وإنما يتقبل منكم ما ستتقونه به؛ قال: وهذا دليلٌ على أن شيئاً من العبادات لا يصح إلا بالنية، وهو: أن ينويَ به التقرب إلى الله تعالى وأداء ما أمر به. ‏

 إنما الأعمال بالنيات

أخبرنا شيخنا الإمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعيد بن الحسن بن المفرج بن بكار المقدسي النابلسي الدمشقي الشافعي رضي الله عنه، قال: أخبرنا أبو اليمن الكِنْدي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو الحسن محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد سليمان الواسطي، حدثنا أبو نعيم عبد بن هشام الحلبي، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

هذا حديث متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو أحد قواعد الإيمان، وأول دعائمه، وأشد الأركان؛ وهو "حديث" فرد "غريب" باعتبارٍ، مشهور باعتبار آخر، ومداره على يحيى بن سعيد الأنصاري. قال الحافظ: لا يصح هذا الحديث عن النبي إلا من جهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا عن عمر، إلا من جهة علقمة، ولا من علقمة إلا من جهة إبراهيم بن محمد التيمي، ولا عن محمد إلا من جهة يحيى بن سعيد، وعن يحيى انتشرت روايته عن أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمة، ورواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل "البخاري" رحمه الله تعالى في "صحيحه" في سبعة مواضع: فرواه في أول كتابه، ثم في الإيمان، ثم في النكاح، ثم في العَتق، ثم في الهجرة، ثم في ترك الحِيَل، ثم في النذر.

ثم إن هذا الحديث روي في الصحيح بألفاظ: "إنما الأعمال بالنيات"، "إنما الأعمال بالنية"، "العمل بالنية". وأما الذي وقع في أول كتاب الشهاب: "الأعمال بالنيات" بجمع الأعمال والنيات، وحذف "إنما" فقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: لا يصح إسناد هذا. وأما معنى "النية" فهو القصد وهو عزم القلب.

وإنما: لفظة موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما عداه. فمعنى الحديث: لا تصح الأعمال الشرعية "إلا بالنية". ومن قصد بهجرته رضاء الله تعالى ورسوله (فهجرته مقبولة. وأجره واقع على الله تعالى، ومن قصد بها الدنيا في حظه؛ ليس له غيرها! وفي هذا الحديث اشتراط النية في الوضوء وغيره والغسل، والتيمم، والصلاة، والزكاة، والصوم، والاعتكاف، والحج وغيرها.

 قال إمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: "ويدخل هذا الحديث في سبعين باباً من الفقه"؛ وقال أيضاً: "يدخل في هذا الحديث ثلث العلم". وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: "يدخل فيه ثلث العلم". وكذا ذكره أيضاً غيرهما. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في أول كتابه "مختصر السنن": معنى قول الشافعي رضي الله تعالى عنه: "يدخل فيه ثلث العلم": أن كسب العبد إنما يكون: بقلبه، ولسانه، ونياته. والنية: أحد أقسام كسبه، وهي أرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها، بخلاف القسمين الآخرين؛ ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء، ولا يدخل النية.

ما استحبه العلماء

واستحب العلماء رضي الله عنهم أن تُستفتح المصنفات بهذا "الحديث"؛ وممن ابتدأ به في أول كتابه: الإمام أبو عبد الله "البخاري" رحمه الله تعالى في أول حديثه في "صحيحه" الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وروّينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى قال: لو صنفت كتاباً بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث. ورُوّينا عنه أيضاً قال: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث.

وروينا عن الإمام أبي سليمان أحمد بن إبراهيم الخطابي رحمه الله، فيما قرأته في أول كتابه "الإعلام" في شرح "صحيح البخاري" قال: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث: الأعمال بالنية، أمام كل شيء يُنشأ ويُبتدأ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها. وبلغنا عن جماعات من السلف رضي الله تعالى عنهم أشياء كثيرة من نحو هذا من الاهتمام بهذا "الحديث" والله أعلم.

 وفي إسناده شيء يستحسن، ويستغرب عند المحدثين، وهو: أن رواته اجتمع فيهم ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وعلقمة بن وقاص الليثي رضي الله تعالى عنهم.

 وهذا وإن كان "مستظرفاً" فهو كثير في الأحاديث المستظرفة "الصحيحة" يجتمع ثلاثة "تابعيون" بعضهم عن بعض، وقد رويت أحاديث رباعيات أربعة "صحابيون" بعضهم عن بعض، وأربعة "تابعيون" بعضهم عن بعض.

وقد جمعها الحافظ عبد القادر الرهاوي رحمه الله تعالى في جزء صنفه فيها، وأنا أرويها وقد اختصرتها في أول شرح "صحيح البخاري" رحمه الله تعالى وضممت إليها ما وجدته مثلها، فبلغ مجموعها زيادة على ثلاثين حديثاً والله أعلم.

ومما ينبغي الاعتناء به بيان الأحاديث التي قيل: إنها أصول الإسلام، وأصول الدين؛ أو عليها مدار الإسلام، أو مدار الفقه والعلم. فنذكرها في هذا الموضع؛ لأن أحدها حديث "إنما الأعمال بالنية"، ولأنها مهمة فينبغي أن تقدم. وقد اختلف العلماء في عددها اختلافاً كثيراً. وقد اجتهد في جمعها وتبيينها الشيخ الإمام الحافظ، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بـ "ابن صلاح" رحمه الله تعالى ولا مزيد على تحقيقه وإتقانه.

الأحاديث التي عليها مدار الإسلام

قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى بعد أن حكم أقوال الأئمة في تعيين "الأحاديث" التي عليها مدار الإسلام، واختلافهم في أعيانها وعددها فبلغت ستة وعشرين حديثاً:

 النية: "أحدها" حديث: (إنما الأعمال بالنيات).

 البدع والأهواء: "الثاني" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). هذا حديث متفق على صحته، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ...) ومعنى رد: مردود، كالخلق بمعنى المخلوق.

 هور الحلال والحرام: "الثالث" عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه: ألا وإن لكل مَلِكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمُهُ، ألا وإن في الجسد مُضغة، إذا صلُحَت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القَلَب). هذا حديث متفق على صحته، رويناه في صحيحيهما. يوشك: بضم الياء وكسر الشين المعجمة، أي يسرع.

 جمع الخلق: "الرابع" عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ..) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. قوله: "بكتب" بالباء الموحدة الجارة.

 ترك الريب: "الخامس" عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك). حديث صحيح رواه أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي. قال أبو عيسى الترمذي: حديث صحيح. وقوله: يريبك بفتح أوله وضمه لغتان؛ الفتح أشهر.

 من حسن إسلام المرء: "السادس" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه). حديث حسن رواه الترمذي وابن ماجه.

 الحب والإيمان: "السابع" عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). متفق على صحته.

 إن الله طيب: "الثامن" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم}. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذيِّ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك!). رواه مسلم في صحيحه.

 لا ضرر ولا ضرار: "التاسع" حديث: (لا ضرر ولا ضرار). رواه مالك مرسلاً، ورواه الدارقطني، وجماعة، من وجوه متصلاً وهو: حديث حسن.

الدين النصيحة: "العاشر" عن تميمٍ الداريِّ رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). رواه مسلم.

الأمر والنهي: "الحادي عشر" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم).متفق على صحته.

حب الله والناس: "الثاني عشر" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس! فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). "حديث حسن" رواه ابن ماجه.

متى يستحل الدم  "الثالث عشر" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزان، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)."متفق على صحته".

متى يقاتل الناس؟  "الرابع عشر" عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى). "متفق على صحته".

بني الإسلام على خمس  "الخامس عشر" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان). "متفق على صحته".

البينة واليمين  "السادس عشر" عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).

حديث حسن رواه البيهقي بهذا اللفظ، وبعضه في الصحيحين.

البر والإثم  "السابع عشر" عن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ قال: قلت: نعم! قال: استفت قلبك! البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك".

وفي رواية: "وإن أفتاك المفتون". "حديث حسن" رواه أحمد بن حنبل، والدارمي وغيرهما.

وفي" صحيح مسلم" من رواية النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس). ص 53

كتب الإحسان على كل شيء  "الثامن عشر" عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته).

"رواه مسلم". والقتلة والذبحة: بكسر أولهما.

الإيمان بالله واليوم الآخر  "التاسع عشر" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ص 55 (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). "متفق على صحته".

احذر الغضب  "العشرون" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أوصني! قال: لا تغضب! فردد مراراً، قال: لا تغضب).

"رواه البخاري في صحيحه".

إن الله فرض فرائض  "الحادي والعشرون" عن أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها).

"رواه الدارقطني بإسناد حسن".

اتق الله حيثما كنت  "الثاني والعشرون" عن أبي ذر ومعاذ رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).

رواه الترمذي وقال: "حديث حسن". وفي بعض نسخه المعتمدة حديث "حسن صحيح".

سؤال عن عظيم  "الثالث والعشرون" عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار؟ قال: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"؛ ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل"، ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) حتى بلغ: (يعملون) ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه"؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد". ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله"؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأخذ بلسانه وقال: "كف عليك هذا"! فقلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم").

رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح". ذروة السنام: أعلاه وهي بضم الذال وكسرها.

موعظته عليه الصلاة والسلام  "الرابع والعشرون" عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا! قال:

(أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمَّرَ عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).

رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

حديث ابن عباس ووصيته له  "الخامس والعشرون" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال:

(يا غلام إني أعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم بأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام وجفت الصحف).

رواه الترمذي وقال: حديث "حسن صحيح". وفي رواية غير الترمذي:

(احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك). وفي آخره (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً).

الإسلام والإحسان  "السادس والعشرون" حديث ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في الإيمان بالقدر، وبيان الإيمان والإسلام والإحسان، وبيان علامات يوم القيامة.

فهذه الأحاديث التي ذكرها الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى ومما هو في معناها: "أحدهما" وهو:

الإيمان والاستقامة  "السابع والعشرون" عن سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ قال: (قل آمنت بالله ثم استقم).

"رواه مسلم".

الحياء  "الثامن والعشرون" عن أبي مسعود البدري عقبة بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت).

"رواه البخاري في صحيحه".

سؤال الأعرابي  "التاسع والعشرون" عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:  (أرأيت إذا صليت الصلوات الخمس المكتوبات، وصمت رمضان وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أأدخل الجنة؟ قال: نعم). "رواه مسلم".

فصل في حقيقة الإخلاص والصدق

وأما الإخلاص، فقال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) الآية.

وروينا عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإخلاص ما هو؟ فقال: (سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سر من أسراري أودعته قلب من أحب من عبادي).

كلام الصوفية في ذلك وروينا عن الأستاذ الإمام أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال: الإخلاص، إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من التصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو منحة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى.

قال: ويصح أن يقال: الإخلاص، تصفية الفعل عن مخالطة المخلوقات.

قال: ويصح أن يقال: الإخلاص، التوقي عن ملاحظة الأشخاص.

وروينا عن الأستاذ أبي علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: الإخلاص التوقي عن ملاحظة الخلق؛ والصدق التنقي عن مطالعة النفس.

فالمخلص: لا رياء له؛ والصادق: لا إعجاب له.

وروينا عن أبي يعقوب السوسي رضي الله عنه قال: متى شهدوا في إخلاصهم الإخلاص، احتاج إخلاصهم إلى إخلاص!.

وروينا عن السيد الجليل ذي النون رضي الله تعالى عنه قال: ثلاث من علامات الإخلاص:‏

  • استواء المدح والذم من العامة.‏

  • ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال.‏

  • واقتضاء ثواب العمل في الآخرة.

وعن أبي عثمان المغربي رحمه الله تعالى قاله: "الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق".

وعن حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى فقال: "الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن".

وعن السيد الجليل فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: "ترك العمل لأجل الناس رياء! والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما".

وعن السيد الجليل أبي محمد سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى أنه سئل عن أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص، لأنه شيء ليس له في نصيب.

وعن يوسف بن الحسين رحمه الله تعالى قال: أعز شيء في الدنيا؛ الإخلاص.

وعن أبي عثمان المغربي رحمه الله تعالى قال: "إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه حظ، وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم، فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا تقع لهم عليه رؤية، ولا لهم عليها اعتداد.

وروينا عن السيد الجليل الإمام التابعي مكحول رضي الله عنه قال: ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه ولسانه.

وروينا عن سهل التستري رحمه الله تعالى قال: من زهد في الدنيا أربعين يوماً، صادقاً مخلصاً من قلبه في ذلك، ظهرت له الكرمات؛ ومن لم تظهر له فإنه عدم الصدق في زهده!. فقيل لسهل: كيف تظهر له الكرامات؟ قال: يأخذ ما يشاء، كما يشاء، من حيث يشاء.

قال سهل التستري رحمه الله تعالى: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا.

وقال السري رحمه الله تعالى: "لا تعمل للناس شيئاً، ولا تترك لهم شيئاً، ولا تعطي لهم شيئاً، ولا تكشف لهم شيئاً".‏ 

الصدق :

وأما الصدق، فقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.

وروينا عن الأستاذ القشيري رحمه الله قال: الصدق عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه؛

قال: وأقل الصدق استواء السر والعلانية.

وروينا عن "سهل" رحمه الله تعالى قال: "لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره".

وروينا عن ذي النون رحمه الله أنه قال: الصدق سيف الله، وما وضع على شيء إلا قطعه.

وروينا عن السيد الجليل الإمام العارف الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى قال: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه؛ ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله؛ ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم؛ وليس هذا من إخلاص الصديقين!

وقيل: إذا طلبت من الله تعالى الصدق، أعطاك مرآة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة.

وروينا عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه قال: "الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة". والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة!".

قلت: معناه أن الصادق يدور مع الحق كيف كان؛ فإذا رأى الفضل الشرعي في أمر عمل به، وإن خالف ما كانت عليه عادته، وإذا عرض أهم منه في الشرع ولا يمكن الجمع بينهما، انتقل إلى الأفضل، ولا يزال هكذا، وربما كان في اليوم الواحد على مائة حال، أو ألف أو أكثر، على حسب تمكنه في المعارف وظهور الدقائق له واللطائف.

وأما المرائي: فيلزم حالة واحدة بحيث لو عرض له مهم يرجحه الشرع عليها في بعض الأحوال لم يأت بهذا المهم؛ بل يحافظ على حالته لأنه يرائي بعبادته وحاله المخلوقين، فيخاف من التغير ذهاب محبتهم إياه فيحافظ على بقائها!

والصادق يريد بعبادته وجه الله تعالى، فحيث رجح الشرع حالاً صار إليه، ولا يعرج على المخلوقين.

وقد بسطت القول في شرح هذه الحكاية في أول شرح المهذب، وذكرت دلائلها، وأوضحتها بالأمثلة، ومقصودها ما ذكرته هنا. فاقتصرت عليه، والله أعلم.‏

 فصل في إحضار النية في الطاعات

اعلم أنه ينبغي لمن أراد شيئاً من الطاعات، وإن قل أن يحضر النية وهو: أن يقصد بعمله رضا الله عز وجل، وتكون نيته حال العمل.

ويدخل في هذا جميع العبادات من الصلاة والصوم، والوضوء، والتيمم، والاعتكاف، والحج، والزكاة، والصدقة، وقضاء الحوائج، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وابتداء السلام، ورده، وتشميت العاطس، وإنكار المنكر، والأمر بالمعروف، وإجابة الدعوة، وحضور مجالس العلم والأذكار، وزيارة الأخيار، والنفقة على الأهل، والضيف وإكرام أهل الود، وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم، والمناظرة فيه،  وتكراره، وتدريسه، وتعليمه، ومطالعته، وكتاباته، وتصنيفه، والفتاوى، وكذلك ما أشبه هذه الأعمال ، حتى ينبغي له إذا أكل، أو شرب، أو نام، أن يقصد بذلك التقوي على طاعة الله ، أو راحة البدن، للتنشط للطاعة.

وكذلك إذا أراد جماع زوجته، يقصد إيصالها حقها، وتحصل ولد صالح، يعبد الله تعالى، وإعفاف نفسه، وصيانتها من التطلع إلى حرام، والفكر فيه.

فمن حرم النية في هذه الأعمال، فقد حرم خيراً عظيماً كثيراً، ومن وفق لها، فقد أعطي فضلاً جسيماً. فنسأل الله الكريم التوفيق لذلك؛ وسائر وجوه الخير!

ودلائل هذه القاعدة ما قدمناه من قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).‏

 

   

1   2   3   4

التالي

الرئيسية من نحن النشرة الإخبارية اتصل بنا سجل الزوار
مؤسس دار الإيمان - التقارب بين المدارس الإسلامية - أحداث هامة - التصوف الصحيح - الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية