سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس دار الإيمان الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث ساخنة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 الدلالة النورانية

 

 التقريب بين المدارس الإسلامية

 

  دلالة المريد

 

  مصطلحات القوم

 

  اداب المريد

 

  قواعد التصوف

 

  البحث عن الوارث

  الفرقة الناجية

  البدعة الحسنة

 

  التكريم الصادق

 

  نجاة أبوي النبي

 

  الشمائل المحمدية

 

  دلائل النبوة

 

  الدرر السنية

 

  اداب الفتوى

 

  بستان العارفين

 

مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

أرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 

 

 

المكتبة
 

البدعة الحسنة
أصل من أصول التشريع

الشيخ عيسى عبدالله محمد الحميري
المدير العام لدائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية الإمارات السابق

 

المقدمة

 الفصل الأول: تحديد مفهوم البدعة

1.     تعريف البدعة في اللغة.

2.     تعريف البدعة في الاصطلاح.

3.     معنى البدعة في القرآن.

4.     معنى البدعة في السنة المطهرة.

الفصل الثاني: الفرق بين السنة والبدعة

1.     السنة والبدعة.

2.     سنة الترك.

3.     قول الصحابي (فتواه).

 الفصل الثالث: مناقشة آراء العلماء في تقسيم البدعة

1.     منكرو البدعة الحسنة وأدلتهم.

2.     مثبتو  البدعة الحسنة وأدلتهم.

3.     الرأي الذي نرجِّحُهُ.

خاتمة: في ذكر شروط وضوابط البدعة الحسنة

--------
 

الفصل الثاني
الفرق بين السنة والبدعة

 

الســـنــة والـبــدعة

تعريف السنة

1 ـ السنة في اللغة: السيرة والطبيعة.

وقال الأزهري: السنة الطريقة المحمودة المستقيمة.

وقيل: السنة الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة. قال خالد بن زهير الهذلي:

فلا تجزعن من سنة أنت سرتها  

 فأول  راض سنة من يسيرها

وإذا عمت السيرة الحميدة والذميمة فإنها تقيد بما تضاف إليه، فلا  يخفى أن ثمت فرقاً بين سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرة أبي جهل مثلاً.

2 ـ السنة في الاصطلاح: أما في اصطلاح علماء الشريعة فقد اختلف تعريف السنة باختلاف المباحث التي تناولتها وقامت بتحديدها.

فالسنة عند علماء الأصول: هي ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

وعند علماء الحديث:  السنة ما أضيف إلى النبي صلى الله علي وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلُقية. وعلماء الفقه يختلف تعريفهم للسنة تبعاً لاختلاف أنظارهم وتفاوت أفهامهم.

وأقرب هذه التعاريف ما ارتضاه اللكنوي في كتابه تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار حيث قال: »ما في فعله ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب«.

والذي يهمنا في مجال الحديث عن البدعة هو أن السنة تطلق على ما يقابل البدعة استناداً إلى المقابلة بينهما في الأحاديث. كحديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: »فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين«، »وإياكم ومحدثات الأمور«.

قال الشيخ الخضر حسين: وتطلق ـ أي السنة ـ على ما يقابل البدعة، فيراد بها ما وافق القرآن أو حديث النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وسواء كانت دلالة القرآن أو الحديث على طلب الفعل مباشرة أو بوسيلة القواعد المأخوذة منهما. وينتظم في هذا السلك عمل الخلفاء الراشدين، والصحابة الكرام للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم.

وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: »السنة هي الشريعة نفسها، وأقسامها في الشريعة فرض أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، كل ذلك قد سنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل« اهـ.

وأوضح الدكتور دراز ذلك بأن قال: إن كلمة السنة في الاستعمال الشرعي اقتصرت عند الإطلاق على ما هو ممدوح ومطلوب، فبين أن كلمة السنة في الاستعمال الشرعي صارت إلى معنى أخص من معناها في الاستعمال اللغوي، فلا تكاد تستعمل في لسان الشرع في أمر دنيوي، بل تستعمل في الشؤون الدينية الخاصة. وإذا وردت كلمة السنة مطلقة عن القرائن في لسان النبوة والسلف الصالح اختصت بوصف تباين به البدعة، ولا تتناول على ذلك إلا ما كان حقاً وصواباً، وبعد العصر الأول انقسم  علماء الشريعة قسمين: قسم وقف عند هذا الاستعمال الشرعي، وقسم قصر السنة على ما جرى العمل به بذاته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.اهـ.

 أنواع السنة

مما تقدم من تعريف السنة يتبين لنا أنها تنقسم أربعة أقسام:

1ـ السنة القولية . 2 ـ السنة الفعلية. 3ـ السنة التقريرية.  4ـ السنة الوصفية. لكن علماء الأصول قد أهملوا السنة الوصفية باعتبار أنها لا يستفاد منها أحكام عملية تكليفية. فنوجز الكلام هنا على السنة القولية والفعلية والتقريرية.

1 ـ السنة القولية:

وهي ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم، فكل قول صحت نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وجب اتباعه فيه بحسب صيغته وما يقتضيه من وجوب ونحوه، ولا يصح إهداره أو تجاهل ما ورد فيه. وتتفاوت مراتب الأقوال بتفاوتها في درجة الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدى دلالتها صراحة أو ضمناً على الأحكام.

وسنة القول تشكل القدر الأكبر من السنة النبوية الشريفة، وتعتبر الأساس الأعظم في أخذ الأحكام والاستنباط منها فيما يعرض من شؤون.

ولعل من نافلة القول أن نذكر حجية سنة القول بعد ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولم ينفه إلا الفرق المارقة من الدين، غير أن الاجتهاد والنظر فيها يكون من حيث دلالاتها على الوجوب أو الحرمة أو غير ذلك.

قال سيدنا عمر بن عبدالعزيز: »سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين«.

قال الإمام الخضر حسين: أما دلالة القرآن أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الأمر مشروع فواضحة ولا شأن للمجتهد في صيغ الأوامر إلا أن يتفقه فيها حتى يحملها على الوجوب أو الندب، ويتدبر أمرها فيما إذا عارضها دليل آخر ليقضي بترجيح أحدهما على الآخر، أو يفصل في أن هذا ناسخ لذاك، وطرق الترجيح أو الحكم بالنسخ مقررة في كتب الأحكام.

2 ـ السنة الفعلية:

وهي ما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم. ولعل من الأهمية بمكان دراسة حجيتها ليتبين لنا صحة نسبة الابتداع لمخالفها أو عدم صحتها. وقد فصل ذلك العلامة محمد الخضر الحسين بما لا مزيد عليه فقال:

»من أفعاله عليه الصلاة والسلام ما يصدر على وجه الجِبِلَّة أو العادة كالقيام والقعود والاضطجاع والأكل والشرب واللبس، وهذا الضرب غير داخل فيما يطلب فيه التأسي، وغاية ما يفيده فعله عليه الصلاة والسلام لمثل هذه الأشياء الإباحة، فإذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قام في مكان أو زمان، أو ركب نوعاً من الدواب، أو تناول لوناً من الأطعمة، أو لبس صنفاً من الثياب فلا يقال فيمن لم يفعل شيئاً من ذلك: إنه تارك للسنة.

ومن أفعاله عليه الصلاة والسلام ما علم اختصاصه به كالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، ولا نزاع في أن مثل هذا ليس محلاً للتأسي، وما  لأحد أن يقتدي به فيما هو من خصائصه.

ومنها ما عرف كونه بياناً للقرآن كقطعه يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: فاقطعوا أيديهما وحكم الاقتداء به في هذا حكم المبيَّن من وجوب أو استحباب.

ومنها مالم يكن جبلياً ولا خصوصية ولا بياناً، وهذا إذا علمت صفته في حقه عليه الصلاة والسلام من وجوب أو ندب أو إباحة فأمته تابعة له في الحكم، إذ الأصل تساوي المكلفين في الأحكام.

فإن فعل صلى الله عليه وسلم أمراً ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة كافتتاحه الرسائل بكلمة: »بسم الله الرحمن الرحيم« فيحمل على أقل مراتب القرب وهو الندب، وإما أن لا يظهر فيه معنى القربة فيدل على أنه مأذون فيه، ومن أهل العلم من يذهب فيه مذهب المندوب إليه نظراً إلى أنه عليه الصلاة والسلام مشرع، فالأصل في أفعاله التشريع، ومثال هذا إرساله عليه الصلاة والسلام شعر رأسه الشريف إلى شحمة الأذن، وهو عمل لا يظهر فيه معنى القربة، ولكن بعض أهل العلم كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي بكر الطرطوشي جعلوه من مواضع الاقتداء، ورأى آخرون أن هذا محمول على العادة، فإذا جرت عادة قوم بنحو الحلق فلا يوصفون بأنهم تركوا ما هو سنة.

ومما يشبه إرسال الشعر إلى الأذن إرساله عليه الصلاة والسلام ذؤابة من العمامة، وهي المسماة »العذبة« وقد ورد في حديث عمرو بن حريث في فتح مكة: »كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه«، وحديث ابن عمر: »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل بين كتفيه«.

وإذا كان إرسال ذؤابة من العمامة مما لا يظهر فيه معنى القربة يكون موضعاً لاختلاف أهل العلم، فمنهم من يجعله من قبيل ما يتأسى به، وإلى هذا يجنح أبو بكر بن العربي، وقد روى الترمذي عن ابن عمر وسالم والقاسم أنهم كانوا يفعلونه، ومنهم من يراه من قبيل العادة فلا يعد المتعمم من غير عذبة تاركاً لسنة، وهذه وجهة نظر من لم يكن يرسل العذبة من السلف، قال الإمام مالك إنه لم ير أحداً يفعله إلا عامر بن عبدالله بن الزبير.

وقد يتقارب الحال في بعض الأفعال، فلا يظهر جلياً أهو عادة أم شريعة، فتتردد فيه أنظار المجتهدين، نحو جلسة الاستراحة عند قيامه للثانية أو الرابعة، فذهب بعضهم إلى أنه لم يفعلها على وجه القربة فلا تدخل في قبيل السنة، وعدها طائفة فيما يستحب من أعمال الصلاة.

ومما لم يظهر فيه معنى القربة تقديم اسمه عليه الصلاة والسلام في الرسائل على اسم المرسل إليه، ولهذا لم يحافظ عليه بعض السلف محافظتهم على ما يفهمون فيه معنى القربة، فأجازوا تأخير اسم المرسل على اسم المرسل إليه. وسئل الإمام مالك عن ذلك فقال: لا بأس به. بل روي أن ابن عمر وهو من أشد الناس محافظة على السنة قد كتب إلى معاوية ثم إلى عبدالملك بن مروان وقدم اســمــيــهمــا عــلى اسمه اهـ.

3) السنة التقريرية:

وهي ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه، فيعتبر بهذا الإقرار والموافقة صادراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه. 

فالإقرار يكون بالسكوت فقط وذلك أقله، كما يكون أيضاً بالإفصاح والإبانة عن إقراره، كما حققه الشيخ العلامة عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله في التتمة الأولى على الموقظة.

وينقسم إلى إقرار على القول، وإقرار على الفعل، وكل منهما ينقسم إلى ما فعل بحضرته، وما فعل بعيداً عنه وعلم به، إما لأن أحداً أخبره، أو لأن مثل هذا الفعل لا يمكن أن يخفى عليه اهـ.

حجية سنة الإقرار:

الحق الذي لا مرية فيه هو أن الإقرار منه صلى الله عليه وسلم حجة دالة على جواز ما أقره صلى الله عليه وسلم مالم يقترن بدليل يدل على الندب أو الوجوب.

 يقول العلامة الإمام محمد الخضر حسين رحمه الله: من مقتضى ما تقرر من عصمته صلى الله عليه وسلم وأمانته في التبليغ أن لا  يقر أحداً على أمر غير مأذون فيه شرعاً، فيكون إقراره للأمر دليلاً على أنه لا حرج في فعله سواء شاهده بنفسه فسكت، أو بلغه فلم ينكره، وما لا حرج فيه يشمل الواجب والمندوب والمباح، فيحمل على أقل مراتبه وهو الجواز حتى يقوم الدليل على الندب أو الوجوب، ولا يدل الإقرار  على جواز الفعل في حق من أقره النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل يكون الجواز حكماً شاملاً لجميع المكلفين أخذاً بالأصل الذي هو استواء الناس في أحكام الشريعة، فليس لأحد أن يعد اللعب في المسجد بالسلاح تمريناً على الحرب أمراً مخالفاً للسنة بعد أن ثبت أن النبي صلى الله عليه  وسلم أقر الحبشة على اللعب في مسجده بالحراب، وليس لأحد أن ينكر على المعتدة عدة وفاة إذا خرجت للاستفتاء بعد أن ثبت أن فريعة بنت مالك خرجت للاستفتاء بعد وفاة زوجها تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع العدة، فقال لها: امكثي حتى تنقضي عدتك، ولم يتعرض لخروجها بإنكار اهـ.

وكون الإقرار حجة على الجواز هو ما ذهب إليه أكثر علماء الأصول والحديث، سوى ما كان من مخالفة الإمام الشاطبي حيث ذهب إلى أن التأسي بالإقرار لا يتم جوازه أو قبوله إلا إن وافقه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فالإقرار عنده لا يدل على مطلق الجواز من غير نظر، بل منه ما يكون كذلك كالإقرار على المباحات الصرفة والمطلوبات، ومنه ما لا يكون كذلك، كالإقرار على سماع الغناء غير المحرم، فإن قارن الإقرار قول فالحكم ظاهر وهو مطلق الصحة والإذن، وإن قارنه فعل فينظر إلى الفعل فيقضى بمطلق الصحة فيه مع المطابقة دون المخالفة.

وهو بذلك مخالف لجمهور علماء الأمة الذين رأوا أن الإقرار دليل الجواز، فلم يشترطوا في جواز ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم فعله لذلك، أو مشاركته فيما أقر عليه أو في مثله.

 وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم مشرع، ولا يُجوِّز لأمته إلا ما لا شائبة للحرمة فيه، فلو أقر صلى الله عليه وسلم على ما ليس بحق كان مقراً على منكر، وهو معصوم من أن يقر أحداً على منكر.

 ثم إن في ترك الإنكار فوق ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز أيضاً.

قال الإمام الغزالي رحمه الله :  فإن قيل: إن كان فعله بياناً، فتقريره على الفعل وسكوته عليه وتركه الإنكار واستبشاره بالفعل أو مدحه له هل يدل على الجواز، وهل يكون بياناً؟

قلنا: نعم، سكوته مع المعرفة وتركه الإنكار دليل على الجواز؛ إذ لا يجوز له ترك الإنكار لو كان حراماً، ولا يجوز له الاستبشار بالباطل، فيكون دليلاً على الجواز كما نقل في قاعدة القيافة.  وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك على المعصية ويجوز عليه الصغيرة، ونحن نعلم اتفاق الصحابة على إنكار  ذلك وإحالته.انتهى.

علاقة السنة التقريرية بالبدعة الحسنة

إن بين سنة الإقرار ومفهوم البدعة علاقة وثقى ورابطة محكمة وصلة وطيدة، ومع ذلك فإنها مما لم تتبين لكثير من العلماء، ولم يتفطن لها كثير من الفضلاء، وفيما يلي بيان لها:

فابتداء نعود فنُذكِّر بمعنى سنة الإقرار بشيء من البيان والوضوح فنقول:

إن السنة التقريرية تعني أن يقول أحد الصحابة قولاً أو أن يفعل فعلاً ابتداء من نفسه، دون أن يكون له سند من كتاب أو سنة يخصه بعينه، ثم يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فيسكت عنه صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، أو يقرره بقول منه أو فعل من جنسه أو استبشار به أو دعاء لفاعله، إلى غير ذلك مما يعلم به جواز هذا الفعل أو القول، فيصير سنة نبوية شريفة بهذا الإقرار يعلم بها جواز ما أقره له ولغيره من الأمة كما فصله وقرره علماء الشريعة الغراء.

فالناظر في هذا الكلام يعلم أن للسنة التقريرية أركاناً لابد منها:

1 ـ إحداث أحد الصحابة الكرام شيئاً لم يكن.

2 ـ بلوغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

3 ـ إقراره صلى الله عليه وسلم لذلك بسكوت أو قول أو فعل أو غير ذلك.

ومن هذا البيان والتفصيل تتبين لنا العلاقة الوثقى بين ســنة الإقرار ومفهوم البدعة، حيث إن سنة الإقرار في أصلها بدعة أحدثها الصحابي، ثم بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر فاعلها وجوز فعلها. ولو أن كل بدعة ضلالة في الدين لا يجوز فعلها لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل فعل للصحابة لم يكن لهم به سند من كتاب أو سنة، ولكن الناظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يقررهم على كثير من الأفعال والأقوال التي ابتدؤوها من أنفسهم إن كانت داخلة في عموم دليل شرعي أو راجعة إلى قاعدة شرعية. وفي السنة الشريفة أمثلة كثيرة على ما ذكرناه، فمن ذلك:

1ـ ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الفجر: »يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك في الجنة«، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً قط في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي.

قال ابن حجر: يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة، لأن بلالاً توصل إلى ما ذكره بالاستنباط، فصوبه الرسول صلى الله عليه وسلم. انتهى.

فانظر ـ رعاك الله ـ إلى سيدنا بلال رضي الله عنه كيف أحدث عبادة لم يرد بها نص من قرآن، أو أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصها بعينها، وواظب عليها مدة من الزمن دون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت موقع القبول من الله تعالى بحيث كانت سبباً في دخوله الجنة، فقد قال له صلى الله عليه وسلم ـ كما في رواية الترمذي ـ »بهما« أي: بهاتين الركعتين نلت هذه المنزلة العظيمة، فكان ذلك إقراراً منه صلى الله عليه وسلم لسيدنا بلال على ما أحدث، وأضحت هاتان الركعتان بعد الوضوء سنة في حق الأمة كلها.

 2 ـ ما رواه البخاري وغيره عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: »سمع الله لمن حمده«. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: »من المتكلم«؟ قال: أنا: قال: »رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها«.

قال الحافظ ابن حجر: استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور اهـ.

3 ـ ما جاء في صحيح مسلمة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »من القائل كلمة كذا وكذا« قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. قال: »عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء«. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

فانظر إلى هذا الذكر الذي فتحت له أبواب السماء، وقد قاله الصحابي ابتداء من نفسه دون أن يكون له سند من كتاب أو سنة، ثم أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر فضيلته فصار سنة نبوية شريفة التزمها سيدنا ابن عمر ومن بعده من الأمة كثيرون.

والأدلة على ما قلناه كثيرة، والأمثلة وفيرة لمن طالع كتب السنة بعين التحقيق والإنصاف، فسوف يرى أن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة البدع والمحدثات لم تكن بردها دائماً، بل منها ما يقبله، بل ويرتضيه ويقرره ويذكر له فضيلة عظيمة كما في الأمثلة السابقة، ومنها ما يرده إن كان يخالف مقاصد الشريعة ويفوت مصالحها أو يصادم نصوصها، كإنكاره صلى الله عليه وسلم على النفر الذين سألوا عن عمله فتقالوه، فشددوا على أنفسهم بصوم الدهر واعتزال النساء وقيام الليل كله؛ لما في ذلك من التشديد والتنطع المخالف لروح الدين اليسر الحنيف. فنستطيع أن نقول: إنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر مبدأ الإحداث قطّ، وإنما كان ينكر المحدثات إذا لم تتوفر فيها شروط القبول والموافقة للشرع الإسلامي الحنيف.

بل إننا لنلاحظ أيضاً أن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم مع شدة حرصهم على متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله لم يفهموا من ذلك أن كل محدثة بدعة ضلالة لا ينبغي الإتيان بها، بل كانوا يفعلون كما رأينا بعض مالم يكن لهم فيه نص من كتاب أو سنة إن علموا أن مقاصد الشريعة تسعه، ونصوصها لا تأباه.

فإن قال قائل: إن ذلك جائز في حياته صلى الله عليه وسلم لأنه سيعلمه إما بإخبارهم أو بوحي من الله تعالى، فإن كان هدىً أقره، وإن كان ضلالة رده، أما بعد حياته صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي فذلك غير جائز.

قلنا: إن من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أحدث أشياء  ليس له فيها نص بعينها، وهو يعلم أنه لن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد لينظر فيما فعل أهو سنة حسنة أم بدعة ضلالة، ومن ذلك صلاة سيدنا خبيب بن عدي رضي الله عنه ركعتين قبل أن يقتل حيث جاء في حديث البخاري: فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً.

قال الدكتور محمود عبود هرموش في كتابه (البدعة وأثرها في اختلاف الأمة): وفي هذا تصريح واضح بأن خبيباً اجتهد في توقيت العبادة ولم يسبق من الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر ولا فعل، وهو علم أنه سيموت قبل أن يعرض عمله هذا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أقدم على هذا العمل وهو يعلم أنه لن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أراد أحد إيقاع الصلاة في غير أوقات الكراهة التي نهى الشارع عن إيقاع الصلاة فيها، فإن هذا الفعل يكون من قبيل السنة الحسنة، وأما من يوقعها في أوقات النهي فإن فعله يكون من قبيل البدعة المذمومة لكونها وقعت مخالفة لهديه وسنته صلى الله عليه وسلم.انتهى.

أقول: فهل مات سيدنا خبيب ضالاً مبتدعاً بإحداثه هاتين الركعتين قبل أن يعلم بأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقره عليهما؟!! حاشا وكلا، بل هو المؤمن الصالح والشهيد الكريم الــذي رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامه فقال: »وعليك السلام يا خبيب قتلته قريش«  ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وانقطع الوحي، فإن نصوص القرآن والسنة ما زالت موجودة محفوظة ولله الحمد، وما زالت قواعد الشرع الحنيف ومقاصده قائمة معلومة يعرض عليها كل محدث وجديد، فإن قبل في ميزانها كان بدعة حسنة، وإلا فهو بدعة ضلالة نبرأ إلى الله منها، ولسنا ندعي حسن البدعة دون ضوابط وقواعد وعرض على الكتاب والسنة، بل لذلك شروط وقواعد لابد منها سنعرض لها إن شاء الله تعالى في خاتمة بحثنا. والله الموفق.

  

الترك

ما الترك؟ هو أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم  شيئاً أو يتركه السلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك يقتضي تحريمه أو تركه.

أنواع الترك:

وهذا الترك يكون على أنواع متعددة:

1 ــ أن يكون تركه لمانع طبعي أو نفور جبلي ، ومثاله تركه صلى الله عليه وسلم أكل لحم الضب لما قدم له، وفي الحديث سئل: أحرام هو؟ فأجاب بـ »لا« فدل على أن تركه لم يحرمه.

2 ـ  أن يكون تركه نسياناً له، كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم سها في الصلاة فترك منها شيئاً، فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟ فقال: »إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني«.

فهؤلاء الصحابة لما ترك شيئاً من الصلاة لم يستفيدوا من تركه حكماً، بل راجعوه،وأجابهم صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن تركه لا يفيد حكماً أيضاً.

3 ـ أن يكون تركه مخافة أن يفترض على الأمة: كتركه الجماعة في التراويح لما رأى اجتماع الصحابة عليها خوف أن تفترض عليهم.

4 ـ أن يكون تركه خشية الفتنة: كتركه صلى الله عليه وسلم نقض البيت وبناءه على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين. فتركه صلى الله عليه وسلم حفاظاً على قلوب الصحابة القريبي العهد بالإسلام من أهل مكة.

5 ـ وقد يكون تركه لسبب خاص به لا يشاركه فيه غيره. كتركه أكل الثوم وما شابهه من كل ذي رائحة كريهة خوف إيذاء الملك وقت الوحي، ولم يقل أحد بتحريم أكل الثوم بتركه صلى الله عليه وسلم.

وقد يكون لغير ذلك من الأسباب. والله أعلم.

حكم ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم:

رأينا من خلال الأمثلة السابقة أن تركه صلى الله عليه وسلم للشيء لا يدل على تحريمه، فقد ترك أكل لحم الضب ثم قرر صلى الله عليه وسلم بأنه ليس بحرام، وترك شيئاً من الصلاة سهواً ثم عاد فأتمها، وترك الجماعة في التراويح مخافة افتراضها، ثم جمع الصحابة من بعده ولم ينقل عن أحد من الأمة إنكارها، وترك نقض الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم مع رغبته في ذلك مخافة تغير قلوب أصحابه، وترك أكل الثوم ولم يقل أحد من الأمة بتحريمه، فالترك على ذلك لا يفيد التحريم، فماذا يفيد إذن؟

يقول الشيخ عبدالله بن الصديق في حسن التفهم والدرك لمسألة الترك: والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك (أي التحريم) بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع، وأما أن ذلك الفعل المتروك يكون محظوراً فهذا لا يستفاد من الترك وحده، وإنما يستفاد من دليل يدل عليه. اهـ.

إذن فالترك لا يدل إلا على أن الفعل المتروك يجوز تركه ـ اللهم إلا ما تركه سهواً ـ أمّا حكم فعله فهذا شيء آخر، فقد يكون حراماً لا لمجرد الترك بل لدليل يدل على التحريم، كما قد يكون مباحاً أو مندوباً أو مكروهاً حسب الدليل.

 والله أعلم. وانظر في ذلك رسالة الشيخ الغماري فإنه أتى فيها بما لا مزيد عليه.

رأي ابن تيمية في الترك:

قسم ابن تيمية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم قسمين: الأول: ما تركه مع وجود المقتضي لفعله في عهده صلى الله عليه وسلم، وهذا الترك يدل على أنه ليس بمصلحة ولا يجوز فعله. ويمثل لذلك بالأذان لصلاة العيدين حيث أحدثه بعض الأمراء، فمثل هذا الفعل تركه الرسول صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضياً مما يمكن أن يستدل به من ابتدعه ككونه ذكر الله، ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات كقوله تعالى: اذكروا الله ذكراً كثيراً[الأحزاب:41] وقوله: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً[فصلت:33] ويدخل أيضاً في القياس على صلاة الجمعة.

وهذه الأمور كانت موجودة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما أمر بالأذان للجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، دل تركه على أن ترك الأذان هو السنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة فيه كالزيادة في أعداد الصلوات وأعداد الركعات، أو زيادة أيام الصوم المفروضة أو شعائر الحج المطلوبة ونحو ذلك.

والثاني: ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لعدم وجود ما يقتضيه، لحدوث المقتضي له بعد موته صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا قد يكون مصلحة وقد يكون جائزاً.

ويمثل ابن تيمية لهذا النوع بجمع القرآن، فقد كان المانع من جمعه على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو لتعذر تغييره في كل وقت، فلما استقر القرآن واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم.انتهى بتصرف.

أقول: هذا كلام ليس بمحرر ولا محقق، فقد اشتبهت عليه هذه المسألة كما قال الشيخ عبدالله بن الصديق بمسألة السكوت في مقام البيان، صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة، لكن لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه، وإنما لأنه صلى الله عليه وسلم بين في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان، فدل سكوته على أنه غير مشروع.

والقاعدة: أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، وإلى هذه القاعدة تشير الأحاديث التي نهت عن السؤال ساعة البيان.

روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »وما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: وما كان ربك نسياً«. قال البزار: إسناده صالح. وصححه الحاكم.

وروى الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها«.

ففي هذين الحديثين إشارة واضحة إلى القاعدة المذكورة، وهي غير الترك الذي هو محل بحثنا في هذه الرسالة، فخلط إحداهما بالأخرى مما لا ينبغي.اهـ.

وقال الدكتور عزت عطية: وما قاله هؤلاء العلماء الأجلاء يمكن أن نصل إليه بغير ما استدلوا به، فالأذان مثلاً خاص بالصلاة المفروضة، فنقله إلى غيرها ليس له ما يبرره، والقياس لا يدخل في باب العبادات، وليس الأذان للعيدين مما سكت عنه الشرع، وإنما بين الشرع أحكام العيدين بما لم يترك زيادة لمستزيد، فأي زيادة على ذلك تغيير للدين بالزيادة.

أما جمع القرآن ونحوه فمن الأمور المصلحية. وقد اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بجمعه في الصحف على عهده بالنسبة إلى مجموع الصحابة وتداوله بينهم، وإن قال بعض العلماء أو أغلبهم بجمع المصحف على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا ما يماثله.اهـ.

أقول: وقد ادعى بعضهم بناء على كلام ابن تيمية السابق أن الدعاء بعد الصلاة في جماعة بدعة لا ينبغي فعلها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها مع وجود المقتضي لها.

وهذا الكلام مردود برد كلام ابن تيمية السابق، وعلى فرض صحة كلامه فهذا كلام مردود أيضاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعُ بجماعة بعد الصلاة لوجود مانع يمنع من ذلك، فإن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسبابه انتظار خروج النساء، والنساء كن يخرجن مباشرة بعد السلام حتى لا يحدث اختلاط بين الرجال والنساء، فإذا كان سيدعو بالجماعة بعد أذكاره فلن يخرج النساء انتظاراً لدعائه المستجاب، وخروجهن بعد الدعاء ربما كان سبباً لريبة ما، لأن الرجال قد فرغوا من الأذكار ومما يشغلهم عن النساء.

فترك صلى الله عليه وسلم الدعاء بالجماعة برغم ما فيه من المصلحة الواضحة خوفاً من مفسدة أعظم، ومعلوم في الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فإن انتفت العلة كحال مساجدنا اليوم فيستحب الدعاء الجماعي لما فيه  من الخير العظيم. والله أعلم.

هذا وإن السنة قد رصدت لنا بعض مواقف النبي صلى الله علي وسلم ممن فعل من الصحابة أمراً تركه النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما رواه البخاري في باب الجمع بين السورتين في الركعة من كتاب الصلاة عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بــقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم.

وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال:»يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟«

فقال: إني أحبها. فقال: »حبك إياها أدخلك الجنة«.

فانظر أخي ـ هداني الله وإياك ـ إلى هذا الصحابي الذي فعل فعلاً تركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فأقره  النبي صلى الله عليه وسلم بل وبشره بسببه بدخول الجنة. قال الحافظ في الفتح: ويومئ إلى أن فعله زيادة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم فدل تبشيره بالجنة على الرضا بفعله، ونقل عن ابن المنير قوله: إن المقاصد تغير أحكام الفعل لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادته لها أنه لم يحفظ غيرها مثلاً لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهر صحة قصده فصوبه.

ثم انظر ما أشبه حال هذا الصحابي مع المنكرين عليه بحالنا مع المنكرين علينا في إقامة المولد الشريف الذي ما حملنا عليه إلا محبتنا لهذا النبي المعظم في أهل السموات والأرض، والذي أنقذنا الله به من الضلال والكفر والظلمات، فإن تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعله فقد ترك ما فعله ذلك الصحابي ثم أقره على فعله وبشره بالجنة على ما حمله على ذلك الفعل، فلعل الله أن يجود علينا بفضله، ويدخلنا الجنة بحبنا لهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، إنه جواد كريم، وعندها فليمت المنكرون بغيظهم.

ولقد فعل الصحابة رضوان الله عليهم أشياء تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفعلها، وفعل الصحابة من سنن الدين التي أمرنا باتباعها كما سنبين فيما بعد، فكان فعلهم دليلاً على جواز إحداث ما ترك في الصدر الأول، إن دعت إليه مصلحة أو حاجة، وكان مما يدخل تحت أصول الشريعة وقواعدها العامة، فمما فعله الصحابة من الأمور التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أ ) الأذان الأول يوم الجمعة:

فقد أخرج البخاري وابن ماجه والترمذي وغيرهم عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثُر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء.

ب) زيادة ابن عمر في التشهد:

 فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد: »التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته  ـ قال ابن عمر: زدتُ فيها: (وبركاته) ـ  السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ـ قال ابن عمر: زدتُ فيها: (وحده لا شريك له) ـ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله«.

جـ) تعدد صلاة العيد في مصر واحد:

فقد قال ابن تيمية في منهاج السنة: أحدث عليُّ بن أبي طالب في خلافته العيد الثاني بالجامع، فإن السُّنة المعروفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أنه لا يصلى في المصر إلا جمعة واحدة، ولا يصلى يوم النحر والفطر إلا عيد واحد، فلما كان عهده قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلى فاستخلف عليهم رجلاً يصلي بالناس بالمسجد. انتهى.

فبهـذه الأدلــة وغيــرها يتبين لنا أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم ليس دليلاً على التحريم، وإلا لما فعل الصحابة هذه الأشياء  التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

فعل بعض العلماء أشياء تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم

1 ـ الإمام أحمد بن حنبل يجوز دعاء ختم القرآن الذي لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال ابن قدامة في المغني ما نصه: »فصل في ختم القرآن«: قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبدالله فقلت: أختم القرآن؛ أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين. قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام. قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت. قال: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه.

قال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة: قل أعوذ برب الناس فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع.

قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة. انتهى.

فهذا الفعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بل تركه، ولو فعله لنقله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلينا، وهم الحريصون على نقل هديه صلى الله عليه وسلم، فهذه بدعة حسنة فعلها الإمام أحمد، وأفتى بها، ومن قبله سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى في ناس من أهل مكةالمكرمة،دون أن يكون لهم بها دليل خاص من كتاب أو سنة يستندون إليه، وما ذلك إلا لفهمهم حقيقة الشريعة الغرّاء، والتي أقرّت القواعد والأصول العامة التي تندرج تحتها جزئيات كثيرة دون أن يكون لكل واحدة منها دليلٌ يخُصُّها بعينها.

فلماذا لا نطالب الإمام أحمد وسفيان بن عيينة رحمهما الله بدليل خاص بهذه المسألة، ولا ننكر عليهما فعلهما وفتواهما، ثم ننكر بعد ذلك على من يحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحيي ليلة النصف من شعبان، ويدعو بعد الصلوات المكتوبة جماعة، مع أن هذه المسائل تندرج تحت أصول عامة في الشريعة الغراء، كمسألة الدعاء بعد ختم القرآن.

وهذا من التناقض الذي لا ينبغي في مسائل العلم ولا في موازين الفقه والدين. اللهم ألهمنا الصواب واهدنا سبل الرشاد.

2 ـ بدعة ابن تيمية في ذكر الله عزّ وجلّ:

جاء في كتاب: (الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للحافظ عمر بن علي البزار): "وكان قد عرفت عادته؛ لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر فلا يزال في الذكر يسمع نفسه وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر في تقليب بصره نحو السماء. هكذا دأْبُه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة".

وكنت مدة  إقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيراً من الليل. وكان يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها ويقطع ذلك الوقت كله ـ أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس ـ في تكرير تلاوتها.

ففكرت في ذلك؛ لمَ قد لزم هذه السورة دون غيرها؟ فبان لي ــ والله أعلم ــ أن قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ ما ورد في الأحاديث، وما ذكره العلماء: هل يستحب حينئذ تقديم الأذكار الواردة على تلاوة القرآن أو العكس؟ فرأى رضي الله عنه أن في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعاً بين القولين وتحصيلاً للفضيلتين، وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته«.انتهى.

قلت: هذا الأمر محض ابتداع من ابن تيمية؛ حيث خصَّ ذكراً بعينه مبتَدَعاً من عنده، دون أن يَرِدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه دليل. وجعله في وقت مخصوص لم يرد فيه نص أيضاً.

وهنا نتساءل وكلنا حيرة وعجب : لِمَ يُمْتَدَحُ ابن تيمية بمثل هذه البدع، ويعد ذلك من قوة فطنته وثاقب بصيرته؟ ثم تُعد أوراد الصوفية التي اتخذوها لأنفسهم كما فعل ابن تيمية من بدعهم ومنكراتهم.

وأين أتباع ابن تيمية الذين يعدونه شيخ الإسلام من بدعته هذه؟! وأين إنكارهم عليه عبادته التي اتخذها لنفسه  ولم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة ولا التابعين؟ أم أن البدع في نظرهم تُنْكَرُ على أقوام وتُقَرُّ لأقوام؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

 

قول الصحابي (فتواه)

لما  توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جدت بعض الحوادث، التي أفتى بها من اشتهر من الصحابة بالعلم والفقه، وقد نقلت هذه الفتاوى إلى المسلمين،فاختلف العلماء في الاحتجاج بهذه الفتاوى، فاحتج  بها فريق وخالفهم فريق آخر، وتحقيق القول في بيان مذاهب العلماء نبينه فيما يلي:

أولاً: إن فتوى الصحابي وقوله لا يعتبران حجة على صحابي مثله لاستوائهما في المنزلة والصحبة، وقد اختلف الصحابة ولم ير أحدهم أن قوله حجة على الآخرين. وهذا الحكم محل إجماع بين علماء المسلمين.

ثانياً: إن قول الصحابي فيما لا يدرك بالقياس، ولا مجال فيه للاجتهاد بالرأي يكون في حكم السنة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ حكمها في  الحجية والاستدلال.

وقد مثل الحنفية لذلك بما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بدورة مغزل.

وما روي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام.

ومثّل له الشافعي رضي الله عنه بما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه من أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات.

يقول الإمام الشافعي فيما روي عن علي كرم الله وجهه: »لو ثبت ذلك عن علي لقلت به لأنه لا مجال للقياس فيه فالظاهر أنه فعله توقيفاً« أي: نقلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكنه لم يقل به رحمه الله تعالى لأنه لم يثبت عنه.

ثالثاً: إن قول الصحابي الذي صدر عن رأي واجتهاد واشتهر عنه ولم ينقل له مخالف يدخل في الإجماع السكوتي، وحكم الإجماع السكوتي مبين في كتب الأصول، فرأي أحدهم قد يكون مجمعاً عليه منهم، حيث لم يعرف له منهم مخالف، إذ لو كان لأحدهم رأي مخالف لعرفه العلماء الذين تتبعوا آثارهم، وإذا كان قد أثر عن بعضهم رأي وأثر عن البعض الآخر رأي يخالفه فالخروج عن مجموع آرائهم خروج على جمعهم، وذلك شذوذ  في التفكير يرد على صاحبه.

رابعاً: إن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد دون أن يشتهر عنه لكونه مما لم تعم به البلوى ولم يتكرر وقوعه قد اختلف العلماء في حجيته.

فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والثوري والشافعي قديماً إلى أنه حجة مقدم على القياس.

وذهب الأشاعرة والمعتزلة وأحمد في رواية والشافعي في الجديد إلى أنه ليس بحجة.  وقد استدل الفريق الأول بأدلة من المنقول والمعقول،

فمن المنقول:

 أ) قوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه[التوبة:100].

فإن الله سبحانه وتعالى مدح الذين اتبعوهم، فكان اتباعهم في هديهم أمراً يستوجب المدح، وليس أخذ كلامهم على أنه حجة إلا نوعاً من الاتباع.

ب) قول الرسول صلى الله عليه وسلم: »...وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون«.

جـ ) وقوله صلى الله عليه وسلم: »خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم«.

ومن المعقول:

أ) أن احتمال أن تكون آراؤهم سنة نبوية احتمال قريب، لأنهم كثيراً ما كانوا يذكرون  الأحكام التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم لهم من غير أن يسندوها إليه صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن أحداً لم يسألهم عن ذلك. ولما كان ذلك الاحتمال قائماً، مع أن رأيهم له وجه من القياس والنظر كان رأيهم أولى بالاتباع لأنه قريب من المنقول موافق للمعقول.

ب) أن الصحابة أقرب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من سائر الناس، وهم الذين شاهدوا مواضع  التنزيل، ولهم من الإخلاص والعقل والاتباع للهدي النبوي ما يجعلهم أقدر على معرفة مرامي الشرع، إذ إنهم رأوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، فإن إدراكهم لها يكون أكثر من إدراك غيرهم ويكون كلامهم فيها أجدر بالاتباع.

فأين من  المسلمين من يدرك من النصوص الشرعية مثل ما يدرك سيدنا عبدالله بن مسعود مثلاً وهو الذي يقسم أنه ما نزلت من آية إلا وهو يعرف أين نزلت وفيمَ نزلت ولمَ.

جـ ) أنهم إذا أُثر عنهم رأي أساسه القياس، ولنا من بعدهم قياس يخالفه، فالاحتياط اتباع رأيهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »خير القرون قرني الذي بعثت فيه...« .

قال ابن القيم:

إن الصحابي إذا قال قولاً أوحكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه [فيها]، فأما ما يختص به فيجوز أن يكــون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاهاً أو من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمعه، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة إلى ما رووه، فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث، ولم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده، بل صحبه من حيث بعث بل قبل البعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم، وبقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة، رواياتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزادوا على رواية أبي هريرة أضعافاً مضاعفة، فإنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير. فقول القائل: لو كان عند الصحابة في هذه الواقعة شيء لذكره قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا  يهابون الرواية ويعظمونها، ويقللون منها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء  الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مراراً ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلك الفتوى التي يفتي بها الصحابي لا تخرج عن ستة وجوه:

أحدها: أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها.

الثالث: أن يكون فهمها من آية في كتاب الله فهماً خفي علينا.

الرابع: أن يكون قد اتفق عليه ملؤهم ولم ينتقل إلينا إلا قول المفتي وحده.

الخامس: أن يكون رأيه لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله، وسيرته وسماع كلامه، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم مالم نفهمه نحن.

 وعلى هذه التقارير الخمسة تكون فتواه حجة علينا.

السادس: أن يكون فهم مالم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم  وأخطأ في فهمه، وعلى هذا التقرير لا يكون قوله حجة.

 ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، هذا مالا يشك فيه عاقل، ولذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على الصواب وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه.

وقد استدل ابن القيم على حجية قول الصحابي  بستة وأربعين  دليلاً.

تنبيه مهم:

إن ما نسب إلى الإمام الشافعي في مذهبه الجديد من أنه لا يرى حجية قول الصحابي وفتواه هو ما نقله عنه الأصوليون واشتهر بينهم، بيد أن العلامة الإمام محمد أبو زهرة ينقل عنه من كتبه خلاف ذلك فيقول:

ولقد قاله (أي: حجية قول الصحابة) الإمام الشافعي في الرسالة برواية الربيع، وهي من كتابه الجديد: ولقد رأيت أهل العلم يأخذون بقول واحد (أي: من  الصحابة) مرة ويتركونه أخرى، ويتفرقون في بعض ما أخذوا منهم، قال: (أي مناظره) فإلى أي شيء صرت من هذا؟ قلت: اتباع قول واحد هم إذا لم أجد كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً ولا شيئاً في معناه يحكم«.

ويقول في الأم برواية الربيع أيضاً وهو كتابه الجديد: »إن لم يكن في الكتاب والسنة صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو واحد منهم، ثم كان قول أبي بكر وعمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة، لنتّبع القول الذي معه الدلالة«.

ثم قال رحمه الله: ومع أنه روي عن أولئك الأئمة (الأئمة الأربعة) تلك الأقوال الصريحة فقد وجد من كتاب الأصوليين بعد ذلك من ادعى أن الشافعي رضي الله عنه في مذهبه الجديد كان لا يأخذ بقول الصحابي، وقد نقلنا لك من الرسالة والأم برواية الربيع بن سليمان الذي نقل مذهبه الجديد ما يفيد بالنص القاطع أنه كان يأخذ  بأقوال الصحابة إذا اجتمعوا،وإذا اختلفوا اختار من أقوالهم ما يكون أقرب إلى الكتاب والسنة. انتهى.

أقول: فمذهب الشافعي بعدما نقله العلامة أبو زهرة يحتاج إلى مزيد تحقيق،إذ إن فحول الشافعية وعلماءهم نقلوا عن إمامهم عدم احتجاجه بقول الصحابي في المذهب الجديد.والله أعلم.

 وكذلك الإمام أبو  يوسف القاضي رحمه الله تعالى مذهبه الاحتجاج بقول الصحابي، فقد قال الكرخي رحمه الله: أرى أبا يوسف يقول في بعض مسائله: القياس كذا إلا أني تركته للأثر، وذلك الأثر قول واحد من الصحابة.

ثم قال السرخسي رحمه الله تعالى: وهذا الذي ذكره الكرخي عن أبي يوسف موجود في كثير من المسائل عن أصحابنا. ثم مثل السرخسي بأمثلة تفيد قطعاً أن الحنفية يقدمون قول الصحابي على القياس.

إذن فالقول بحجية فتوى الصحابي هو مذهب جماهير العلماء  الذين يتبعهم أكثر الأمة المحمدية، فإن تعجب بعد ذلك فعجب ما قاله الشوكاني محتجاً على أن قول الصحابي ليس بحجة »... فمن قال: إنه تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يرجع إليهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعاً لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم وتقوُّل بالغ«.

 ويختم ذلك بقوله: »اعرف هذا واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولاً إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على  لسان سواه من أمته حرفاً واحداً، ولا جعل شيئاً من الحجة عليك في قول غيره كائناً من كان«.

ينقل أبو زهرة هذا الكلام العجيب ثم يعقب قائلاً: ولا شك أن هذه مغالاة في رد  أقوال الصحابة، ومن الواجب علينا أن نقول: إن الأئمة الأعلام عندما اتبعوا أقوال الصحابة لم يجعلوا رسالة لغير محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعتبروا حجة في غير الكتاب والسنة، فهم مع اقتباسهم من أقوال الصحابة متمسكون أشد الاستمساك بأن النبي صلى الله عليه وسلم واحد، والسنة واحدة والكتاب واحد، ولكنهم وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى. ونقـلـوا أقـوال محمد صلى الله عليه وسلم إلى من بعدهم فكانوا أعرف الناس بشرعه وأقربهم إلى هديه، وأقوالهم قبسة نبوية وليست بدعاً ابتدعوه ولا اختراعاً اخترعوه، ولكنها تلمس للشرع الإسلامي من ينابيعه، وهم أعرف الناس بمصادرها ومواردها فمن اتبعهم فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: »والذين اتَبَعُوهُم بإحسان«اهـ.

أقول: فمن فهم هذه المعاني ونظر في قول الشوكاني أدرك أنه كلام من لم يفهم عن الأئمة ولم يدرك مرادهم. والله أعلم.

وتبين كذلك أن مذهب الصحابي هو قول الجمهور لا العكس كما قرر الشيخ الخضري في أصوله.

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا باتباع سنة خلفائه الراشدين بقوله: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ«.

ففي هذا الحديث دليل على حجية قول الأصحاب، ومزيد عناية بسنة الراشدين وهذا ما جعل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول في الأم: »إن لم يكن في الكتاب والسنة صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  أو واحد منهم، ثم كان قول أبي بكر وعمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة، لنتبع القول الذي معه الدلالة«.

يعقب الشيخ محمد أبو زهرة قائلاً: وإن هذا يدل على أنه يأخذ بالكتاب والسنة، ثم ما يجمع عليه الصحابة، وما يختلفون فيه يقدم من أقوالهم أقواها اتصالاً بالكتاب والسنة، فإن لم يستبن له أقواها اتصالاً بهما اتبع ما عمل به الأئمة الراشدون رضوان الله تبارك وتعالى عنهم، لأن قول الأئمة مشهور وتكون أقوالهم ممحصة عادة.انتهى.

 قال ابن العربي المالكي :أمره بالرجوع إلى سنة الخلفاء لأمرين: الأول: التقليد لمن عجز عن النظر.

الثاني: الترجيح عند اختلاف الصحابة، فيقدم الحديث الذي فيه الخلفاء أو أبو بكر أو عمر، وإلى هذه النزعة كان يذهب مالك، ونبه عليها في الموطأ، وقد قالوا في الجد: إن الذي قال فـيه رســـول الله صلى الله عليه وسلم: »لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذته« يعني أبا بكر جعله بمنزلة الأب.انتهى.

فهذا فيه دلالة واضحة على أن الحديث محمول على سنتهم في الدين من اجتهاد أو قياس قاسوه لا كما قال الصنعاني: »وأما حديث عليكم بسنتي ونحوه، فليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عمر رضي الله عنه نفسه سمى ما رآه من تجميع صلاة القيام لليالي رمضان بدعة،  ولم يقل: إنها سنة. فــتــأمــل، عــلى أن الـصحابة رضي الله عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل على أنهم لم يحملوا الحديث على أن  ما قالوه وفعلوه حجة اهـ.

قال الشيخ عزت عطية في »البدعة«: وما قاله كله غير مقبول؛  فادعاء حصول المخالفة من الراشدين للسنة ادعاء خاطئ وقد رددنا عليه، والقول بأن الحديث يعم كل خليفة راشد يرده ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحديد الخلافة الراشدة بزمن معين حيث قال:

»خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء«.

ثم إن وصف الخلافة بالراشدة لم يرد بإطلاق على هؤلاء الخلفاء.

أما حمل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم على ما اتفقوا عليه دون ما انفرد به واحد منهم فيرد عليه بما ذكره السيد السند في حواشي المشكاة بأن الألف واللام في لفظ الخلفاء ليست للجنس، وإنما لاستغراق أفراد الخلفاء كما تقرر في الأصول.

ومما يؤيد ما ذكره السيد السند قوله صلى الله عليه وسلم:

»اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر«.

والقول بتخصيص سنتهم بما وافق السنة من أمر الجهاد والسياسة تخصيص بغير مخصص ولا دليل عليه، ولو كان الأمر كذلك لما كان ثمة احتياج إلى النص على اتباع سنتهم وعطفها على سنته، والعطف يقتضي التغاير.

وأما عن الاستشهاد بمخالفة الصحابة لهم في مواضع ومسائل فلا دليل فيه، لأن ذلك محمول على أنهم لم يعلموا بما سنه الخليفة أو الخلفاء أو لم يعلموا بالأحاديث الدالة على   وجوب اتباعهم كحديث العرباض، أو لعلهم استندوا فيما خالفوا فيه إلى سنة لم يعلمها الخلفاء، وهي مقدمة باتفاق على سنتهم وهو نفس ما يجاب به عن مخالفة أي صحابي لما ثبت من السنة.

وعلى ذلك فسنة الخلفاء الراشدين أو أحدهم مأمور باتباعها بإطلاق، وكل ما سنوه هو في إطار السنة النبوية الشريفة.

نعم يمكن القول بأن اتباع سنتهم مشروط بأن لا تخالف سنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلموا بها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رتب الاتباع فجعل سنته مقدمة في الاعتبار، ثم جعل سنة الخلفاء تابعة لها في الرتبة.

ومن ذلك ما حكاه الشافعي رحمه الله عن عمر رضي الله عنه في دية الأصابع حيث فاوت بينها في القدر لتفاوتها في النفع لأنه لم يسمع فيها شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العلماء حين رأوا كتاب عمرو بن حزم وفيه المساواة بينها في الدية دون تفريق بين إصبع وإصبع عملوا به وقدموه على ما ورد عن عمر.

ويرى الشافعي بحق ـ ونحن معه في ذلك ـ أن كتاب عمرو بن حزم لو بلغ عمر  لعمل به ولما اجتهد هذا الاجتهاد .اهـ.

أقول: ثم إن في عطف سنتهم على سنته صلى الله عليه وسلم دلالة على أن المراد من سنتهم قولهم واجتهاداتهم في الدين، فلو كان المراد من سنتهم ما قاله الصنعاني لكان كذلك في سنته صلى الله عليه وسلم، مع أن ذلك قولٌ بغير دليل؟!! قال المباركفوري: فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي وإن كان من سنته كما تقدم ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل اهـ. وهو ما كان قدمناه عن الشافعي ومالك.

وأما تسمية عمر رضي الله عنه جمع الناس في التراويح بدعة، فلعل النكتة في ذلك أن عمر رضي الله عنه أراد بهذه التسمية أن يميز ما كان يعمله الصحابي والوحي ينزل، فهو سنة تقريرية، وما يعمله الصحابي بعد انقطاع الوحي فهو بدعة شرعية حسنة فهو دليل واضح على أصل البدعة الحسنة.

والله أعلم.

خلاصة البحث ونتيجته:

نستطيع أن نخلص من بحثنا في هذا الموضوع إلى ما يلي:

1) إن القول بحجية فتوى الصحابي هو القول الراجح في العمل عند جمهور علماء المسلمين من المجتهدين ومن تبعهم بشرط أن لا يصطدم بنص من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموا به.

2) وقد خصت سنة الخلفاء الراشدين بمزيد عناية وبمزية عظيمة بما حباهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من شرف عظيم وفضل كبير بقوله صلى الله عليه وسلم: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضّوا عليها بالنواجذ«، وقوله صلى الله عليه وسلم: »اقتدوا بالذَين من بعدي، أبي بكر وعمر«.

3) وهذا ما يفيدنا قطعاً بأن الصحابة رضوان الله عليهم سيما الفقهاء منهم محفوظون من الابتداع السيئ في الدين المخالف لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولو جاز ذلك عليهم لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعهم أمراً منه باتباع الضلال،  وذلك لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم قطعاً. ومن خلال ذلك نعلم أن قول سيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الراشد رضي الله عنه في التراويح: »نعمت البدعة هي«.

وقول ابنه عبدالله أحد العبادلة وفقهاء الصحابة رضي الله عنه في صلاة الضحى: بدعة. يتحتم حملهما على البدعة الحسنة بمعناها الاصطلاحي الشرعي.

والقول بحمل قولهما على البدعة اللغوية قول ظاهر البطلان، إذ ليس معنى البدعة في اللغة إلا الحادث الجديد المخترع كما قدمنا، والقائلون بذلك يرون أن كل حادث جديد هو بدعة ضلالة، فلازم مذهبهم يقتضي أنهم متهمون بالابتداع الضال في الدين، وحاشا لهم ذلك.

4) بعد كل ماسبق نخلص إلى فائدة هي غاية في الأهمية، ألا وهي أن مافعله الصحابة وأحدثوه بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعل في زمنهم من غير نكير على فاعله لا يوصف بكونه بدعة ضلالة حاشا وكلا، بل هو بدعة حسنة راجعة إلى أصول عامة في الشريعة، واتباعها هو اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومخالفتهم هي تنكب عما سنه لنا النبي صلى الله عليه وسلم .

وزاد بعض العلماء على الصحابة التابعين وتابعي التابعين لدخولهم في حديث الخيرية المعلوم، فإذا فعل شيء في زمن التابعين وتابعي التابعين دونما نكير من علمائهم وأئمتهم، فإنه لا يكون من البدع الضالة في الدين.

فقد قال المحقق الإمام التفتازاني رحمه الله: المحققون من الماتريدية والأشعرية لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة، خلافاً للمبطلين المتعصبين، حتى ربما جعلوا الاختلاف في الفروع أيضاً بدعة وضلالة، كالقول بحل متروك التسمية عمداً، وعدم نقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين، وكجواز النكاح بدون الولي، والصلاة بدون الفاتحة، ولا يعرفون أن البدعة المذمومة هو المحدث بالدين من غير أن يكون في عهد الصحابة والتابعين ولا دل عليه الدليل الشرعي.

ومن الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة وإن لم  يقم دليل على قبحه تمسكاً بقوله عليه السلام: (إياكم ومحدثات الأمور) ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه. انتهى.

وقال الإمام عبدالغني النابلسي: عند قول المصنف:(بعد الصدر الأول): هم السلف المتقدمون في زمان الرسول عليه السلام والصحابة، لقوله عليه السلام: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي« فما حدث في زمانهم فليس ببدعة، والبدعة ما حدث بعد زمانهم وزمان التابعين وتابعيهم.

 

       

الرئيسية من نحن النشرة الإخبارية اتصل بنا سجل الزوار
مؤسس دار الإيمان - التقارب بين المدارس الإسلامية - أحداث ساخنة - التصوف الصحيح - الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
 
مثابة دار الإيمان لرعاية الأيتام - جمعية دار الإيمان الخيرية - المكتبة - مقالات وأبحاث - أرشيف الصور
- مختارات مفيدة

سؤال وجواب تصويت منتدى دار الإيمان
مواقع ننصح بزيارتها إبحث في الموقع

إتفاقية استخدام الموقع © 2004 دار الإيمان
Powered by
FTNCS