سجل الزوار

اتصل بنا

النشرة الإخبارية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

 مؤسس الدار الشيخ حسني الشريف

 

 التقارب بين المدارس الإسلامية

 

 أحداث هامة

 

 التصوف الصحيح

 

 الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 مثابة دار الإيمان لرعاية وإيواء الأيتام

 

 جمعية دار الإيمان الخيرية

 

 المكتبة

 

 الدلالة النورانية

 

 التقريب بين المدارس الإسلامية

 

  مصطلحات القوم

 

  اداب المريد

 

  قواعد التصوف

   حسن التفهم والدرك لمسألة الترك  جديد
 

  البحث عن الوارث

  الفرقة الناجية

  البدعة الحسنة  جديد

   الخبر الدال على وجود الأقطاب والأبدال  جديد
 

  التكريم الصادق

 

  مسالك الحنفا في والدي المصطفى  جديد

  الشمائل المحمدية

 انموذج اللبيب في خصائص الحبيب
 

  دلائل النبوة

 

  الدرر السنية

 

  اداب الفتوى والمفتي والمستفتي  جديد

 

  بستان العارفين

 

 مقالات وأبحاث أبناء الطريقة

 

 أرشيف الصور

 

 مختارات مفيدة

 

 

 

 

المكتبة


التقريب بين المدارس الإسلامية
ودور التصوف فيه

الشيخ حسني حسن خير الدين الشريف
شيخ الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

  السابق 1 2 3 4 5

التالي

 

تقديم

بقلم سماحة الدكتور
الشيخ نوح علي سلمان القضاة
قاضي القضاة سابقاً ومفتي القوات المسلحة الأردنية الأسبق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد طلب مني الأخ الشيخ حسني الشريف حفظه الله أن أقدم لكتابه التقريب بين المدارس الإسلامية ودور التصوف فيه، وموضوع الكتاب يشغل بال المسلمين في هذه الأيام، وقد أحسن الشيخ بارك الله فيه في اختيار هذا الموضوع. وأرجو أن تكون مقدمتي مساهمة في هذا المجال.

فإن الأمة الإسلامية قد فرضت عليها التفرقة، ومزق العدو شملها فصارت فئات متصارعة تصارعاً يشغلها عن دورها المشترك وأقام الأعداء في الأمة من يستفيد من الفرقة ويعيش عليها ولذا فهو يحرص على دوامها، ولم يقف الأمر عند التمزق السياسي بل تعداه إلى التمزق الفكري، اللهم إلاّ الفرقة الناجية. وكل مسلم يعلم أن تفريق المسلمين حرام لأن الله تعالى يقول:{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، ومعلوم أن تفرق الكلمة يؤدي إلى الضياع وهذا ما حذر الله منه فقال: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، وقد ذاقت الأمة مرارة الفشل، ولذا لا يرضى أحد أن يُتهم بأنه سبب التفرّق، ويتبادل المسلمون التّهم بأسباب الفرقة، وإذا أرادت جهة أن تُذهب شعبية جهة اتهمتها بأنها سبب الفرقة.

ومن هنا رأينا من يتهم علماء المسلمين ومذاهبهم بأنهم السبب لينفروا الأمة من علماء الشريعة ويقوودها بعد ذلك بعيداً عن الإسلام، وينصبوا لهم من يفتي بغير علم فيَضِل ويُضِل. وكل منصف يعلم أن فرقة المسلمين ليست بسبب الخلافات المذهبية، فقد نحي الإسلام قسراً عن الحياة العامة وبقى سلوكاً شخصياً لمن شاء، هذه واحدة.

والثانية أن بعض البلدان الإسلامية تتمذهب بمذهب واحد وهي مختلفة سياسياً، فالمغرب العربي كله مالكي أشعري ومع ذلك هو خمس دول وبينها ما لا يخفى والدول الإسلامية كلها سنية إلا واحدة فلماذا تنقسم إلى تيارات ومحاور متصارعة؟‍‍.

إن نسبة التفرق إلى المذهب جهل بالحقيقة أو مكر وخبث، ولا يجوز أن يصدق هذه التهمة مسلم، لكن لما قصرت الألسنة عن السياسيين خوفا منهم، استطالت في أعراض المذاهب والعلماء، وليعلم الذين ينالون من العلماء أن لحومهم مسمومة، فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). رواه البخاري.

وقال الإمام الشافعي: إذا لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي، ذلك لأنهم حماة الشريعة وولاؤهم لله فقط ثم لمن أمر الله بموالاته، والذي يتتبع عثراتهم عليه أن يعلم بأن العصمة للرسل والأنبياء، وقد شاهدنا ما فعل الله بمن هتك حرمة العلماء وتجرأ عليهم. 

هذا الذي سقته يكفي لتبرئة ساحة العلماء والبحث عن سبب الفرقة عند غيرهم. عند المستفيدين من الفرقة، ومن ذلك يتبرع العلماء حرصاً على دين الأمة ببيان أن المذاهب تجمع ولا تفرق، فهي تتفق على الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. وعلى الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ومحبته ومحبة أهل بيته، والإيمان بعصمة القران وحجيته، وما وراء هذا من فروع.

ومذاهب أهل السنة تتفق على الأخذ من الصحابة سواء ما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رأوه استنباطاً من الكتاب والسنة فمذاهب أهل السنة امتداد لمذاهب الصحابة الكرام، ولذا يتعاملون مع بقية المذاهب بمقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم" رواه البخاري. ولهذا استوعبت الدول الإسلامية السنية كل المذاهب الإسلامية حتى المخالفة لها في الفروع.

ومن المقرر عند المذاهب السنية أنه لا بأس على المفتي في أن يفتي بغير مذهبه من مذاهب السنة إذا عرف الدليل ودعت الحاجة. أما التصوف فليس مذهباً فقهياً بل هو مذاهب تربوية لأن التصوف كما عرفه الإمام الشعراني رحمه الله إذ قال: هو العمل بالعمل ولو أن العلماء عملوا بعلمهم لكفونا، لكن كيف يطبق الفقه هنا يأتي دور الشيخ المربي الصوفي الفقيه الصادق.

من قواعدهم أن على المريد أن يعبد الله تعالى عبادة صحيحة عند كل المذاهب. فالصوفي بهذا يجمع ولا يفرق ويبحث عما اتفق عليه، ونجد الطريقة الصوفية الواحدة أو قل المدرسة الصوفية الواحدة يجتمع فيها وعليها من كل المذاهب.

ولقد احسن أخي الشيخ حسني الشريف عندما بين في كتابه هذا دور التصوف في التقريب بين المذاهب، فليس المطلوب إلغاء المذاهب بل التقريب بينها، والذين أرادوا إلغاء المذاهب لم يعرفوا معنى المذاهب، وجاءوا بأقوال جديدة، ضخمت الفرقة، وكفرت من لا يجوز تكفيره، وكأنها تسعى لزيادة عدد الكفار، بينما تسعى المذاهب السنية على هدي من السنة لتكثير عدد المسلمين. 

كما أن المؤلف – حفظه الله- نبه إلى أمرين مهمين:

الأول: أن المذهب الاشعري في العقيدة هو الذي يجمع المسلمين بكل مذاهبهم تحت راية واحدة، لأن الاشاعرة ومثلهم الماتريدية لا يكفرون مسلما إلاّ بدليل قاطع، ولهذا استوجبوا غيرهم ولم يستطع ذلك غيرهم، وهي عقيدة مؤيدة بالنصوص الشرعية والبراهين العقلية.

الثاني: أن الأزهر يوم كان مرجعاً دينياً كان يحسم الخلاف، ولما ضاعت المرجعية ظلت الخلافات مستعرة متنامية، ولهذا يجب العمل على إيجاد مرجعية لأهل السنة تتوفر فيها الشروط علماً وعملاً، لتحسم الخلاف بعد أن تكسب ثقة كل المسلمين؛ فثقتهم عزيزة المنال.

 هذا وأدعوا الله تعالى أن يثيب أخي الشيخ حسني الشريف على هذا البحث وأن يأخذ بيده إلى المزيد مما فيه نفع المسلمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

                                                                    كتبه
                                           
             نوح علي سلمان

 

 

بين يدي هذا الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم القائل {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[1]، والحمد لله رب العالمين الذي يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين المبعوث بالحنيفية السمحة القائل (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله) [2]، وعلى آله الأتقياء الطيبين الوارثين علم جدهم صلى الله عليه وسلم والذين جعل الله مودتهم وموالاتهم عنوان صحائف المؤمنين، وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم، وتوعّد بالويل المكذبين بفضلهم والقاطعين صلته فيهم، وعلى صحابته الغرّ الميامين والنجوم المهديين الهادين، الذين جعل الله في اختلافهم رحمة لعباده ورخصاً، وعلى التابعين وأهل القرون المفضولين الذين كانت تعرض عليهم الحجة فيقبلونها، والذين قال قائلهم (كل ما قلت لكم فلم تشهد عليه عقولكم وتقبله وتره حقاً، فلا تقبلوه، فإن العقل مضطر إلى قبول الحق)[3]، وعلى من اتبع أثرهم بإحسان، واهتدى بهديهم بصدق وإذعان إلى يوم الدين، وعلينا معهم بمنه وفضله وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وبعد. 

فقد فتح الله على شيخنا السيد الحسيب النسيب حسني بن الشيخ حسن بن الشيخ خير الدين بن الشيخ عبد الرحمن الشريف بتصنيف كتاب (التقريب بين المدارس الإسلامية ودور التصوّف فيه) والذي يعتبر من أوائل ما صنف في هذا الموضوع الهام وخلال هذا الظرف الخطير التي تمر به الأمة، حيث ابتليت بالفرقة والاختلاف، ومما زاد في بلائها، هذه الحملات المسعورة من تداعي الأمم عليها، تداعي الجياع إلى قصعتها، الأمر الذي حذى العلماء المخلصين والدعاة الصادقين ومنهم السيد الشيخ للدعوة إلى التقريب بين المدارس الإسلامية المختلفة، لا من خلال التنظير وأحلام اليقظة، بل ضمن منهجية تراعي الواقع الحالي للمسلمين وقابلة للتطبيق، حيث تلخصت هذه المنهجية في مبادئ أربعة ترتكز على الكتاب والسنّة، أولها: فتح باب الحوار بين مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه مع مراعاة آداب الحوار بين المدارس وأسسه التي ترتكز على حسن الاستماع والتماس الحق والمجادلة بالتي هي أحسن وحسن الظن بالآخر، والمبدأ الثاني: تجنب التكفير والتفسيق والاتهام بالابتداع، والثالث: إحياء ثقافة التجديد في الأمة بما في ذلك التجديد في الاجتهاد والعقيدة والأخلاق والفهم، ورابع هذه المبادئ: التركيز على نقاط الاتفاق، والتعذير عند الاختلاف.

ولعل من الجدير بالذكر هنا من باب التأسي قول أحد أئمة الإسلام العظام وهو الإمام الشافعي إذ يقول (ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق أو يسدد أو يعان ويكون له رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحداً إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه)[4]، وكأنّ الإمام الشافعي يدعو إلى التجرد عن دوافع العصبية والتحرر من التقليد إلى الدليل ليعرف قطعاً أن الحق لا يعرف بالرجال، وبذلك لا يجد بدا إلا أن يسلم القول ويقر بالحجة، مقتدياً بذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإسلام يعلو و لا يعلى)[5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (حسـن الظـن من حسن العبـادة)[6].

ومـن باب الدلالة علـى الخير والنصيحـة للأمـة وأخذاً بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}[7]. أفرد المصنف، زاده الله من علمه، باباً فريداً تضمنه الكتاب أورد فيه دور التصّوف في التقريب بين مدارس الإسلام المختلفة، وهو دور غفل عنه الكثيرون في الوسط الأخير من القرن الحالي، ومن موقعه كشيخ طريقة إسلامية حقـّة، عزى السيد الشيخ عدم قيام الطرق الصوفية بهذا الدور إلى ما لحق بمعظمها في الخمسين سنة الماضية من جهل وغلّو وتمسك بالمظاهر وابتعادهم عن الجوهر الحقيقي للتصوف في الإخلاص والتزكية والأخلاق السامية، ولإعادة هذا الدور ارتأى السيد الشيخ دعوة السادة الصوفية إلى التمسك بأصول التصوف باعتباره مرتبة من مراتب الدين (مرتبة الإحسان)، والتسامح، والتعايش بترك التعصب، وسعة الأفق بتنوع المذاهب الفقهيّة، والمرونة، وإحياء دور الأزهر الشريف التاريخي في التجميع والتقريب بين التيارات والمذاهب الإسلامية، ومحاربة الخرافات والممارسات الخاطئة. ويخلص السيد الشيخ إلى القول بأن الوسطية التي عليها الصوفية الحقّة تشكل قاسماً مشتركاً بين مدارس الإسلام المختلفة سنية كانت أم شيعية، ومذهبية كانت أم سلفية، مما يؤهل التصوف الحق لأن يكون الأقدر على التجميع والتقريب. 

وتضم لجنة البحث العلمي للطريقة الخلوتية الجامعية الرحمانية (زوايا الأشراف) صوتها إلى دعوة الشيخ المرشد إلى التقريب بين مدارس الإسلام المختلفة، واحترام أهل الاختصاص والفوارق بينهم وعدم الاجتراء عليهم والتطاول إلى ما ذهبوا إليه، قال الحسن البصري: (يضيع هذا الدين بين الفاني فيه والجافي عنه). وقال أبن أبي ليلى: (أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  يسال أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول) وقال سحنون بن سعيد: (أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله معه) وبذلك تصح القاعدة الذهبية من أن ما مع الرجل أو الجماعة من علم هو صواب يحتمل الخطأ، وما عند غيره أو غيرهم هو خطأ يحتمل الصواب، فتتلاقى القلوب وتتقارب الأفكار، كما لا يتم تغليب الوسائل على الأصل، إذ أن الوسائل تتغير طبقاً لظروف المكان والزمان والعصر، بينما لا يتغير الدين ولا تتبدل الأهداف، إذ أن الغاية هي الله، والهدف الأسمى هو تحقيق العبودية له، وأن جمع صفوف المسلمين وتوحيدهم هو لتحقيق هذا الهدف. 

لذلك، كانت الفروق بين المناهج في الفروع رحمة في الأمة ولا تستدعي أن يدعي صاحب كل منهج أن منهجه هو الصحيح وأن ما عداه خروج وكفر، بقدر ما تستدعي الالتزام بإتباع ما تم الإتفاق عليه من الأصول واحترام ما اختلف فيه من الفروع آخذاً بمنهج الإمام الشاطبي بتعظيم الجوامع واحترام الفوارق. 

إن افتراق المسلمين على القضايا الخلافية الفرعية يجعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً، ويقيم حرباً غير شريفة بين المسلمين بسبب هذه الجزئيات، مما يحدث التمزق في الأمة الإسلامية، بينما يتحرق أعداء المسلمين إلى ضرب الإسلام ومحوه، وإن الاجتماع على ما اجتمع عليه المسلمون الأوائل هو من أهم الواجبات لمواجهة الهجمة الشرسة على دين وأرض المسلمين. 

إن لجنة البحث العلمي للطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية إذ يشرفها أن تقدم كتاب (التقريب بين المدارس الإسلامية ودور التصوف فيه) إلى أهل الإسلام جميعهم، لتوضع بذلك لبنة في حصن الإسلام الذي وعد الله بأن يتمه وينصره ولو كره الكارهون، وتأمل اللجنة استجابة المسلمين لهذه الدعوة المخلصة في جمع شمل الأمة وتحقيق مصالحها ودرء المفاسد عنها، راجية المولى عزّ وجل أن يوفق صاحب هذه الدعوة الصادقة في مساعيه لتوثيق عرى وحدة الأمة الإسلامية وخدمة الدين الحنيف، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّ اللهم على سيدنا محمد النبي العربي الهاشميّ الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

                                                        لجنة البحث العلمي
                                                       للطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
                                                                 ( زوايا الأشراف )


[1]: آل عمران 104.
[2]: رواه الترمذي وقال حديث حسن
[3]: الإمام الشافعي – آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم الرازي
[4]: توالي التأسيس
[5]: رواه الدار قطني والطبراني والبهيقي
[6]: رواه الحاكم وأبو داوود.
[7]: التوبة 71.

 

مقدمة

الحمد لله القائل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[1] أمر بوحدة الصف واجتماع الكلمة، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الفرقة والخلاف والمراء وحذر من الجهل والفتن والهَرْج فقال (يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج. قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها، كأنه يريد القتل) [2] وقال أيضاً (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا )[3] ؟ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ورضي الله عمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد،

فإن مما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية تتعرض في هذا العصر إلى حملة شرسة تهدف من بين ما تهدف إليه إلى تدمير هويتها وتشتيت شملها وزرع جذور الفرقة والخلاف بين أجنحتها. وقد ازدادت الحرب ضراوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. واتضحت الصورة أكثر بعد إحتلال العراق. مما دفع عدداً من العلماء الغيورين داخل العالم الإسلامي للتنادي لحوار بين مدارس الإسلام المختلفة وإعتباره أولوية من الأولويات على قاعدة إبدأ بنفسك ثم بمن تعول سيما وأن هناك حواراً مفتوحاً بين الأديان عقدت له مؤتمرات ولقاءات عديدة في أكثر من بلد.

وكان الدافع للدعوة لهذا الحوار هو: هل الخلاف بين المسلمين أنفسهم أشد من الخلاف بين المسلمين وأهل الأديان الأخرى ؟ وإذا كان الله عز وجل قد أمر موسى بلين القول مع فرعون بقوله تعالى {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى  فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[4] ؟ أفلا يكون ذلك أولى بين المسلمين أنفسهم ؟ من هو الأولى باللين في القول والمعاملة فرعون الكافر أم المخالف لك في الرأي من أبناء ملتك ؟ أنت في حوارك مع أخيك أكثر تقى من موسى النبي مع فرعون الكافر ؟. ألم يأمرنا الخالق بحوار أهل الأديان الأخرى بقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[5]؟ من هذا الفهم للقرآن الكريم فإني أعتقد أن الحوار الإسلامي الإسلامي أولى وأهم من الحوار الإسلامي المسيحي.

إن الخطر الداهم الذي يتمثل في تجمع أعداء الأمة من يهودية وصليبية ووثنية رغم إختلافهم فيما بينهم ضد الإسلام والمسلمين ليفرض على فئات المسلمين أكثر من أي وقت مضى أن تتجمع وتتحاور وتتلاقى بجميع طوائفها ومدارسها ومذاهبها أمام هذه الهجمة الشرسة. 

ولئن كان التمذهب ظاهرة طبيعية صحية فإن الإغراق فيها والإنغلاق عليها وعدم التواصل مع الآخر من شأنه أن يزيد في فرقة المسلمين ويغري أعداءهم بهم ومن شأنه أيضاً أن يلغي عالمية الإسلام. فنحن لا نعني بالتقريب إلغاء المدارس الإسلامية أو الدعوة لمدرسة دون أخرى فهذا بالإضافة إلى كونه متعذراً فإنه ينفي التعددية المحمودة الثرية التي أختص بها هذا الدين، فنحن ننادي بالحوار وقبول الرأي الآخر وعدم التعصب للرأي.

وإذا كان قادة الفكر في المجتمعات الإسلامية السابقة لم يتكلموا عن وحدة المسلمين حينما تكلموا عن مقاصد الشريعة الإسلامية فإن مرد ذلك هو أنهم كانوا يعيشون هذه الوحدة واقعاً على الأرض. أما اليوم فإن من واجب قادة الفكر والعلماء في المجتمعات العربية والإسلامية أن يكونوا قدوة صالحة أمام شعوبهم في حمل فكر الوحدة والتقريب لأن الشعوب لن تحمل هذا الفكر إلا إذا رأته واقعاً بين العلماء وقادة الفكر والتجمعات. ولا أزعم أنني أبغي من كتابي هذا الدفاع عن أي طرف ضد الآخر ولن أخوض في مناقشة فكر دون الآخر ولا ترجيح مذهب على آخر إنما أترك ذلك للعلماء ذوي الإختصاص الذين أفاضوا بذلك. وأكتفي بالدعوة إلى ضرورة الحوار وتبيين عناصر التقريب.

ولقد واجهتني مشكلات عديدة وأنا في طور الإعداد لهذا البحث كان من أبرزها قلة المصادر المطبوعة حول التقريب بسبب حداثة النظر في هذه المسألة مما اضطرني الإعتماد على المواقع المهتمة بالتقريب على الشبكة الإلكترونية العالمية ومن أبرزها موقع الوحدة وموقع التقريب ومجلة التقريب وموقع المؤتمر العالمي للتقريب وموقع إسلام أونلاين..  إلخ. وقد كثر اقتباسنا من هذه المواقع. كما استفدت من أوراق العمل التي قدمت إلى مؤتمر التقريب الذي عقد في مملكة البحرين في الفترة الواقعة بين (20-22 / 9 / 2003 ) وأخص بالذكر ورقتي العمل اللتين قدمهما كل من فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي وسماحة الشيخ محمد علي التسخيري.

 أما في الفصل المتعلق بدور التصوف في التقريب بين المذاهب فقد بذلت جهداً لإستخلاص أفكار جديدة بهذا الشأن من خلال تجربتي الخاصة في التصوف علماً وسلوكاً وممارسة وإرشاداً وهي الأفكار التي ضمنها هذا الفصل.

وقد ارتأيت أن أصنف كتابي إلى تمهيد حاولت من خلاله شرح مفهوم التقريب وفي الفصل الأول حاولت أن أشخص المشكلة (العلة) وذلك من خلال واقعنا المؤلم المتشرذم ومن خلال ظاهرة التكفير في المجتمعات الإسلامية. وفي الفصل الثاني حاولت تحديد مبادئ للتقريب بين المدارس الإسلامية وقدمت شرحاً وافياً لكل منها.

وأما في الفصل الثالث فقد تحدثت حـول الـدور الذي يمكن أن يمارسـه التصوف في التقريب بين المدارس الإسلامية (والذي أعنيه هو التصوف الحصيف الحق المستند للكتاب والسنة) والذي لديه الكثير من المؤهلات لقيامه بهذا الدور للتقريب بين المدارس الإسلامية كونه يمثل المرتبة الثالثة من الدين وهي مرتبة الإحسان ولا يمثل حزباً أو تجمعاً أو تنظيماً أو فرقة كما يحاول أن يصوره البعض. واختتم البحث بخاتمة أورد فيها مجموعة من التوصيات الملحة بشأن خطوات التقريب.

 ولأهمية هذا الموضوع أرى لزاماً علي أن أكتب كتابي هذا حوله، سائلاً الله عز وجل التوفيق في العزم والقصد وإن أصبت فمن عند الله وأسأل الله القبول، وإن أخطأت فمن نفسي وأسأل الله المغفرة.                              

                                   كتبه الفقير إلى الله تعالى
                                   حسني حسن خير الدين الشريف

  عمان – الأردن تاريخ:  21 ذي القعدة 1424 هـ

                                13 كانون الثاني 2004 م


[1]:  الحجرات 10.
[2]: أخرجه البخاري.
[3]: أخرجه السيوطي في زيادة الجامع الصغير.
[4]: سورة طه  43- 44
[5]: آل عمران 64.

تمهيد
مفهوم التقريب وأهميته

حتى نقف على أهمية التقريب لابد لنا من أن نتعرف على المقصود من التقريب بين المذاهب.

معنى التقريب بين المدارس الإسلامية

حركة التقريب بين المدارس الإسلامية الفقهية والفكرية ليست أمراً جديداً في واقع العمل الإسلامي إذ تمتد طويلاً في تاريخنا الإسلامي لأنها تستمد دوافعها من الشرع الشريف، فمنذ أن تبلورت المذاهب الفقهية الإسلامية برز عدد من العلماء سعوا إلى التقريب بين هذه المذاهب من خلال ما اصطلح عليه بالفقه المقارن. وكان من علمائه الأوائل ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد. لكن مفهوم التقريب أخذ بعداً آخر في القرون اللاحقة عندما سعى بعض العلماء إلى التقريب بين المدارس الفكرية الإسلامية على اختلاف اجتهاداتها ومرجعياتها. وكان لعدد من علماء التصوف دور بارز في هذا السياق وخاصة في التقريب بين مدارس أهل السنة ومدارس أهل البيت، وفي ضوء ذلك أخذ التقريب بعدين البعد الفقهي للتقريب بين المذاهب الفقهية السنية والشيعية والبعد الفكري الذي يتجاوز الفقه إلى موقف مختلف المدارس الإسلامية من القضايا الفكرية والتاريخية.

وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري وضعت أسس ومعايير لحركة التقريب وما النشاط الجديد في هذا الأمة إلا امتدادٌ لتلك البذرة التي وضعت سابقاً. وأرجو ألا يتبادر للذهن ونحن نعرف التقريب أن المقصود منه محاولة التغيير في المذاهب لتحصيل التقريب، أو أن إتحاد المذاهب يعني ذوبانها. كلا فالأمر ليس كذلك لأن من ينتظر التذويب وإزالة الفروق ليس فقط سيقضي عمره في انتظار ما لا يتحقق ولكن أيضاً يساهم في تدمير أروع مافي هذه الأمة من تنوع فكري فريد، لكن المطلوب بوضوح: أن لا تكون عملية الإتباع للمذاهب قائمة على التعصب والحقد تجاه المذاهب الأخرى أو الجهل بها أو التهجم عليها. وإعتبار هذا التعدد تعدد أراء ووجهات نظر دون الإساءة لعلاقة الأخوة والوحدة بين المسلمين.

وللوصول إلى هذه النتيجة وتأكيدها على الدارس أن يعود إلى الثوابت الشرعية في أسباب اختلاف الأئمة والمفكرين ومنشأ قيام المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية الإسلامية وهو أمر طبيعي يعود إلى اختلافهم في فهم دلالات النص، وإلى اختلافهم في الحكم على صحة النص، أو وصول النص إلى الفقيه أو عدمه، وكذلك إلى اختلافهم في الترجيح بين الأدلة عند تعارضها، واختلافهم فيما لم يرد فيه نص صريح، واختلافهم في قطعية الثبوت أو ظنية الثبوت فضلاً عن اختلاف نظرتهم وتفسيراتهم للوقائع والأحداث التي انبثقت عنها اختلافات في وجهات النظر الفكرية تجاه كثير من القضايا. وبذا يظهر أن الإختلاف في الفروع والقضايا الجزئية أمر غير مستغرب ولا يفسد للود قضية، وهو يثري المسيرة كما أنه عنوان للسعة والرحمة. شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التعصب والتناحر والتازع والفرقة. فبذلك يجب أن يكون الهدف من التقريب هو التقريب بين جميع طوائف ومدارس ومذاهب المسلمين لأن الأصل أنها جميعاً قريبة من بعضها البعض بحكم التقائها على الأصول والقواعد وأن الخلاف محصور في الفروع وبعض التصورات وليس المقصود تذويب المذاهب أو إلغاءها أو دمج المذاهب بعضها ببعض أو إيجاد مذهب جديد يلغي الباقي وبعبارة أخرى أن الهدف هو إبراز الجوامع المشتركة واحترام الفروق في إطار التأكيد على وحدة الأمة.

أذكر هنا واقعة تدل على هذا الفهم (روى أبو نعيم في حلية الأولياء" عن مالك أنه قال: شاوَرَني هارون الرشيد في أن يعلّق الموطأ على الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلٌّ مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله. وروى ابن سعد في"الطبقات" عن مالك أنه لما حجّ المنصور قال لي: عزمت على أن آمر بكتبك هذة التي وضعتها، فتُنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوا إلى غيرها فقلت لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم الأقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم) [1].

إن التقريب بين المذاهب والمدارس الفكرية الإسلامية هدف نسعى إليه جميعاً لأن فيه قوة المسلمين ووحدتهم وهو من عمل رواسخ العلماء في توحيد رؤيتهم ووجهات نظرهم. وقد آن أوان الإستيقاظ فلابد أن تتوحد الأمة وتبتعد عن المزالق التي وقعت فيها من التفرقة والتشتت والمباغضة والمعاداة بينهم.


[1]: الموطأ للإمام مالك: المقدمة.

 

    السابق 1 2 3 4 5 التالي

الرئيسية من نحن النشرة الإخبارية اتصل بنا سجل الزوار
مؤسس دار الإيمان - التقارب بين المدارس الإسلامية - أحداث هامة - التصوف الصحيح - الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
 
مثابة دار الإيمان لرعاية الأيتام - جمعية دار الإيمان الخيرية - المكتبة - مقالات وأبحاث - أرشيف الصور
- مختارات مفيدة

سؤال وجواب تصويت منتدى دار الإيمان
مواقع ننصح بزيارتها إبحث في الموقع

إتفاقية استخدام الموقع © 2005 دار الإيمان
Powered by
FTNCS