سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 الدلالة النورانية

 

 التقريب بين المدارس الإسلامية

 

  مصطلحات القوم

 

  اداب المريد

 

  قواعد التصوف

   حسن التفهم والدرك لمسألة الترك  جديد
 

  البحث عن الوارث

  الفرقة الناجية

  البدعة الحسنة  جديد

   الخبر الدال على وجود الأقطاب والأبدال  جديد
 

  التكريم الصادق

 

  مسالك الحنفا في والدي المصطفى  جديد

  الشمائل المحمدية

 انموذج اللبيب في خصائص الحبيب
 

  دلائل النبوة

 

  الدرر السنية

 

  اداب الفتوى والمفتي والمستفتي  جديد

 

  بستان العارفين

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

 أرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 

 

 

المكتبة
 

التقريب بين المدارس الإسلامية
ودور التصوف فيه

الشيخ حسني حسن خير الدين الشريف
شيخ الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

  السابق 1 2 3 4 5

التالي

 

الفصل الثاني
مبادئ للتقريب بين المدارس الإسلامية

أولاً: تمهيد

أرى أن التمسك برواسب التاريخ عند غالبية الفرق من شأنه أن يبقي المسلمين في المربع الأول وأن النبش عما أهيل عليه التراب من شأنه أن يبقي الباب مفتوحاً لأهل الفتن. وأن التخلص من أسر التاريخ من شأنه أن يقرب بين المسلمين ليعيشوا واقعهم لا تاريخهم وأن ينطلقوا من ضيق الغلو والتزمت إلى عالمية الإسلام، والأمة الإسلامية هي مظهر لعالمية الإسلام لكن تركيز الخلافات المذهبية وترتيب الآثار عليها يلغي عالمية الإسلام ويحوله إلى دوائر متحاجرة لا تتمتع بأي عمومية ولا تستطيع أن تنشيء خطاباً عالمياً.

إن عالمية الأمة الإسلامية تتوقف على التخلي عن كل ما يؤدي إلى التحزب والتشرذم فوحدة المسلمين حقيقة عقائدية وتشريعية وتاريخية لا مجال للمراء في ذلك أبداً، وأن كون هذه الوحدة تنتظم المسلمين في جميع تنوعاتهم العرقية واللغوية والمذهبية أمر يجب الإعتراف به وترتيب آثاره في جميع علاقات المسلمين.

لابد من تجاوز الوقائع التاريخية التي أدت إلى نشوء إنقسامات سياسية تلابست بعد ذلك مع الإختلاف في الرؤية العلمية أو الفكرية أو في مجال التشريع، فمن المستحيل أن نبني الوحدة بإحياء خلافات التاريخ بل نبني الوحدة بالتركيز على حاجات الحاضر وعلى المسلمات الثوابت في العقيدة والشريعة الإسلامية التي تجعل من المسلمين أمة واحدة.

ومن هنا أعرض في هذا البحث مجموعة من المبادئ (الحلول) للخروج من ضيق الفرقة والإختلاف إلى سعة التقريب والوحدة والإئتلاف. وقبل الحديث عن هذه المبادئ نذكر مجموعة من الضوابط والأسس والثوابت التي يجب أن تلتقي عليها وتؤمن بها مجموعة المدارس المتقاربة وهي الثوابت الأصولية والضرورات الإسلامية التي لا يمكن بدونها أن يكون هناك تقريبٌ.

فمن هذه الثوابت توحيد الله عز وجل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله. ومنها الإيمان بنبوة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. وبالقرآن الكريم وما فيه المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس. والإيمان بالملائكة والرسل والقدر خيره وشره، والبعث والنشور والإلتزام بضرورات الإسلام وأركانه الخمسة والإلتزام بمصادر التشريع الأساسية كالقرآن والسنة والفرعية المستندة إليهما. والإنقياد لأوامر الشرع الحاثة على الوحدة الإسلامية التي هي خصيصة هذه الأمة، والتي يتفرع منها مبدأ الأخوة الإسلامية. وفيما يلي بعض الأدلة الشرعية التي تحض على الوحدة بين المسلمين والأخوة الإسلامية:

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}[1].

وقال تعالى: { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ  إِنَّ  اللّهَ  مَعَ  الصَّابِرِينَ }[2].

 قال تعالى: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [3].

وقال تعالى: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[4].

وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [5].

 قال تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }[6]. إلى غيرها من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.

وهناك أيضاً عشرات الأحاديث النبوية الشريفة التي تأمر بالوحدة وتحذر من الإختلاف والفرقة منها: 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجماعة وإياكم والتفرقة فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الإثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ) [7].  

وقال صلى الله عيله وسلم: ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية ) [8].

وقال صلى الله عليه وسلم ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبّك بين أصابعه ) [9].

وقال صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)[10].

وقال صلى الله عليه وسلم: ( المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ) [11].

ثانياً: فتح باب الحوار

حتى نلج إلى المبادئ الجادة والمجدية في التقريب بين المسلمين لا بد من فتح باب الحوار بين مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه، فإذا كان القرآن قد دعانا لحوار غير المسلمين فإن حوار المسلمين أنفسهم أولى وأجدى وأعم وأنفع. فالحوار في معانيه الثقافية والحضارية هو جزء أساسٌ في الثقافة والحضارة الإسلاميتين.

 والحوار هو المراجعة في الكلام والتجاوب فيه وما يقتضيه ذلك من سماع الآخر وسعة الصدر معهم والتسامح في حال الإختلاف ورجاحة العقل عند التباين في وجهات النظر. وما يرافق ذلك من سعة إطلاع وثقة وثبات وما يؤدي إليه ذلك من تعامل متحضر راق. وبهذه المعاني ندرك أن الحوار أصل من أصول الحضارة الإسلامية يثبت في الضمير الإنساني فضيلة الإعتراف بالخطأ ومراجعة المواقف إذا اقتضت الحقيقة هذه المراجعة من أجل الوقوف عند الحق.

وهو في أصله يستند إلى مبادئ الدين الحنيف وتعاليمه الراقية السمحة، بما يحمله من تسامح سوي لا يعني قطعاً التنازل عن الثوابت أو التخاذل أو الضعف، بل يعني الترفع عن الصغائر والبعد عن الأهواء وعدم الإنتصار للذات والتسامي عن الضغائن.

إن من معاني الحوار ما يهتم به أهل التصوف في سبيلهم إلى إصلاح النفس وتحويل صفاتها الذميمة إلى صفات حميدة وفي سيرهم نحو تزكية النفس وإصلاحها ومحاسبتها ومراقبتها من خلال فهمهم لمراتب النفس السبعة [12] ومن بينها النفس اللوامة التي أقسم بها المولى عز وجل بقوله: { لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } [13] حيث يدور حوار ومحاسبة وتوبيخ بين المسلم ونفسه إن كانت أحسنت لِمَ لم تزدد في الإحسان وإن كانت أساءت لِمَ أساءت، هذا على المستوى الذاتي. ولكن المعنى يتسع حين يكون الحوار مع الآخر لينتفع المجتمع ويدفع بالدعوة إلى آفاق رحبة.

ولا أرى قدرة عند المحاور لمحاورة الآخرين ما لم يمارس عمل النفس اللوامة، وأعني بذلك تزكيته لنفسه حتى يتخلص من الأهواء والشخصنة وحظوظ النفس ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ). وإذا زكت نفسه صار معتدلاً في فكره ووعيه ودعوته، وأرى أن الإعتدال أمر مهم جداً في مسألة الحوار مع الآخرين، والإعتدال هو الصفة العامة لأحكام الإسلام التي تنبذ الغلو وتجعل من كلا طرفي الأمر ذميم لا إفراط ولا تفريط، وقد وردت الآيات الكريمة التي تشير إلى روح الوسطية والإعتدال (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ  ) [14]

الآداب العامة للحوار:

الحوار هو الوسيلة الطبيعية لنقل الفكرة للآخرين، توجيه نافع لطبيعة هذا الحوار تناوله من كل جوانبه وهي قوله تعالى: {قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [15].

وفي الخلاف التاريخي بين المدارس الإسلامية وما كان بين السلف من خلاف أدى إلى نشوء الفرق والإتجاهات يقول تعالى: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  } [16] حتى يبتعد المسلمون عن إثارة حزازات الماضي ويتخلصوا من أسر التاريخ والإتهامات المتبادلـة.

لذلك فإن للحوار آداباً عامة يجب على المحاور أن يتحلى بها ومنها:

1.    الإستماع إلى الرأي الآخر:

مما يقتضي التحلي بفضيلة الحلم وسعة الصدر ووعي الفكر، والخروج عن أهواء النفس ونزواتها والنظر بمسؤولية إلى مصالح المسلمين العامة وترجيحها على المصالح الشخصية أو المذهبية أو الحزبية الضيقة.

2.    التماس الحق أينما كان:

وهو بذلك يخرج المحاور من آفة التعصب للمذهب لأنه يستظل بمظلة كبرى هي مظلة الإسلام الجامع للجميع والحق مقصود لذاته وعلى المحاور أن يلتمسه والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.

3.    المجادلة بالتي هي أحسن:

والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة بعيداً  عن التجريح والتسخيف ومحاولة إحراج الآخر. قال تعالى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[17]. قال بعض العلماء الدعوة بالحكمة تكون للمعرض والدعوة بالموعظة الحسنة تكون للمقبل والجدال بالتي هي أحسن هي لأهل الملل الأخرى.

4.    حسن الظن بالآخر:

وهو أدب جم من آداب الحوار لأن الإسلام يقيم العلاقة بين أبنائه على حسن الظن وحمل الكلام على أحسن المحامل وإن كان يحتمل معنى آخر. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [18].

إن سوء الظن عمل من أعمال الشيطان يستثير فيه الحسد والغرور والكبر وهو ما فعله الشيطان مع أبينا آدم عندما قال {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } [19] ولم يدفعه لذلك إلا غروره وكبره.

أما المؤمن الحقيقي فهو ستر لأخيه حريص على حرمته وماله ودمه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ) [20].

إن مما أساء إلى وحدة المسلمين وتقاربهم هو فعل أولئك الغلاة الذين بنوا علاقاتهم بالآخرين على سوء الظن ففرقوا الأمة شيعاً وطوائف وحرموا التقارب فيما بينها بسوء ظنهم واتهامهم الآخرين لأدنى سبب، كفروا مخالفيهم وفتشوا عن عيوبهم واتهموهم في دينهم بالبدعة واحتقار السنة. فلا يكاد ينجو من سوء ظنهم ولاذع قولهم عامي ولا عالم. تمادوا على الجميع وتطاولوا على العلماء والفقهاء حتى وصل الأمر بهم للتطاول على الأموات من الفقهاء والمصلحين حتى اتهموا الأمة برمتها بأنها قد كفرت مجتمعة بعد القرن الرابع الهجري بل وأكثر فاتهموا الصديق رضي الله عنه بأنه أسلم ثم ارتد يوم الهجرة يوم أن سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء بكل ماله ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر ؟ فقال له أبقيت لهم الله والرسول، فاتهموه بالشرك لأنه قال الله والرسول !. ثم اتهموا الفقهاء فلم يسلم منهم البخاري ولا الشافعي ولا أبي حنيفة فلا يكاد ينجو من اتهام هؤلاء فقيه أو داعية أو مفكر أو مصلح. فإذا اجتهد أحد الفقهاء في مسألة اتهموه بالتهاون وإذا خالفهم الرأي اتهموه بالإبتداع.

إن سوء الظن هو آفة هؤلاء تغلغلت في نفوسهم حتى اتهموا جميع مخالفيهم. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا اللون من الناس في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قال: ( إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم ). وجاءت الرواية بفتح الكاف فهو أهلكَهُم على أنه فعل ماض أي أنه سببٌ في هلاكهم باستعلائه عليهم وسوء ظنه بهم وتيئيسهم من روح الله. وجاءت بضم الكاف أيضاً فهو أهلكهُم أي أشدهم وأسرعهم هلاكاً بغروره وإعجابه بنفسه وسوء ظنه بهم. والمعلوم أن الإعجاب بالنفس هو إحدى المهلكات التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الطبراني ( ثلاث مهلكات: (شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ).

إننا إذا أردنا التقريب حقاً وفتحنا باب الحوار الجاد للتقريب فإن سوء الظن بالآخر هو آفة ضارة يجب أن تزال أولاً من طريق المتقاربين والمتحاورين. ولابد من مراعاة هذه الآداب مجتمعة حتى نصل إلى أجواء ملائمة للتقريب.

ثالثاً: تجنب التكفير والتفسيق والإتهام بالإبتداع

وهذا مبدأ مهم من مبادئ التقريب بين مدارس وفرق ومذاهب المسلمين. فلا يمكن أن تأتلف القلوب طالما هناك فئات تعتمد استفزاز الآخرين بالعبارات المثيرة والكلمات المستفزة التي تثير الأحقاد. بل تعدى الأمر تلك العبارات التي سنأتي عليها لاحقاً إلى مسألة التكفير التي أشرنا إليها سابقاً وهي مصيبة ابتلينا بها في زماننا هذا كما ابتلي بها سلفنا الصالح.

فرغم النصوص الشريفة التي أوردناها في باب التكفير والتي تحذر من تكفير المسلم للمسلم ( حيث يأتي البعض بآيات وأحاديث نزلت في الكافرين وينزلها بأهل القبلة ) رغم كل هذه النصوص إلا أننا نشهد انتشار هذه المصيبة بين المسلمين مما فرق الأمة وشتت شملها وقوض عزها وأضاع جهدها في العمل المشترك في خدمة الدين وأغرى فيها عدوها. ولذلك أرى في سبيلنا للتقريب أن يُحول الأمر من المقابلة بين ( المسلم والكافر ) إلى المقابلة بين (المخطئ والمصيب ) مستندين بذلك إلى منهجية القرآن الكريم الموضوعية حتى في الحديث والمجادلة مع الكفار الحقيقيين حينما يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [21] فإذا كان هذا الخطاب مع الكافرين فكيف به بين المسلمين أنفسهم. ثم إن تعبير مصيب أو مخطئ مستساغ جداً وتقبله النفس سيما إذا علمنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل بني آدم خطاء ) [22]، فما من معصوم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

ثم إن استخدام العبارات المثيرة المستفزة للآخرين تخالف النص القرآني { وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَاب} [23]. فنجد البعض يصف الآخر بتسميات تفرق ولا تجمع كتسمية الشيعة بالرافضة وأهل السنة بالناصية والصوفية بالمبتدعة. ومن المعروف أن من السنة أن يدعوا الأخ أخاه بأحب الأسماء إليه. بل ازداد الشطط عند بعض الفرق في تجريح رموز الفرق المخالفة كمن أساء من أهل السنة لآل البيت لأن الشيعة تشيعوا لهم ومن أساء من الشيعة إلى الصحابة الكرام الذين توفي رسول الله صلى الله عليه سلم وهو عنهم راض.

إن من المستهجن أن نرى من يسيء إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ذكرهم القرآن الكريم بقوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [24].

 جاء في صحيح مسلم عن زهير بن حرب وشجاع بن مخلد عن ابن عليه قال زهير حدثنا اسماعيل بن إبراهيم حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حيان قال: (  انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن سلمة إلى (زيد بن أرقم) رضي اللّه عنه، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: يا ابن أخي واللّه لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا وما لا، فلا تكلفوا فيه، ثم قال: قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب اللّه تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به" فحث على كتاب اللّه عزَّ وجلَّ ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي" فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي اللّه عنهم، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم ) [25].

ثم إذا نظرنا إلى تفسير الآية الكريمة من سورة الشورى (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)[26]، قال البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير مامعناه أنه قال ( معنى ذلك أن تودوني في قرابتي أي تحسنوا إليهم وتبروهم ).

وثبت في الصحيح ما قاله البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ( ارقبوا محمداًصلى الله عليه وسلم في أهل بيته ) [27].  فمن ذا الذي يجرؤ على الإساءة إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم !.

في الطرف الآخر تبقى كارثة ( سب الصحابة) من قبل بعض الشيعة. هؤلاء الصحابة الكرام من السابقين الأولين الذين أثنى عليهم الحق تبارك وتعالى وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. والصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة التي برأها الله من فوق سبع سماوات وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها وقبض في حجرها ودفن في حجرتها.

فكيف يمكن أن ننادي بتقارب بين المسلمين ورواسب التاريخ تنهش فينا. لابد في سبيل فلاح الأمة من علماء عقلاء راشدين ينهضوا لمحاصرة هذه الإرهاصات، وقد رأينا فعلاً من علماء كلا الطرفين من ينادي بالخروج من هذا المأزق وعدم تركه للعوام الذين إذا تركوا لأهوائهم لن يسجل لهذه الأمة تقريبٌ ولا فلاحٌ ولا رشدٌ.

وفي سبيل الخروج من هذه الإرهاصات الحمقاء أورد بعض الأقوال لعلماء أفاضل قالوا فأجادوا وماذلك إلا حرصاً منهم ووعياً للواقع الأليم المتشرذم الذي يعيشه المسلمون اليوم. وهي بمجموعها تشير بوضوح إلى فكر الإعذار والتقريب الذي نحن بحاجة إليه:

قال الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن:

( لا يجوز أن يُنسبَ إلى أحد الصحابة خطأ مقطوع به إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل. وهم كلهم لنا أئمة وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم. وإن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم، هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض فلو كان ماخرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة فوجب حمل أمرهم على مابيناه ) [28].

قال ابن فورك:

( ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ماجرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ماجرى بين إخوة يوسف مع يوسف ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة)[29].

وقال المحاسبي:

( فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا وعلموا وجهلنا واجتمعوا فاتبعنا واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن ونعلم أن القوم كانوا أعلم فيه منا ونتبع ما اجتمعوا عليه ونقف عند ما اختلفوا فيه ولانبتدع رأياً منا ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل إذ كانوا غير متهمين في الدين ونسأل الله التوفيق ) [30].

يقول الشيخ القرضاوي:

( من الواجب علينا أن نشتغل بحاضرنا بدل أن يشغلنا ماضينا.

وحاضرنا مليء بالمصاعب والآفات والعقبات التي تقف في وجوه المصلحين والمجددين، وهي تحتاج منا إلى جهود مضنية كفيلة بأن تشغل عقولنا وقلوبنا وسواعدنا. ثم يقول وقد سمعت شيخنا محمد الغزالي رحمه الله يرد على رجل يجادله فيما كان بين الصحابة ويثير سؤالاً لا معنى له: أيهما أحق بالخلافة أبو بكر أم علي ؟ فقال له الشيخ: لقد ذهب أبو بكر وذهب علي وذهبت الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية وألغيت الخلافة نهائياً من ديار الإسلام وأصبح الذين يتحكمون فينا هم الخواجات الأجانب لا أبو بكر ولا علي فإلى متى نظل في هذه المفاضلات الحمقاء ) [31].

يقول الإمام الغزالي في معرض حديثه عن السب وسب الصحابة:

( المؤمن ليس بلعان فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعنيين. فالإشتغال بذكر الله أولى فإن لم يكن ففي السكوت سلامه ) [32].

إن الواجب يحتم على المخلصين في خدمة هذا الدين أن يتركوا وراء ظهورهم الماضي ويلتفتوا إلى واقع المسلمين اليوم ويغضوا الطرف عن كل الأقوال التي حملها التاريخ والتي تفرق ولا تجمع وتهدم ولا تبني. وإن من فضل الله على هذه الأمة في هذا الزمان أننا بدأنا نسمع أقوال علماء من شتى المدارس والفرق والمذاهب تنادي بثقافة التقريب وتدعو إلى وحدة المسلمين، وقد عقدوا لذلك مؤتمرات عديدة وندوات متعددة نسأل الله أن يتمم جهودهم ويوفقهم في مسعاهم.

رابعاً: إحياء ثقافة التجديد في الأمة

وأقصد به إعادة السنن التي تقادم عهدها وغشيتها عوادي الزمان إلى حالتها الأولى التي كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم بمعنى تجلية حقائق الإسلام وبيان مفاهيمه صوناً لها من التزييف والإختلاط. وأستمدُ فهمي لهذا التجديد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو داود والحاكم والخطيب البغدادي والبيهقي وابن عساكر والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:  ( أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)[33]. وروى الطبراني قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم)[34].

إن التجديد المطلوب هو إحياء لواجب الإتباع ولا أعني به الإبتداع، بل هو إحياء السنة بعد اندراسها خاصة بعد الضغوط الهائلة التي يتعرض إليها عالمنا الإسلامي ممن ينادي بتغيير الأصول والثوابت، وهو تجديد يحتاج إلى نوايا صادقة لخدمة الدين ويحتاج إلى دعاة لبقين يعيدون للدعوة ألقها وحكمتها ولباقتها وسماحتها.

ويحتاج كما قلنا سابقاً إلى حوار جاد مقنع واعٍ معرفي مؤدب يحسن فيه الداعية طرح أفكاره ويلتزم الأدب ويجتنب الفظاظة والغلظة والسوقية في الأقوال والأفعال.

إن العودة إلى القواعد والأصول في الخطاب الإسلامي من شأنه أن يساعد في عملية التقريب بين المدارس والفرق والمذاهب. وأرى أن التجديد مطلوب في الأمور التالية:

1.   التجديد في الإجتهاد:

 ويكون ذلك في فتح باب الإجتهاد. لأن الدين صالح لكل زمان ومكان وتغير الزمان يحتاج إلى فقه في الأمور المستجدة. ويحضرني في هذا المقام الحديث المتفق عليه الذي رواه الصحابي الجليل معاذ بن جبل ( أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟" قال: أقضي بكتاب اللّه قال: "فإِن لم تجد في كتاب اللّه؟" قال: فبسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال: "فإِن لم تجد في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا في كتاب اللّه؟" قال: أجتهد رأيي ولا آلو (لا أقصر في الإجتهاد)، فضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدره وقال: "الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه ) [35].

معنى لا آلو أي لا أقصر في بذل الجهد، لذا عرف الفقهاء الإجتهاد بأنه بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. إلا أنه مما يؤسف له أننا نلاحظ أن الإجتهاد في زماننا لا يزال إجتهاداً مذهبياً بحيث أن كل أئمة وفقهاء كل مذهب يعملون على الإجتهاد في نطاق منهج وأصول وقواعد مذهبهم الخاص وهذا أمر حسن في ذاته ولكنه لا يخدم مقصد الوحدة والتقريب وإنما يعزز الحيوية الفكرية والفقهية في داخل المذهب.

ومن أجل الوصول إلى وحدة حقيقية وتقريب فاعل أرى أن الواجب يقتضي التأصيل إلى منهج إجتهاد مطلق عام لجميع المسلمين بشتى مدارسهم وفرقهم ومذاهبهم. ويكون ذلك من خلال عقد المؤتمرات الفقهية الجامعة لكل المذاهب والمدارس. ولا مانع من وجود مستويين من الإجتهاد: مستوىً للإجتهاد المذهبي الخاص ومستوى إجتهاد مطلق عام يلبي حاجة الأمة في قضاياها الكبرى.

2.   التجديد في العقيدة:

وأعني به العودة إلى إعتماد منهج القرآن الكريم والسنة المطهرة والسلف الصالح في ناحية التلقي في العقيدة وتصحيح مفاهيم العوام التي دخلت في ظلمات كثيفة من الفكر الأجنبي الذي غشى على جوهرها أو الخرافات التي استقرت في نفوس البعض على أنها حقائق من الدين لبعد العهد بها. وما كان في أثر ذلك من تحديات أوجدها المستشرقون أو تحديات راهنة مثل الإلحاد والمادية الجدلية وأخيراً العلمانية ونحوها. وهذا بحد ذاته يحتاج إلى جهد من المخلصين العلماء العاملين الناصحين.

3.   التجديد في الأخلاق:

وأعني بها علوم التزكية وذلك بإحياء الربانية وإصلاح القلوب وتزكية النفس بعيداً عن الإفرط الذي أدى إلى الشطح والتوهان والتفريط الذي جرد الإسلام من روحه وإيمانياته. وأرى أن منهج التصوف الراشد الحصيف يمكن الإستفادة منه في هذا المضمار حيث التزكية الصادقة والأخلاق والمثل العليا والزهد الصادق المتبصر والربانية المخلصة التي اقتدت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً وداعياً وذاكراً، وفي أخلاقه وإخلاصه واحتسابه وصبره وتوكله وزهده وإيثاره وكرمه وحيائه إلى غير ذلك من الأخلاق التي لابد منها إذا أردنا التجديد والتقريب حقاً.

4.   التجديد في الفهم:

 لى أرباب التجديد والتقريب أن يعلموا أن الخلاف في الفروع والجزئيات أمر واقع لامحالة لأنه من طبائع البشر ولايمكن للناس أن يلتقوا في الفهم والأفكار والإلتقاء على نمط واحد. وعليهم أن يعلموا أن التنوع في المدارس والمذاهب أمر طبيعي أثرى الثقافة الإسلامية على مر العصور. وعليهم أن يعلموا أن المذموم في ذلك هو التعصب لأي مذهب دون فهم للرأي الآخر.

وعليهم أن يعلموا أن المذاهب جاءت نتيجة اجتهادات سمح بها الإسلام وعلينا أن نجعلها سبلاً لرضى الله عز وجل، وحين تختلف هذه المذاهب فعلى المسلم الذي يمتلك الأهلية أن يدرسها ويختار مايراه أفضل وفق فهمه لدينه الذي سيلقى الله به. وحينئذ ليس لأحد الحق في لومه على اختياره كما أنه ليس من أحد ألحق في إجباره على اختيار مذهب ما.

وعلينا جميعاً أن ندرك أبعاد الخطاب الدعوي المعاصر وما يجب أن يشتمل عليه من بعد إنساني { يا أيها الناس } وبعد عالمي { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } [36] وأنه خطاب يتسم بالرحمة والشفقة عليهم (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [37]. وذلك بالبعد عن كل ما ينفر وما يعسر (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا)[38].

وعلينا جميعاً أن يكون لنا نصيب في فهم فقه الأولويات والموازنات وإنزال كل حكم منـزلته والبدء بالأهم قبل المهم.

خامساً: التركيز على نقاط الإتفاق والتعذير عند الإختلاف

إن من المبادئ الهامة في التقريب أن يركز المقربون على نقاط التلاقي لا على نقاط التمايز. خاصة إذا علمنا أن معظم نقاط التلاقي هي في الأصول ومعظم نقاط التمايز هي في الفروع.

 فالجميع متفق على أركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة وإن وجد خلاف بينهم في بعض الأحكام فهو كما يحدث بين مذاهب السنة بعضها مع بعض وهو اختلاف طبيعي لا يفسد للود قضية خاصة أننا لا نجد نهياً إسلامياً عن الإختلاف في الآراء { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } [39]، وفي الآية التالية { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}[40]. وإنما ينصب النهي على التنازع العملي المذهب للقوة والتفرق في الدين والتحزب الممزق {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [41]، فحالة الإختلاف طبيعية يجب أن نألفها ولا نبالغ بها ونهولهُا ليكون الإختلاف أخوياً كما كان بين الفقهاء والعلماء من سلفنا الصالح. ورحم الله يونس صاحب الإمام الشافعي إذ يقول ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيته فأخذ بيدي ثم قال يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.

فالأصل عند الإختلاف هو الإعذار والحوار. وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد رشيد صاحب تفسير المنار ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه )، وهو منهج كل دعاة التقريب. وقد رد الدكتور يوسف القرضاوي في مؤتمر البحرين على منكري هذه القاعدة    ( أعداء التقريب ) بقوله ( إن النصوص منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة وهذا لاعذر في مخالفته ولكن هذا النوع من النصوص قليل جداً ومعظم النصوص إما قطعية الثبوت ظنية الدلالة أو ظنية الثبوت قطعية الدلالة أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة، وفي هذه "الظنية" مجال الإجتهاد والإختلاف وهنا يكون عذر المخالف. فقد يكون معك حديث في المسألة ولكني أخالفك فيه لأنه ثابت عندك وليس بثابت عندي ولهذا أمثلة لا تحصر أو يكون ثابتاً عند كلينا ولكن فهمي له غير فهمك له واستنباطي يخالف استنباطك ومخالفتي لك هنا ليست مخالفة للحديث بل لفهمك له والحديث وحي ولكن فهمك له ليس وحياً)[42].

إن ما يؤسف له حقاً أن الأمم جميعاً تلتقي وتتقارب ومنه ما نشاهده اليوم في أوربا التي اتحدت بجميع دولها، والمسلمون يتنازعون ويتفرقون وصار بأسهم بينهم شديداً في الوقت الذي تداعت عليهم الأمم من أقطارها كما تداعى الأكلة على قصعتها، كاد الأعداء لنا وفرقوا شملنا وقوضوا عزنا والمسلمون في غفلة، وهم في أمس الحاجة للوحدة والتلاقي.

وأختم هذا الباب في مبادئ التقريب بذكر قصة موسى عليه السلام التي ذكرها القرآن لما فيها من عظة وعبرة. وهي ما حصل لهارون عليه السلام مع قومه حين ذهب موسى لمناجاة ربه أربعين ليلة فأضلهم السامري وأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقال هذا إلهكم وإله موسى وأطاعه قومه وعبدوا العجل الذي لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ولا يهديهم سبيلاً { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي   قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى } [43] ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا لما فعلوه في غيبته وألقى الواح التوراة في الأرض غضباً لله وللحق وأخذ برأس أخيه يجره إليه قائلاً له { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا   أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي  قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}[44].

وقد رضي موسى بهذا الجواب من أخيه وأقره القرآن الكريم فدل على أن ما رآه هارون أمر له إعتباره في ميزان الدين وهو الحرص على وحدة الجماعة حتى لا تتمزق والسكوت على منكر كبير بل هو أكبر منه وهو الشرك بالله تعالى بعبادة غيره حرصاً على وحدة الجماعة وهو قطعاً سكوت مؤقت حتى يرجع موسى من رحلته ويتفق الأخوان معاً في علاج الموقف بما يلائمه.


 
[1]: آل عمران 102-103.
[2]: الأنفال 47.
[3]: الأنبياء 92.
[4]: المؤمنون 53.
[5]: الحجرات 10.
[6]: آل عمران 105.
[7]: رواه أحمد والنسائي والحاكم عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
[8]: رواه أحمد وأبو داود والنسائي وإسناده حسن وصححه النووي عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
[9]: متفق عليه عن أبي مؤسى الأشعري رضي الله عنه.
[10]: متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
[11]: رواه أبو داود والنسائي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
[12] عد إلى كتابي الدلالة النورانية للإطلاع على مراتب النفس.
[13]: سورة القيامة 1 – 2.
[14]: البقرة 143.
[15]: سبأ 25.
[16]: البقرة 134.
[17]: سورة النحل 125.
[18]: الحجرات 12.
[19]: الأعراف 12.
[20]: أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[21]: سورة سبأ 24.

[22]: أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن أنس تصحيح السيوطي: صحيح‏

[23]: الحجرات 11.
[24]: الأحزاب 33.
[25]: صحيح مسلم
[26]: الشورى 23.
[27]: صحيح البخاري.
[28]: تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن.
[29]: كتاب التقريب / القرضاوي / مؤتمر البحرين.
[30]: تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن.
[31]: كتاب التقريب / القرضاوي / مؤتمر البحرين.
[32]: كتاب إحياء علوم الدين. ج3: 125-126.
[33]: رواه أبو داود.
[34]: رواه الطبراني في الجامع الصغير.
[35]: رواه أبو داود في السنن.
[36]: الأعراف 158.
[37]: الممحتحنة 8.
[38]: صحيح  البخاري.
[39]: سورة هود 118.
[40]: سورة هود 119.
[41]: الأنفال 46.
[42]: مؤتمر التقريب في البحرين.
[43]: سورة طه 90-91.
[44]: سورة طه 94.

 

    السابق 1 2 3 4 5

التالي

الرئيسية من نحن النشرة الإخبارية اتصل بنا سجل الزوار
مؤسس دار الإيمان -